Top
Image Alt

معنى الاشتراك

  /  معنى الاشتراك

معنى الاشتراك

يقول ابن الحاجب -رحمه الله- في: (شرح المفصل): “إن المشترك هو اللفظ الواحد الدال على معنيين مختلفين أو أكثر، دلالة على السواء عند أهل تلك اللغة، سواء كانت الدلالتان مستفادتين من الوضع الأول، أو من كثرة الاستعمال، أو استفيدت إحداهما من الوضع، والأخرى من كثرة الاستعمال، وهو في اللغة على الأصح. وقد اختلف فيه هل هو واجب أو لا؟ وبتقدير ألَّا يكون واجبًا، فهل هو ممتنع أو ممكن؟ وبتقدير إمكانه هل هو واقع أو لا؟ فهذه احتمالات أربع بحسب الانقسام العقلي”.

وقد ذهب إلى كل احتمال فريق من العلماء، فأحاله ثعلب، وأبو زيد البلخي، والأَبْهُري، على ما حكاه ابن العارض المعتزلي، في كتابه: (النكت)، وحكاه أيضًا صاحب (الكبريت الأحمر)، ومنعه قوم في القرآن خاصة؛ ونسب هذا القول لأبي داود الظاهري، ومنعه آخرون في الحديث النبوي الشريف، ونقل عن القاضي عبد الجبار أنه نقل عن جماعة من متأخري زمانه، إنكار أن يكون اللفظ موضوعًا لضدين، فإن خصوه بهما دون غيرهما -كما هو ظاهر كلامه- فهو قول آخر.

وقد صار إليه الإمام فخر الدين الرازي، فقال: “يمتنع بين النقيضين فقط؛ وذلك لخلوه في هذه الحالة عن الفائدة”.

لكن الإمام سراج الدين الأَرْمَوِي صاحب كتاب (التحصيل) رد عليه بأنه إنما يلزم بالنسبة إلى وضع واحد، والظاهر أنه مراد الإمام؛ لأن عدم العبث بالنسبة إلى فاعلين لا يلزم مِن فِعل أحدهما علم الآخر به.

وقيل: يمتنع في اللغة الواحدة من واضع واحد، ويجوز في لغتين من واضعين. حكاه الصفّار في (شرح سيبويه). وقال صاحب (الكبريت الأحمر): “مذهب الأكثرين أن المشترك أصل في الوضع، والمتعين كالمتباين والمترادف. وذهب قوم إلى أنه ليس بأصل في ذلك، وإنما هو في المتباينة أو المترادفة في حق الوضع، والتعين كالمجاز من الحقيقة، وعلى ذلك تحصلنا من أقوال العلماء السابقة على تسعة مذاهب”.

وقد منع بعض المتأخرين القول بالوجوب، وقال: ليس إلَّا قولان: الوقوع، وعدمه؛ لأن الوجوب ها هنا هو الوجوب بالغير، إذ لا معنى للوجوب بالذات، والممكن الواقع هو الواجب بالغير، ولا معنى لإنكار ذلك؛ وهو قول ثالث منقول، وقول الوجوب -كما قاله شارح (المحصول)-: “إن الحاجة العامة اقتضت أن يكون في اللغات، وقول الوقوع مع الإمكان معناه أن المصلحة لم تقتض ذلك، ولكنه وقع اتفاقًا مع إمكانه، كوقوع سائر الألفاظ”.

والمذهب المختار جواز المشترك عقلًا ووقوعه سمعًا.

يقول سيبويه: “ويل له: دعاء وخبر، والصحيح وقوعه في القرآن، كما في قوله تعالى: { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } [البقرة: 228]، فالقرء موضوع للحيض، وموضوع للطهر، وأيضًا قوله تعالى: { وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} [التكوير: 17]، فعسعس معناها أقبل، أو أدبر، فلا وجه لمن أنكر ذلك، ومنع قوم من الاشتراك بين الشيء ونقيضه، ويرد عسعس؛ فإنه موضوع للإقبال والإدبار، إلَّا على رأي من يزعم أنها مشتركة بين إدخال الغاية وعدمه”.

واختلفوا في وقوع الأسماء المشتركة الشرعية، يقول الرازي: “والحق الوقوع؛ لأن لفظ الصلاة مستعمل في معانٍ شرعية مختلفة بالحقيقة، ليس فيها قدر مشترك بين الجميع”.

ويقول -تلميذه- الحُوبِي في كتابه: (الينابيع): “أما في لغتين فلا شك فيه، فإن الشهر في اللغة العربية: لزمان ما بين الاستهلالين، وفي الفارسية: للبلد، وهو مكان ما بين حدين، وأما في لغة واحدة فالظاهر أن أحدهما أصل والآخر فرع، كالعين في العضو أصل، بدليل أنه اشتق منه فعل، تقول: عانَه، أي”: أصابه بعينه، والذهب سمي بالذهب؛ لعزته كعزة العين، وسميت الفوارة عينًا؛ لخروج الماء منها، كما أن العين منبع النور، والماء عزيز كنور العين.

ومنه ما وضع لمعنى جامع لشيئين؛ فاستعمل في كل منهما، فظن أنه مشترك، ويمكن أن يكون القرء من ذلك، والعلم بكون اللفظ مشترك يحصل إما بالضرورة، وهو ما يدرك بحاسة السمع من أهل اللغة لكونه مشتركًا، وإما بالنظر بأن يوجد في كل من المعنيين طريق من الطرق الدالة على كون اللفظ حقيقة.ومنهم من قال: يُستدل عليه بحسن الاستفهام عن مدلول اللفظ؛ لأن الاستفهام هو طلب الفهم، وهو لما يكون عند تردد الذهن بين المعنيين”.

ورد هذا الكلام الإمام الرازي، فإن الاستفهام قد يكون لمعان شتى غير الاشتراك.

ومنهم من قال: يستدل عليه باستعمال اللفظ بين معنيين ظاهرًا، وهذا ضعفه الإمام الرازي، لكن تأتي مسألة وهي في حقيقة وقوع المشترك، وذلك بأحد أمرين، أحد هذين الأمرين؛ وهو الأكثر يقع مِن واضعَين، بأن يضع أحدهما لفظًا لمعنى، ثم يضعه الآخر لمعنى آخر، كالصدفة في لغة نجد: الظلمة، وفي لغة غيرهم: الضوء؛ قاله الجوهري في: (الصحاح)، ولا حاجة لقيد التباس الواضعين، كما قاله الأصفهاني في شرح: (المحصول)؛ زاعمًا أن اللفظ بالنسبة إلى كل واحد منفرد، إذ ليس ذلك بشرط؛ لأنه صدق عليه أنه موضوع لمعنيين، وإن كان واضعاه معروفين.

الأمر الثاني: يكون مِن واضع واحد وله فوائد؛ منها: غرض الإبهام على السامع، حيث يكون التصريح سببًا لمفسدة.

ومنها استعداد المكلف للبيان؛ هكذا قاله الإمام الرازي وغيره.

وعن المبرد، وغيره من أئمة اللغة، إنكار وقوعه من واضع واحد، وسبق كلام ابن الحوبي في ذلك، لكن هل الغالب المشترك أوالحقيقة؟ المشترك خلاف الأصل، والمراد بالأصل هنا الغالب، فإذا جهلنا كون اللفظ مشتركًا، أو منفردًا؛ فالغالب عدم الاشتراك، فيحكم بأنه منفرد لاستقراء أن أكثر الألفاظ مفردة، وإلَّا لما حصل التفاهم في الخطاب دون الاستفسار، وقبوله دون معلوم.

فإن قلت: إن الاشتراك أغلب؛ لأن الحروف كلها مشتركة بشهادة النحاة، والماضي مشترك بين الخبر والدعاء، والمضارع مشترك بين الحال والاستقبال، والأسماء فيها الاشتراك كثير، فإذا ضممتها إلى القسمين كان الاشتراك أكثر.

وأجيب: بأن أغلب الألفاظ أسماء والاشتراك فيها قليل، لكن يقول صاحب (الكبريت الأحمر): “مذهب الأكثرين أن اللفظ المشترك أصل في الوضع والتعيين، كالمتباين والمترادف، وذهب قوم إلى أنه ليس بأصل في تلك، وإنما هو من المتباينة، أو المترادفة في حق الوضع، والتعيين كالمجاز من الحقيقة؛ لأن الكلام وضع للإفهام، والمشترك إلى الإبهام أقرب منه إلى الإفهام، أي: أن المشترك يكون فيه إبهام، ويكون فيه عدم فهم واضح، فكيف يكون أصلًا في وضع الإفهام؟”.

ولنا أنه يستعمل على السويَّة في المعاني، والاستعمال دليل الحقيقة، ولا إبهام خاصة إذا وُجدت القرينة المميزة.

المشترك له مفهومان فصاعدًا، أي: أن المشترك لا بد له من مفهومين فصاعدًا، فمفهوماه إما أن يتباينا، أي: لا يمكن الجمع بينهما في الصدق على شيء واحد، كالقرء للطهر والحيض، فهنا لا يمكن أن نجمع بينهما في الصدق على شيء واحد، وسواء تباينا بالتضاد أو غيره على الأصح، خلافًا لمن منع وضعه للضدين، وإما أن يتواصلا، فإما أن يكون أحدهما جزءًا للآخر، أو لازمًا له، والأول: كالإمكان العام والخاص، والثاني: كالكلام؛ فإنه مشترك بين النفساني واللساني، أي: أن الكلام لفظ مشترك، فتارة يستعمل الكلام في الكلام النفساني، وتارة يستعمل الكلام في الكلام اللساني، مع أن اللساني دليل على النفساني.

يقول الشاعر:

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما

*جعل اللسان علي الكلام  دليلًا

أي: أن الكلام اللساني دليل على الكلام النفسي، والدليل يستلزم مدلوله.

error: النص محمي !!