Top
Image Alt

من المخصصات المتصلة: التخصيص ببدل البعض

  /  من المخصصات المتصلة: التخصيص ببدل البعض

من المخصصات المتصلة: التخصيص ببدل البعض

أنواع البدل:

للبدل أربعة أنواع:

الأول: بدل كل من كل: وهو بدل الشيء مما هو طبق معناه، نحو: قول الله تعالى: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } [الفاتحة: 6، 7]، فـ{ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } بدل من { الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ }، وهو بدل كل من كل.

الثاني: بدل بعض من كل: وهو بدل الجزء من كله قليلًا كان ذلك الجزء أو مساويًا أو أكثر، مثل: أكلت الرغيف ثلثه، أو نصفه، أو ثلثيه، ولا بد من اتصاله بضمير يرجع على المبدل منه؛ كقوله تعالى: { ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ} [المائدة: 71]، أو مقدر كقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا } [آل عمران: 97].

الثالث: بدل الاشتمال: وهو بدل شيء من شيء يشتمل عامله على معناه اشتمالًا بطريق الإجمال، مثل: أعجبني زيد علمه، أو حسنه، وسرق زيد ثوبه، أو فرسه، وأمره في الضمير كأمر بدل البعض، مثال المقدر: { قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ } [البروج: 4]، أي: النار فيه، وقيل: الأصل ناره، ثم نابت “أل” عن الضمير.

الرابع: البدل المطابق، وهو ثلاثة أقسام:

الأول: إن لم يكن مقصودًا ألبتة ولكن سبق إليه اللسان، وهو بدل الغلط، أي: بدل عن اللفظ الذي هو غلط؛ لا أن البدل نفسه هو الغلط، كما قد يتوهم بعض الناس.

الثاني: إن كان مقصودًا؛ فإن تبين بعد ذكره فساد قصده؛ فبدل نسيان، أي: بدل شيء ذكر نسيانًا، وقد ظهر أن الغلط متعلق باللسان والنسيان متعلق بالجنان؛ فالغلط متعلق باللسان، أما النسيان فهو متعلق بالقلب.

الثالث: إن كان قصد كل واحد منهما صحيحًا؛ فبدل الإضراب، ويسمى بدل البداء.

والبدل الذي يكون مخصصًا هو بدل البعض؛ كما ذكر ذلك علماء الأصول -رحمهم الله- ويلحق به بدل الاشتمال.

تعريف البدل:                  

البدل في اللغة: يقال: أبدله بخوفه أمنًا، وبدله مثله، وبدل الشيء غيره، وتبدلت الدار بأنسها وحشًا، واستبدلته، وبادلته بالسلعة إذا أعطيته شروى ما أخذته منه، وتبادلا ثوبيهما، وهذا بدل منه وبديل منه، وهم أبدال منهم وبدلاء، وهذا بديلٌ ما له عديل، وفي: (القاموس المحيط): بدل الشيء: محركه، وبالكسر الخلف منه، والجمع: أبدال، وتبدله وبدله اتخذه منه بدلًا؛ فالبدل في اللغة: الخلف، أو ما يقوم مقام غيره.

أما تعريف البدل في الاصطلاح: فقد عرَّف النحويون بدل البعض: بأنه بدل الجزء من الكل؛ أما الأصوليون، فقالوا فيه: إنه ما كان مدلوله جزءًا مما أبدل منه؛ وعلى هذا فإن بدل البعض؛ يخرج غير المبدل من الحكم وينحِّيه عن أن يدخل تحت إرادة حكم العام.

حكم التخصيص ببدل البعض:

الأصوليون مختلفون في حكم تخصيص العموم ببدل البعض؛ فمنهم من قال بأنه يخصص، ومنهم من قال بأنه لا يخصص، ولكل فريق دليله ووجهته، وسنتناول هذا الموضوع مفصلًا فيما يأتي:

القول الأول: إن بدل البعض يخصص العموم، ويخرج ما لم يتناوله البدل من حكم العموم:

مثال ذلك: قول الله -تبارك وتعالى- في كتابه الكريم: { ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ } [المائدة: 71]؛ فـ{ كَثِيرٌ} بدل البعض من الضمير في قوله { عَمُوا }؛ ولو لم يكن البدل مذكورًا لعم الحكم جميعهم، أما وقد ورد قيد في الآية وهو بدل البعض؛ فإنه يخرج من الحكم ما سوى الكثير، وهو العدد الأقل.

مثال آخر: يقول الله -تبارك وتعالى- في كتابه الكريم: { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا } [آل عمران: 97]؛ فقوله تعالى { مَنِ اسْتَطَاعَ }، بدل البعض من { النَّاسِ}، فدل ذلك على أن الحج مشروط بالاستطاعة، وأن الاستطاعة بمفهومها المالي، والجسمي؛ ضابط منظم لفريضة الحج؛ فلو خلت الآية الكريمة من هذا الضابط؛ لكان الحج واجبًا على الناس جميعًا، تمكنوا من ذلك أو لم يتمكنوا، استطاعوا أو لم يستطيعوا؛ فكان لبدل البعض فائدة جليلة في البيان القرآني؛ حيث تقوم بها الشروط، وتبرز بها القيود والضوابط.

ومن الذين ذهبوا إلى القول: بأن بدل البعض يخصص العموم: الإمام ابن الحاجب -رحمه الله- حيث قال: ومن المخصصات بدل البعض، نحو: أكرم الناس العلماء منهم؛ وبه قال الإمام الشافعي، كما ذكر البناني -من المالكية- في حاشيته على (شرح جمع الجوامع).

القول الثاني: إنه لا يخصص العموم؛ لأن المبدل منه بمثابة المطروح؛ فلا يوجد فيه معنى الإخراج؛ وممن اختار هذا القول، الإمام تاج الدين السبكي، ذكر ذلك الجلال المحلي؛ حيث قال: ولم يذكره الأكثرون، وصوبهم الشيخ الإمام والد المصنف؛ إذًا يقصد به الإمام تقي الدين السبكي، علي بن عبد الكافي؛ لأن المبدل منه في نية الطرح؛ فلا تحقق فيه لمحل يخرج منه فلا تخصيص به.

ويعترض عليه بما ذكره الإمام الشوكاني، أن الذي عليه المحققون كالزمخشري: أن المبدل منه في غير بدل الغلط، ليس في حكم المهدر؛ بل هو للتمهيد والتوطئة؛ وليفاد بمجموعهما فضل تأكيد وتبيين لا يكون في الإفراد، كما نقل قول السيرافي، ومفاده: أن النحاة زعموا أنه في حكم تنحية المبدل منه، ولا يريدون إلغاءه؛ وإنما مرادهم أن البدل قائم بنفسه، وليس تبيينه الأول كتبيين النعت، الذي هو من تمام المنعوت وهو معه كالشيء الواحد.

ويلحق ببدل البعض: بدل الاشتمال؛ مثل قول الله -تبارك وتعالى- في كتابه الكريم: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} [البقرة: 217]، حيث بين أن السؤال كان عن القتال في الشهر الحرام، والذي حدد هذا المعنى: هو قوله تعالى: {قِتَالٍ فِيهِ} [البقرة: 217]، فبين ما خصص به عموم السؤال؛ فيكون القتال وهو بدل اشتمال تخصيصًا لعموم السؤال عن الشهر الحرام؛ فأخرج به ما عدا السؤال عن القتال في الشهر الحرام.

القول المختار هو ما ذهب إليه الأكثرون من علماء الأصول، كالشافعي، وابن الحاجب؛ وهو جواز تخصيص العموم ببدل البعض وبدل الاشتمال؛ لوضوح أدلتهم مما ذكروه من أمثلة مختارة من كتاب الله -تبارك وتعالى- تبين ورود بدل البعض، وبدل الاشتمال في آيات كريمة، وأن إعمال المعنى والمدلول أولى من إهماله؛ وفقًا للقاعدة الأصولية التي توضح ذلك بأن: إعمال الكلام أولى من إهماله؛ ولأن هذا القول مبني على رأي المحققين من علماء النحو، في أن المبدل منه ليس بمثابة المهدر المطروح؛ بل بمثابة التوطئة والتمهيد؛ زيادة لتأكيد المعنى وتوضيحه، وبدل البعض كغيره من التوابع والقيود، مثل الصفة والغاية، وإذا حصل الاتفاق في أقوال العلماء، على أن تلك القيود هي مخصِّصات لعموم اللفظ، وأن البدل لا يخرج عنها من حيث المقصد؛ فلا غرو أن يكون مخصِّصًا كتلك التي تماثله من التوابع.

القدر المخرَج من العموم بالبدل:

هل يشترط للقدر الذي يخرج للبدل أن يكون أقل، أو لا يشترط ذلك؟

القول الذي ذهب إليه النحاة: أنه لا يشترط ذلك؛ فيجوز أن يكون القدر المخرج بالبدل أكثر من المبدل منه، أو مساويًا له، أو أقل منه؛ وممن ذهب إلى هذا القول: الإمام الشوكاني؛ حيث قال: ولا يشترط فيه ما يشترط في الاستثناء من بقاء الأكثر عند من اعتبر ذلك؛ بل يجوز إخراج الأكثر وفاقًا، نحو: أكلت الرغيف ثلثه، أو نصفه، أو ثلثيه؛ فهذا الكلام يدل على جواز إخراج الأكثر بالبدل بالاتفاق على النحو الذي يوافق الشرط والغاية والصفة، في أنه يجوز إخراج الأكثر بها دون خلاف؛ بخلاف الاستثناء الذي لا يصح إخراجه.

وعلى ذلك؛ فيكون البدل نوع من أنواع المخصِّصات يدخل على العموم؛ فيخرج منه أفراد المبدل منه.

أيضًا البدل، يثبت حكم العام للمخصِّص، ويستفاد الحكم من صيغة الفعل الذي تناول العموم، وقد ورد بصيغة المضارع أو الأمر، أيضًا أنه يبقى للمبدل منه فائدة التوطئة والتمهيد؛ لبيان المحل؛ وليشتمل مع البدل في تقوية المعنى وتأكيده؛ وعلى ذلك فالبدل من المخصصات المتصلة، يقول البعلي -رحمه الله-: عطف البيان، والتوكيد، والبدل، ونحو ذلك من الأسماء المخصِّصة، ينبغي أن تكون بمنزلة الاستثناء؛ ولكن بعض العلماء، كالصفي الهندي، وتقي الدين السبكي -رحمهما الله- لم يذكروا بدل البعض من الكل، كمخصص من المخصِّصات؛ وذلك لأن المبدل منه في نيَّة الطرح؛ فلا تحقق فيه لمحل يخرج منه فلا تخصيص به.

وكما قلنا: إن الإمام الأصفهاني لم يسلم بما ذكره ابن الحاجب؛ وإنما قال: وفيه نظر؛ فإن المبدل في حكم الطرح والبدل قد أقيم مقامه؛ فلا يكون مخصصًا له.

والحق الذي عليه المحققون كالزمخشري -رحمه الله-: “أن المبدل منه في غير بدل الغلط ليس في حكم المهدر مطلقًا، حتى لا يعتبر عمومه وخصوصه؛ بل كما قلنا: أنه للتمهيد وللتوطئة؛ لذكر المبدل؛ ليفاد بمجموعهما فضل تأكيد وتبيين لا يكون في الأفراد؛ لأن النسبة متكررة.

وقد نص الإمام ابن الحاجب -رحمه الله-: على أن البدل الذي يخصص به إنما هو بدل البعض من الكل، دون بقية الأبدال الأخرى؛ لكونها غير متناولة؛ لكن الإمام الزركشي -رحمه الله- يقول في كتابه: (البحر المحيط): التخصيص بالبدل -أعني بدل البعض من الكل- ومنه قول تعالى: { ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ } [المائدة: 71]، ذكره ابن الحاج في مختصره، وأنكره الصفي الهندي، والتخصيص لا بد فيه من الإخراج، ألا ترى إلى قوله تعالى: { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا } [آل عمران: 97]، أن تقديره: ولله حج البيت على من استطاع، وكذا أنكره الأصفهاني شارح (المحصول)، وهذا أحد المذاهب فيه، والأكثرون على أنه ليس في نية الطرح.

وقد ذكر تنبيهان:

التنبيه الأول: أننا إذا جعلناه من المخصِّصات؛ فلا يجيء فيه خلاف الاستثناء في اشتراط بقاء الأكثر؛ بل سواء قل ذلك البعض، أو ساواه أو زاد عليه؛ فهو صحيح.التنبيه الثاني: يلتحق ببدل البعض في ذلك بدل الاشتمال؛ لأن في كليهما بيانًا وتخصيصًا.

error: النص محمي !!