Top
Image Alt

هل يجوز تخصيص العام حتى لا يبقى منه إلَّا فرد واحد

  /  هل يجوز تخصيص العام حتى لا يبقى منه إلَّا فرد واحد

هل يجوز تخصيص العام حتى لا يبقى منه إلَّا فرد واحد

ذكرنا أن هناك أقوالًا للعلماء، ويقول الإمام الزركشي: “وحاصل مذهبنا على ما ذكره الشيخ أبو حامد، وسليم في: (التقريب)، أن العام إذا كان واحدًا معرفًا باللام -كالسارق ونحوه- جاز تخصيصه إلى أن يبقى واحد بلا خلاف، وكذلك الألفاظ المبهمة كـ: من، وما، لا خلاف فيه وفي معناه الطائفة، وإن كان جمعًا -كالمسلمين أو ما في معناه كالرهط والقوم- جاز تخصيصه إلى أن يبقى أقل الجمع، وفي جواز تخصيصه -إلى أن يبقى أقل من ذلك- وجهان؛ أحدهما: يجوز، وهو قول العراقيين والمعتزلة، كما قاله سليم

 الثاني: لا يجوز، وهو قول القفال” انتهى.

يقول الشيخ أبو حامد: “والصحيح عندي أنه يجوز التخصيص إلى أقل من ثلاثة، وإن كان اللفظ موضوعًا للثلاثة في اللغة في حقيقته، إلَّا أنه يجوز أن يعدل به إلى المجاز، واحتج له بقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، وقال “إلكيا هراسي”: “هذه المسألة تستدعي تقديم أصل، وهو القول في أقل الجمع، قلت: وعلى ما اختاره الجمهور من الجواز إلى الواحد، لا يبقى للبناء على ذلك وجه”.

وقد سبق في مسألة أقل الجمع كلام يتعلق بهذا.

نستطيع أن نوجز هذه الأقوال التي سبق أن قلناها، ونلخصها مع أدلتها فيما يلي، فنقول: اختلف العلماء في مسألة التخصيص إلى أن يبقى من العامِّ شيء، اختلفوا في ذلك على أربعة أقوال:

القول الأول: يجوز تخصيص العام إلى أن يبقى منه جمع كثير، ولا فرق بين كون العام جمعًا مثل: الرجال، أو غير جمع مثل: من، وما، وهذا القول -كما سبق أن قلنا- نقله الآمدي، وابن الحاجب، والأردبيلي، عن الأكثرين، وصححه الإمام الرازي، واختاره أبو الحسين البصري، ونقله ابن برهان عن المعتزلة.

وبعد اتفاق أصحاب هذا القول على أنه لا بد أن يبقى من العام جمع كثير، اختلفوا في تفسير هذا الكثير، فقال ابن الحاجب -رحمه الله-: “لا بد في التخصيص من بقاء جمع يقرب من مدلوله، ومعنى هذا أن يكون أكثر من النصف”.

وقال البيضاوي: “يجوز التخصيص ما بقي غير محصور، أي: يجوز تخصيص العام ما بقي من آحاده عدد غير محصور؛ لأنه لو لم يقف إلى هذا الحد، بل جاز إلى بقاء واحد فقط لم يوافق اللغة؛ لأنها لا تستحسن ذلك”.

وقال ابن برهان: “لن يحد الكثرة هنا بل قالوا: تعرف بالقرائن، وقال بعض العلماء: يشترط أن يكون الباقي معظم الأمر إمَّا في الكثرة وإمَّا في الاعتبار، كما سبق أن مثلنا لذلك”.

واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:

أولًا: لو جاز أن يكو ن الباقي من العام بعد تخصيصه ثلاثة فما دونها، لكان قول القائل: قتلت كل من في المدينة، ولم يقتل إلَّا شخصًا واحدًا، أو ثلاثة؛ غير مستقبح عرفًا؛ لأنه استعمل اللفظ في ما يصلح له، وكذلك لو قال: أكلت كل الرمان في البيت، ولم يأكل سوى رمانة، أو اثنتين، أو ثلاث؛ لكن هذا القول يعد مستقبحًا مستهجنًا عند أهل اللغة، فدل ذلك على أن الباقي من أفراد العام بعد التخصيص، لا يصلح أن يكون ثلاثة فما دونها، وإنما يلزم أن يكون جمعًا كثيرًا وهو المدعى.

نوقش هذا الدليل بأن استقباح مثل هذا القول، إنما يكون عند عدم وجود قرينة، أما إذا وجدت القرينة فلا استقباح، خاصة وأن القول الراجح هو أن العام بعد التخصيص مجاز، ومعلوم أن المجاز لا حجر فيه.

القول الثاني: إن كان العام مفردًا مثل: “من، وأل”، في قولنا: اقتل من في الدار، واقطع السارق، فإنه يجوز التخصيص إلى أقل مراتب المفرد وهو واحد، وإن كان العام بلفظ الجمع -كالرجال والمسلمين- جاز التخصيص إلى أقل الجمع، وهذا قول القفال الشاشي، وابن الصباغ.

واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:

إن الواحد في المفرد متيقن وما عداه مشكوك فيه، كما أن أقل الجمع في الجمع هو المتيقن، وما عداه مشكوك فيه، فحمْل اللفظ المفرد على الواحد، وحمل اللفظ الجمع على أقل مراتبه، حملٌ للفظ على المتيقن، فكان متعينًا؛ لأن فيه عملًا بالأحوط، وهو ما ندَّعيه.

القول الثالث: يجوز أن يكون الباقي بعد التخصيص واحدًا في جميع ألفاظ العموم، أي: سواء كان اللفظ الذي دخله التخصيص جمعًا أوغير جمع، وهذا القول لأكثر الحنابلة، وحكاه إمام الحرمين في: (التلخيص)، عن معظم أصحاب الشافعي -رحمه الله- قال: وهو الذي اختاره الشافعية -رحمه الله- ونقله ابن السمعاني في: (القواطع)، عن سائر أصحاب الشافعي -رحمه الله.

وقال الإمام الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني حكاية عن إجماع الشافعية: وصححه القاضي أبو الطيب والشيخ أبو إسحاق، ونسبه القاضي عبد الوهاب في: (الإفادة)، إلى الجمهور، وقال صاحب (المصادر): إنه الصحيح.

واستدلوا على ذلك بما يلي:

أولًا: قوله تعالى: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [الحجر: 9]، وجه الاستدلال أنه سبحانه وتعالى أراد بهذا الكلام نفسه وحده، فدل ذلك على جواز التخصيص إلى أن يبقى واحد، قال الأردبيلي -رحمه الله-: “أطلق سبحانه إنّ، وهو عام، وأراد سبحانه وتعالى نفسه تعالى فقط، وأجيب عن هذا بأن الآية محمولة على تعظيم المتكلم، وهو بمعزل عن التخصيص، فالآية ليست في محل النزاع”.

ثانيًا: لما أرسل عمر رضي الله عنه إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه القعقاع رضي الله عنه مع ألف فارس قال له: “قد أنفذت إليك ألفي رجل” فأطلق رضي الله عنه اسم الألف الأخرى، وأراد به القعقاع رضي الله عنه.

وأجيب عن هذا بأنه ليس في محل النزاع؛ لأنه ليس فيه تخصيص مطلقًا؛ لأن عمر رضي الله عنه قصد –بعبارته هذه- بيان أن ذلك الواحد -وهو القعقاع رضي الله عنه- قائم مقام الألف في الشجاعة، والجرأة والإقدام، وغيرها.

ثالثًا: لو قال شخص: أكرم الناس إلَّا الجهال، جاز ذلك، وإن كان العالم واحدًا، وفي هذا دلالة على جواز التخصيص إلى أن يبقى واحد، وأجيب: بأن هذا القول ونحوه، ليس في محل النزاع؛ لأن محل النزاع هو أن يكون مدلول العام موجودًا في الخارج، ومثل هذه الصورة اتفاقية، ولا يعتبر ولا يعتد بها؛ حيث إن الناس هنا ليس بعام، بل هو للمعهود كما في قوله تعالى: { الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ } [آل عمران: 173]، فإن المراد بالناس الأُولى فرد واحد، وهو: نعيم بن مسعود الأشجعي، والمعهود ليس بعام.

استدلوا رابعًا بقولهم: يجوز أن يقول القائل: أكلت الخبز وشربت الماء، والمراد: الشيء الواحد اليسير لما يتناوله الماء والخبز، وأجيب عن ذلك: بأنه غير محل النزاع، فإن كان كل واحد من الخبز والماء ليس بعام، بل هو للبعض الخارجي المطابق للمعهود، والذهني، وهو الخبز والماء المقرر في الذهن أنه يؤكل ويشرب، وهو مقدار معلوم.

القول الرابع: التخصيص إمَّا أن يكون بمخصص متصل أو منفصل، فإن كان المخصص متصلًا ننظر، فإن كان بالاستثناء أو البدل؛ جاز أن يكون الباقي بعد التخصيص واحدًا، نحو: أكرم الناس إلَّا الجهال، وأكرم الناس إلَّا العالم، وإن كان بالصفة، نحو قوله: أكرم الناس العلماء، أو الشرط، نحو قوله: أكرم الناس إن كانوا علماء، فإنه يجوز أن يكون الباقي بعد التخصيص واحدًا، ويجوز أن يكون الباقي بعد التخصيص اثنين؛ أما إن كان المخصِّص منفصلًا ننظر؛ فإن كان العامُّ محصورًا قليلًا؛ جاز التخصيص إلى أن يبقى من أفراد العام اثنان، نحو: قتلت كل زنديق، وكانوا ثلاثة، وقد قتل القاتل منهم اثنين، وإن كان العام غير محصور، نحو: قتلت كل من في المدينة، أو محصورًا كثيرًا، نحو: أكلت كل الرمان، وقد كان الرمان ألفًا، فيجوز التخصيص إلى أن يبقى من العامِّ عدد قريب من مدلوله قبل التخصيص، وهذا التفصيل لابن الحاجب -رحمه الله- وهو تفصيل -كما قلنا قبل ذلك- لم يُعرف لأحد غيره من العلماء.

وقد صرح بعدم معرفة هذا التفصيل عن غيره عدد من العلماء، منهم الإسنوي، وتاج الدين السبكي، والأردبيلي، يقول الأردبيلي: “واعلم أن هذا التفصيل لم يعرف لغيره، وفيه تحكمات ودعاوى بلا بيِّنات، ولعل وجهة نظره -رحمه الله- في هذا التفصيل، أن الحكم في الاستثناء إنما يقصد به الباقي بعد الإخراج، فقول القائل: عليَّ عشرة إلَّا تسعة، يقصد إقراره بالواحد فقط”.

ولا شك أن التكلم بالواحد ابتداءً جائز، وعليه فيكون التكلم به بعد الاستثناء جائزًا كذلك، كما أن البدل هو المقصود بالحكم كذلك، ولو تكلمنا بالواحد ابتداءً؛ لم يكن ذلك ممنوعًا، فلو تكلمنا به بدلًا قاصدين به الواحد؛ لم يكن ذلك ممنوعًا كذلك؛ وأما ما قاله في الصفة والشرط، والمخصِّص المنفصل، فلعلَّه تتبع الاستعمال، فعلم منه هذا التفصيل؛ هذه هي أقوال العلماء في هذه المسألة.

والذي أراه هو أنه لا بد أن يبقى بعد التخصيص ما يصلح أن يكون مدلولًا للعام، ولا وجه لتقييد الباقي بكونه أكثر مما قد خص، أو بكونه أقرب إلى مدلول العام، فإن هذه الأكثرية والأقربية، لا تقتضيان كون ذلك الأكثر والأقرب، هما مدلولا العام على التمام؛ فإنه بمجرد إخراج فرد من أفراد العام؛ يصير العام غير شامل لأفراده كلها، كما يصير غير شامل لها عند إخراج أكثرها.

ولا يصح أن يقال: إن الأكثر في حكم الكل؛ لأن النزاع في مدلول اللفظ، ولهذا يأتي الخلاف في كون دلالة العام على ما بقي بعد التخصيص، من باب الحقيقة أو المجاز، ولو كان المخرج واحدًا، كما أنه لا وجه لقول من قال بالفرق بين كون الصيغة مفردة لفظًا كـ “مَن”، و”ما”، وبين كونها غير مفردة، فإن هذه الصيغ التي ألفاظها مفردة، لا خلاف في كون معانيها متعددة، والاعتبار إنما هو بالمعاني لا بمجرد الألفاظ.

بذلك ننتهي من الكلام على مسألة المقدار الذي لا بد من بقائه بعد التخصيص، والتي من الممكن أن تترجم لها، بالغاية التي ينتهي إليها التخصيص.                    

error: النص محمي !!