Top
Image Alt

هل يحتج بالعام المخصوص؟

  /  هل يحتج بالعام المخصوص؟

هل يحتج بالعام المخصوص؟

المسألة الأولى وهي: هل يحتج بالعام المخصوص، ومن الممكن أن يترجم لها، بحجية العام المخصوص.

ينظر المجتهد الأصولي فيما يواجهه من نص عام؛ عسى أن يعثر على مخصص يتوارد عليه، فإن أعياه البحث والتنقيب عن ذلك رجع في التطبيق العملي؛ لإعمال النص العام بعمومه وشموله باستغراقه، وما جمع من أفراد وأجناس، وما دل عليه من أحكام لأجزاء متعددة، ولكن ما هو موقف العلماء لدى مواجهة العام المخصوص؟ أيعملون به فيما تبقى له من أفراد، أويترك دون التطبيق بسبب ما انتابه من تخصيص؟ وبمعنى آخر: هل يعتبر العام المخصوص حجة فيما معه من أجزاء وأفراد بعد دخول المخصص؟

سؤال يعرض للمجتهدين والباحثين، ذلك لما أورد التخصيص من علم يقيني بأن المشرع لم يقصد من سوقه لهذا النص العموم، وإنما استهدف التخصيص بما أقام من نص آخر، وبما أظهر من دليل مخصِّص توفرت فيه سمات وصفات، وقامت به شروط وضوابط تمنحه أهلية التخصيص.

هل كان للعلماء موقف موحد إزاء حجية العام المخصوص، أواختلفوا في ذلك؟ وكثير من المسائل الأصولية والقضايا العلمية تكون مثار جدل ومناقشات طويلة للعلماء، بسبب اختلاف مواقفهم وسعة معرفتهم، وما يقومون به من اجتهادات علمية يبتغون من وراء ذلك، الأجر من عند الله تعالى، جزاء صبرهم وتحملهم أعباء العلم ونفسهم الطويل، وجهدهم المتواصل لدراساتهم النيرة وأبحاثهم المغنية.

ومسألة حجية العام المخصوص، كغيرها من المسائل الأصولية، التي أثارت جدلًا ومناقشات وآراء، كان لها أثرها في الدراسات الأصولية النظرية، والبنية الفكرية لأئمة الفقه والاجتهاد، نوجزها فيما يلي على المسار الذي اعتدناه في تجميع الأقوال المتقاربة ما أمكن إلى ذلك، تيمنًا في تقارب الآراء، مع عرض لمجمل الأدلة التي ساقها علماؤنا في تأييد وجهة نظرهم، فلم تتفق كلمة العلماء بالنسبة للاحتجاج بالعام بعد تخصيصه.

وإنما اختلفوا في الاحتجاج به على ثمانية أقوال، وقد جعل بعض العلماء الخلاف منحصرًا في العام الذي خص بمعين، أما العام الذي خص بمبهم، كما لو قال: اقتلوا المشركين إلَّا بعضهم، فلا يحتج به على شيء من الأفراد؛ إذ ما من فرد إلَّا ويجوز أن يكون هو المخرج، وإنما يتوقف الاحتجاج به حتى يجيء البيان؛ لأنه صار مجملًا.

يقول الإمام الزركشي -رحمه الله-: “العام إذا خص فإما أن يخص بمبهم أو معين، فإن خص بمبهم كما لو قال: اقتلوا المشركين إلَّا بعضهم، فلا يحتج به على شيء من الأفراد؛ إذ ما من فرد إلَّا ويجوز أن يكون هو المخرج، ولأن إخراج المجهول من المعلوم يصيره مجهولًا، ولهذا لو قال: بعتك هذه الصرة -أي: الكمية من الطعام- إلَّا صاعًا منها، لم يصح، ومثله الإمام الغزالي في كتابه: (المنخول)، بما لو تمسك في مسألة الوتر بقوله: “افعل الخير؛ لأن المستثنى من عموم هذا الأمر غير معلوم، فيكون مجملًا”.

هذا، وقد ادعى جماعة في هذا النوع الاتفاق، منهم القاضي أبو بكر، وابن السمعاني في: (القواطع)، والأصفهاني في: (شرح المحصول)، وقال: “لم يذهب أحد إلى أنه حجة إذا كان المخصص مجملًا، يقول القاضي: ولا يجوز استعماله إلَّا في أمر واجب على التراخي، عند من أجاز تأخير بيان العام، ولا يجوز عند من منع ذلك في أمر على الفور”.

يقول الزركشي: “قلت: وما ذكروه من الاتفاق ليس بصحيح؛ فقد حكى ابن برهان في كتابه: (الوجيز)، الخلاف في هذه الحالة، وبالغ في تصحيح العمل به مع الإبهام، واعتل بأنا إذا نظرنا إلى فرد شككنا فيه، هل هو من المخرج، والأصل عدمه فيبقى على الأصل، ويعمل به إلى أن يُعْلَم بالقرينة أن الدليل المخصص معارض للفظ العام، وإنما يكون معارضًا عند العلم به” انتهى، وهو صريح في الإضراب عن المخصص والعمل بالعام في جميع أفراده، وهو بعيد.

وقد رد الإمام الهندي هذا البحث؛ بأن المسألة مفروضة في الاحتجاج به في الكل المخصوص وغيره، ولا قائل به، وليس كما قال صفي الدين الهندي؛ فقد حكى الخلاف فيه صاحب (اللباب)، من الحنفية وعبارته فيه: “وقيل: إن كان المخصوص مجهولًا؛ لم يثبت به الخصوص أصلًا، بل يبقى النص عامًّا كما كان، كذا حكاه أبو زيد في: (التقويم)، وممن حكى الخلاف أبو الحسين بن القطان، فقال في كتابه: “الخطاب إذا علم خصوصه ولم يعلم مما يخصه كيف يعمل به، ذهب بعض أصحابنا إلى إحالة هذا، وقال: إن البيان لا يتأخر، وهذا يؤدي إلى تأخيره إن أجزناه.

وقال بعضهم: يجوز ذلك ويعتقد فيه العموم إلَّا موضعًا خص منه، غير أنه إذا جاء ما يشتمل عليه العموم أمضاه؛ لأنه لو كان فيه خصوص؛ لخصه الله تعالى وبينه؛ لأن البيان لا يتأخر عن وقت الحاجة، ومنهم من قال: أقف في هذا، يعني: أختار الوقف؛ لأني قد علمت أنه مخصوص، ولعل الحكم الذي حكم به من حيز الخصوص، كما لو علم في الآية نسخًا؛ فلا يجوز أن يجريه على الأصل؛ لجواز النسخ، فكذلك التخصيص”.

وكذلك حكاه الحنفية في كتبهم، منهم أبو زيد الدبوسي، وشمس الأئمة السرخسي، وغيرهما، فقالوا: إذا خص وجب الوقف فيه إلى البيان، سواء خص بمجهول أو معلوم؛ لأنه عند التخصيص يصير مجازًا في البعض، وذلك البعض مجهول فلم يبق حجة، ونقل عن بعضهم أنه إذا خص بمجهول لم يثبت التخصيص، ثم قال: والذي ثبت عندي من مذهب المتقدمين أنه باق على عمومه بعد التخصيص، سواء خص بمجهول أو معلوم، لكن دلالته على أفراده تبقى ظنية، وعليه جمهور العلماء.

وقال صاحب (اللباب): “ذهب عامة أصحابنا وأصحاب الشافعي إلى أنه يبقى عامًّا فيما وراء التخصيص، ويصح التعلق به، سواء كان المخصص معلومًا أو مجهولًا، ولكنه موجب للعمل لا للعلم، بخلاف ما قبل التخصيص عندنا فإنه قطعي، وقيل: إن كان المخصص معلومًا صح التعلق به وإلَّا فلا”.

وقال الكرخي، وأبو عبد الله الجرجاني: “لا يبقى للباقي عموم ولا يصح التعلق به، ولكن إذا كان معلومًا يبقى موجبًا للعلم والعمل، أو مجهولًا لا يوجبهما، بل يوقف على دليل آخر، وقيل: إن كان المخصِّص مجهولًا لم يثبت به الخصوص أصلًا، بل يبقى النص عامًّا كما كان” انتهى.

هذه هي بعض أقوال العلماء، وقد تبين لنا من هذه الأقوال أن بعض العلماء يجعلون الخلاف منحصرًا في العام الذي خص بمعين، أما العام الذي خص بمبهم فلا يحتج به على شيء من الأفراد، ومن العجب أنهم نقلوا الاتفاق على هذا، بل بالغ بعضهم فنقل الإجماع عليه، وهذا غير صحيح، فلم يتفق العلماء فضلًا عن أن يجمعوا على هذا، والمتأمل في كلام الأصوليين -الذي نقلناه قبل قليل- يجد الخلاف في العام بعد تخصيصه مطلقًا، اي:سواء خص بمعين أو بمبهم، غير أن الخلاف بالنسبة للعام المخصص بمبهم خلاف ضعيف.

الأقوال الثمانية التي قد نوَّهنا عنها، مصحوبة بأدلتها:

القول الأول: العام حجة في الباقي، ويتمسك به في غير المخرج إن خص بمخصص معين، سواء كان المخصص متصلًا أو منفصلًا، وذلك نحو قوله تعالى: { فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5]، ثم قال بعد ذلك: لا تقتلوا أهل الذمة، أما إن خُصَّ العام بمبهم؛ فلا يكون حجة في الباقي بعد التخصيص، وذلك نحو قوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} [المائدة: 1]، وقولهم: هذا العام مخصوص؛ وذلك لأنه ما من فرد إلَّا ويجوز أن يكون هو المخرج؛

وهذا قول جمهور العلماء، ونسبه الآمدي -رحمه الله- إلى الفقهاء، واختاره هو والرازي، وابن الحاجب، والبيضاوي -رحمهم الله- وبه قالت الشافعية، واختاره إمام الحرمين الجويني، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد -رحمه الله- وأصحابه، وقال الإمام الدبوسي -رحمه الله-: “هو الذي صح عندنا من مذهب السلف، لكنه غير موجب للعلم قطعًا، بخلاف ما قبل التخصيص”.

وقد استدل أصحاب هذا القول بأربعة أدلة؛ وهي:

الدليل الأول: إن العام عند تخصيصه بمبهم، يكون كل فرد من أفراده محتملًا لأن يكون هو الذي خرج بالتخصيص، ومع هذا الاحتمال لم يكن العام متناولًا لشيء معين، فلا يكون حجة في الباقي، أما إذا خص بمعين فليس فيه هذا الاحتمال، ومن ثم كان المقتضي للعمل به فيما بقي موجودًا، وهو دلالة اللفظ عليه والمعارض مفقود، فوجد المقتضي وعدم المانع، فوجب ثبوت الحكم، وهو الاحتجاج به إن خص بمعين.

الدليل الثاني: أن الصحابة -رضوان الله عليهم- استدلوا بالعام بعد التخصيص مطلقًا، ولم يفرقوا بين كون المخصِّص متصلًا أو منفصلًا، وشاع وذاع ولم ينكر عليهم أحد، فيكون إجماعًا منهم على أن العام بعد التخصيص حجة في الباقي، ومن أمثلة ذلك ما يلي:

احتجت السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها على سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه في ميراثها من أبيها صلى الله عليه وسلم، بعموم قوله تعالى: { يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11]، مع أن هذه الآية مخصصة بالكافر والقاتل، ومخصصة أيضًا بالعبد، ولم ينكر عليها أحد من الصحابة في الاحتجاج بهذه الآية، فدل ذلك على أن العام بعد تخصيصه حجة في الباقي من أفراده.

وقد تمسك الصديق رضي الله عنه في عدم إعطائها رضي الله عنها بقوله صلى الله عليه وسلم: ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة)).

روي عن عثمان، وعلي رضي الله عنهما أنهما اختلفا في الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء، وقالا: “أحلتهما آية وحرمتهما آية”، وقد غلب أحدهما آية التحريم، وغلب الآخر -وهو علي- آية التحليل، وكل واحدة من الآيتين دخلها التخصيص، فإن قوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 23]، مخصوصة بالجمع في ملك اليمين، وقوله تعالى: {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } [المؤمنون: 6]، مخصوصة بالمجوسية والمرتدة، فإنه لا يجوز وطء واحدة منهما، بملك يمين ولا بغيره.

ثالثًا: احتج ابن عباس رضي الله عنهما على تحريم نكاح المرضعة، بعموم قوله تعالى: { وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ } [النساء: 23]، وقال: “قضاء الله أولى من قضاء ابن الزبير، فإنه كان يقول: لا تحرم الرضعة، ولا الرضعتان”، ومعلوم أن هذه الآية مخصوصة بأن يكون الرضاع في مدة الحولين، ومع تخصيصها احتج بها حبر الأمة، وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنه ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فكان ذلك إجماعًا منهم على صحة الاحتجاج بالعام بعد التخصيص.

الدليل الثالث: أن العام قبل التخصيص كان حجة في الباقي؛ لأنه قد اقتضى الحكم قبل التخصيص في كل واحد من أفراده، والباقي من جملة أفراده، والأصل بقاء الشيء على ما كان عليه، فيكون حجة في الباقي بعد التخصيص.

الدليل الرابع: أن السيد إذا قال لعبده: أكرم بني تميم، ولا تكرم فلانًا منهم، عد عاصيًا بترك إكرام غيره، وهذا يدل على أن العام بعد تخصيصه حجة.

القول الثاني: أن العام بعد التخصيص ليس حجة في الباقي مطلقًا، وهذا قول عيسى بن أبان، وأبي ثور، كما حكاه عنهما الآمدي والرازي، وحكاه القفال الشاشي عن أهل العراق، كما حكاه إمام الحرمين، عن جماهير المعتزلة وطوائف من أصحاب الرأي.

وقد استدل أصحاب هذا القول بما يلي: إن العام بعد تخصيصه يصبح كل فرد من الأفراد الباقية تحته محتمل لأن يخرج بالتخصيص، ومع هذا الاحتمال يكون بقاء الأفراد مشكوكًا فيه، والمشكوك لا حجة فيه، وعليه فالعام بعد التخصيص لا يحتج به مطلقًا، وهو المدعى.

أجيب عن هذا بأن دلالة العام على الأفراد الباقية بعد التخصيص لا تزال مظنونة، والعمل بالظن واجب، ولا يؤثر في هذا الظن ما خرج بالتخصيص؛ لأن الأصل بقاء الشيء على ما كان عليه، حتى يقوم دليل على خلاف ذلك، ولما كانت دلالة العام على الباقي ظنية وجب العمل به في الباقي، فيكون حجة وهو ما ندعيه.

القول الثالث: أن العام حجة في الباقي إن خص بمخصص متصل، وكما علمنا أن هناك مخصِّصات متصلة ومخصِّصات منفصلة، فالمخصِّصات المتصلة مثل: الصفة، والشرط، والاستثناء، والغاية وغيرها، فإن خص بمخصِّص متصل، كالشرط، والصفة، والاستثناء، والغاية؛ فهو حجة، وليس حجة فيه إن خص بمنفصل، وإنما يصير في هذه الحالة مجمل، والمجمل -كما علمنا- هو ما له دلالة غير واضحة.

وهذا القول حكاه الأستاذ أبو منصور -رحمه الله- عن أبي الحسن الكرخي، ومحمد بن شجاع، أيضًا حكاه أبو الحسين البصري، عن الكرخي -رحمه الله- وقد نسبه ابن عبد الشكور إلى الكرخي، وعيسى بن أبان في رواية، وأبي عبد الله الجرجاني -رحمهما الله- ثم قال: “والمصنف إنما احتاج إلى التفصيل بالمتصل وغيره؛ لأنه جرى على اصطلاح الشافعية”.

وقد استدل -رحمه الله- بما يلي: إن المخصص المتصل يصير مع الأصل حقيقة فيما بقي، حيث إن العام عند تخصيصه بالمتصل لا يحتمل غير الأفراد الباقية، وبذلك يكون العام ظاهرًا فيها، فيكون حجة في الباقي حينئذ؛ لأن العمل بالظاهر هو ما كلفنا به من جهة الشريعة”.

أما المخصص المنفصل فلا يمكن جعله حقيقة مع الأصل، فتعين المجاز والإجمال؛ وذلك لأن العام بعد تخصيصه بمخصص منفصل يكون متناولًا لما خرج، كما هو متناول للباقي بعد الإخراج، وعندئذ فيجوز أن يخرج من الباقي بعض آخر بدليل لم يظهر لنا، فلا يكون العام ظاهرًا في الباقي فلا يكون حجة، نوقش هذا بأن العام الذي يصدق عليه أنه عام دخله التخصيص، هو نفس اللفظ، بقطع النظر عن مخصصه.       

واللفظ بهذا الاعتبار متناول لما بقي ولما خرج، باعتبار وضعه بقطع النظر عن كون المخصص متصلًا أو منفصلًا، ولا شك أن العام حجة قبل أن يدخله التخصيص في كل أفراده؛ لكونه متناولًا لها، فيكون حجة كذلك بعد التخصيص في الباقي؛ لكونه لا يزال متناولًا لها.

وخروج ما خرج لا يؤثر في تناول العامل ما يخرج، حيث إن دلالته على الباقي ليست متوقفة على دلالته على ما خرج، فالفرق هنا غير ظاهر.

القول الرابع: أن العام المخصوص حجة في أقل الجمع؛ لأنه المتعين وليس حجة فيما زاد عليه، وقد علمنا أن هناك خلاف في أقل الجمع، هل أقل الجمع اثنان أوثلاثة؟ قال بعض العلماء: إن أقل الجمع اثنان، واستدلوا عليه بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الاثنان فما فوقهما جماعة))، واستدلوا أيضًا بقول الله تعالى: { وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ } [الأنبياء: 78].

ولكن كل هذه الأدلة وجه الاستدلال بها غير صحيح، والصحيح أن أقل الجمع ثلاثة، فالعام المخصوص حجة في الثلاثة على رأي جمهور العلماء؛ لأنه المتعين وليس حجة فيما زاد على الثلاثة؛ وهذا القول للإمام أبي بكر الرازي، والإمام الجصاص، وقد حكاه القاضي أبو بكر الباقلاني، والإمام الغزالي، والآمدي، وابن الحاجب، والأردبيلي، ولم يذكروا قائله، وقال ابن القشيري -رحمه الله-: “إنه تحكُّم”، وقال الإمام صفي الدين الهندي: “لعله قول من لا يجوِّز التخصيص ألبتة، وحكي في: (المنخول)، عن أبي هاشم بن أبي علي الجبائي: أنه يتمسك به في واحد، ولا يتمسك به جمعًا”.

واستدل القائلون بهذا القول، بأن أقل الجمع متيقن قطعًا من العام بعد التخصيص؛ لأنه لا يجوز أن يراد من العام أقل من ذلك، وما عداه ليس متيقنًا، بل هو مشكوك فيه، اي: في بقائه؛ وذلك لجواز أن يخرج بدليل، كما خرج غيره قبله، فيطرح المشكوك ويؤخذ المقطوع، وبذلك يكون العام حجة في أقل الجمع، وهو المطلوب.

نوقش هذا بعدم التسليم بأن الباقي بعد التخصيص مشكوك في بقائه. يقول عضد الملة والدين -رحمه الله-: “لا نسلم أن الباقي مذكور؛ لما ذكرنا من الدلائل على وجوب الحمل على ما بقي”.

القول الخامس: أن العام حجة في الباقي مطلقًا، سواء خص بمعين أو بمبهم، وسواء كان المخصص متصلًا أو منفصلًا، دل العام على الباقي أو لم يدل، فهو حجة في الباقي مطلقًا، وهذا قول ابن برهان -رحمه الله- واستدل على ذلك بأن الصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا يستدلون بالعمومات المخصوصة من غير نكير، ولم يثبت عنهم التفصيل بالنسبة للمخصص، هل هو مبهم أو منفصل؟ فكان ذلك إجماعًا منهم على أن العام المخصوص حجة في الباقي مطلقًا، من غير نظر إلى نوع مخصِّصه.

وهذا القول يخالف القول الأول؛ لأن القول الأول: أن العام حجة في الباقي إن خص بمخصص معين، إذًا القول الأول، يقف عند المخصِّص المعين، ولا يكون حجة إذا كان مخصِّصه مبهمًا.

القول السادس: إن كان العام مجملًا قبل التخصيص، فلا يكون حجة في الباقي بعد التخصيص، وإن لم يكن مجملًا قبل التخصيص فإنه يكون حجة في الباقي بعد التخصيص، اي: هنا يفرقون بين حالة العام قبل أن يدخله التخصيص، فهل العام قبل أن يدخله التخصيص كان مجملًا، أوأنه كان مبينًا؟ فإن كان مجملًا قبل أن يدخله التخصيص، فلا يكون حجة في الباقي، وإن لم يكن مجملًا، بمعنى أنه كان مبينًا قبل التخصيص، فإنه يكون حجة في الباقي بعد التخصيص، وهذا هو قول القاضي عبد الجبار من المعتزلة -رحمه الله.

واستدل على ما ذهب إليه بما يلي:

أولًا: إن العام كان مجملًا قبل التخصيص، مثل قوله تعالى: { فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ } [الحج: 78]، فكلمة { أَقِيمُوا الصَّلَاةَ } مجملة؛ لأن الصلاة قبل بيانها من الرسولصلى الله عليه وسلم، لا يعلم كم عدد الصلوات وما كيفية الصلاة، هل هي صلاة بركوع وسجود، أوصلاة بغير ركوع وبغير سجود، وكذا إلى آخره، هل فيها قراءة أوليس فيها قراءة، هل فيها تسبيح، أوليس فيها تسبيح، هل فيها تشهد، أوليس فيها تشهد، وكيفية القراءة والركوع، والقيام، والسجود، والتشهد… إلى آخره؟ كل ذلك لم يكن معلومًا، ولم يعلم من قوله: { فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ }؛ فكلمة { فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ }، كلمة مجملة تحتمل أشياء كثيرة، فهنا لا يمكن العمل به في، أي: فرد من الأفراد؛ لاحتياجه إلى البيان؛ ولذلك يجيء قول الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن نزل قول الله تعالى: { فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ }، ويقول: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))، إذًا هذا بيان من الرسول صلى الله عليه وسلم بالفعل بأفعاله ؛لقوله تعالى: { فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ }؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم صلى فقام وقرأ بعد أن كبر، ثم بعد ذلك ركع، فقام فسجد، فقام… إلى آخره؛ كل ذلك بيان لقوله تعالى: { فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ }.

فهنا متى كان العام مجملًا قبل التخصيص؛ لا يكون حجة بعد التخصيص، فإذا خصص وأخرج منه بعض الأفراد -كالمجنون والحائض- بقي كذلك مجملًا بعد التخصيص؛ حيث لا يمكن العمل به في، أيِّ فرد من أفراده الباقية قبل البيان؛ ومن ثم فلا يكون حجة في الباقي، اي: أن صاحب هذا القول يريد أن يقول: إن العام إذا كان مجملًا، فلا يكون حجة لا قبل التخصيص ولا بعد التخصيص؛ لأنه يحتاج إلى بيان، أما إذا كان العام قبل التخصيص مبينًا فهو حجة في كل أفراده، فإذا خصص لم يزل هذا الوصف عنه بالتخصيص، اي: أن هذا الوصف ما زال باقيًا، فصار حجة فيما بقي من الأفراد، يعني: بعد أن يبين اللفظ العام يقول الله تعالى: { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ }، { فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ }، هنا بُينت بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وبقوله: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))، ثم بعد ذلك خرج من قوله تعالى: { فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ }، المجانين، والحائض، والنفساء، فكل هؤلاء لا صلاة عليهم، فهل قوله تعالى: { فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ }، بعد البيان؛ يكون حجة في الباقي؟ هل يكون حجة في الشخص الحر المسلم البالغ العاقل السليم… إلى آخره؟ نعم يكون حجة؛ لأن هذا العام كان قبل التخصيص مبينًا، فكان حجة، فبعد التخصيص لم تزل فيه هذه الصفة، وهي الحجية، فيكون حجة في الباقي.

القول السابع: أن العام حجة في الباقي إن أنبأ عنه قبل التخصيص، وليس حجة في الباقي إن لم ينبئ عنه،اي: يدل عليه قبل التخصيص.

وهذا قول أبي عبد الله البصري، ووجهة هذا القول أن العام متى كان منبئًا عن الباقي مثل قوله تعالى: { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ } [التوبة: 5]؛ حيث يدل على الحربي، وغيره من اليهود والنصارى، فإنه يكون متناولًا للباقي بعد التخصيص ودالًّا عليه، كما كان متناولًا له قبل التخصيص، بل تكون دلالته على الباقي بعد التخصيص أظهر؛ لكونه لا يحتمل غير ما بقي، وحيث كان العام حجة في الجميع قبل التخصيص، كان حجة في الباقي بعد التخصيص كذلك؛ لأن خروج ما خرج لم يؤثر في دلالة العام على الباقي.

إذًا؛ هذا القول يفرق أيضًا بين العام من جهة أخرى، هل العام ينبئ عن الباقي، أو لا ينبئ عن الباقي؟ فقوله تعالى: { فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ } [التوبة: 5]، المشرك هذا؛ يشمل الحربي من اليهود والنصارى، ويشمل الذمي، ويشمل المستأمن؛ فقوله تعالى قبل تخصيصه، فإذا قال الله تعالى: { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ }، ولم نجد له مخصِّصًا يكون هذا القول حجة في قتل كل مشرك، إذًا هو حجة قبل التخصيص؛ لأنه أنبأ عن دخول الباقي.

فإذا خصص وخرج منه الذمي وخرج منه المستأمن وخرج منه المرأة؛ فإنه يكون حجة في الباقي، أيضًا بعد التخصيص كذلك؛ لأن خروج ما خرج لم يؤثر في دلالة العام على ما بقي بعد التخصيص.

أما إذا كان العام لا ينبئ عن الباقي قبل التخصيص، كقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، حيث لا يشعر العام بسارق النصاب من حرز مثله يكون العام ظاهرًا فيه، فإذا قصر هذا العام على الباقي، وأصبح مرادًا به خصوص سارق النصاب من حرز مثله، كانت دلالة العام عليه غير ظاهرة؛ لجواز أن يخرج منه بعض أفراده بدليل آخر، كما خرج منه ما خرج بدليله؛ ولذلك لا يكون العام مع هذا الاحتمال حجة في الباقي.

يبقى خلاصة هذا القول؛ أن العام متى كان منبئًا عن الباقي كان حجة، أما إذا كان العام لا ينبئ عن الباقي قبل التخصيص؛ فإنه لا يكون حجة.

القول الثامن: الوقف وعدم القطع بشيء حتى يأتي مُرجِّح يرجح أدلة قول على القول الآخر؛ وهذا القول حكاه أبو الحسين بن القطان -رحمه الله.

والحق هنا، أنه لا وجه للتوقف؛ لأن الوقف يحسن عند تعارض الأدلة وعند تساويها، وليس الأمر هنا على هذا النحو، فهنا الأدلة ليست متعارضة وليست متساوية؛ لأنه بعد الانتهاء من هذه الأقوال يتضح لنا، أن القول الأول -وهو قول جمهور العلماء- هو الحق الذي لا شك فيه ولا شبهة، وأن الأقوال الأخرى عبارة عن اجتهادات خالية عن الأدلة التي تثبت ما ادعاه أصحابها؛ ومن ثم فإن الحق في هذه المسألة، أبين من أن يفتقر إلى البيان، وأيقن من أن يختفى عن العيان، فلا حاجة إلى صرف الساعات في ذكر أمثال هذه الشكوك والشبهات، فإنا نعلم قطعًا أن جميع العمومات المتعلقة بالأحكام من الكتاب والسنة يتطرق إليها الخصوص إلَّانادرًا، فلو صح قول المانعين أو المفصلين؛ لانْسَدَّ باب التمسك بعموم الكتاب والسنة، وذلك باطل قطعًا.

يقول الإمام الزركشي -رحمه الله- في كتابه: (البحر المحيط): “تنبيهات:

الأول: محل قولنا يجوز التمسك به، إنما هو في العام المخصوص، أما العام الذي أريد به الخصوص؛ فلا يصح الاحتجاج بظاهره؛ قاله الشيخ أبو حامد الإسفراييني في كتاب البيع من تعليقه، وفيه ما يدل على أن أبا علي بن أبي هريرة قاله أيضًا.

الثاني: حيث قلنا: إنه مجمل، قال الشيخ أبو حامد: “واختلف أصحابنا، هل هو مجمل من حيث اللفظ والمعنى؛ لأنه لا يعقل المراد من ظاهره إلَّابقرينة، أو مجمل من حيث المعنى دون اللفظ؟ وجهان، قال: والأكثرون على الثاني؛ لأن افتقار المجمل إلى القرينة من جهة التعريف بما هو مراد به، كقوله تعالى: { وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } [الأنعام: 141]، وافتقار العام الذي أريد به الخصوص إلى القرينة من جهة أن يعرف بها ما ليس بمراد.

التنبيه الثالث: أن الخلاف هنا مبني على المسألة التي قبلها، اي:أن العام بعد التخصيص هل هو حقيقة في الباقي أومجازًا؟ فمن قال: إنه مجاز لا يُجوِّز التعلق به، ومن قال: إنه حقيقة جوَّزه، وأما من قال: إنه مجاز ثم أجاز التعلق به -يعني: كالقاضي- صار الخلاف معه لفظيًّا، كذا أشار إليه الشيخ أبو حامد وغيره، وذكر صاحب (الميزان)، من الحنفية أن هذه المسألة مفرعة على أن دلالة العام على أفراده قطعية أو ظنية، فمن قال قطعية، جعل الذي خص كالذي لم يخص، وإلَّا فلا، وفيه نظر.

وقال غيره: ينبني على أن اللفظ العام إذا ورد هل يتناول الجنس، أو لا؟ وتندرج الآحاد تحته لضرورة اشتماله عليه، أو يتناول الآحاد واحدًا واحدًا، حتى يستغرق الجنس، فالمعتزلة قالوا بالأول، وهو عند الإطلاق يظهر عمومه، فإذا تخصص تبين أنه لم يرد العموم، وعند إرادة عدم العموم ليس بعضٌ أولى من بعضٍ، فيكون مجملًا.

error: النص محمي !!