Top
Image Alt

أسباب اهتمام الصحابة بالسنة؛ متنًا وإسنادًا، وصور هذا الاهتمام

  /  أسباب اهتمام الصحابة بالسنة؛ متنًا وإسنادًا، وصور هذا الاهتمام

أسباب اهتمام الصحابة بالسنة؛ متنًا وإسنادًا، وصور هذا الاهتمام

اهتمَّ الصحابة بالسنة متنًا وإسنادًا لأنها دين، فهي التي توضح القرآن الكريم وتبينه، وهي تشرِّع كما يشرِّع القرآن الكريم، ولذلك حثنا النبي صلى الله عليه وسلم على تبليغها في أكثر من حديث، منها ما رواه البخاري: ((ليبلغ الشاهد الغائب))، وكان هذا في الحج، فالذي شهد الحج مع النبي صلى الله عليه وسلم مأمور أن ينقل للغائب، سواء كان هذا الغائب في نفس الزمان وفي نفس المكان، أو الغائب في الأزمنة اللاحقة والأماكن البعيدة؛ لأن الدين الإسلامي عام لكل البشر، من علم من أمره شيئًا يجب عليه أن يبلغه؛ لأن الناس مطالبون بالإسلام، ولن يقبل منهم غير الإسلام دينًا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وهذا من خصائص دين الإسلام.

ودَعَا النبي صلى الله عليه وسلم بنضارة الوجه للذي يبلغ دين الله فقال: ((نضَّر الله امرءًا سمع منا حديثًا))، وفي رواية: ((سمِعَ منا مقالة فأدَّاها كما سمعها)) أي: حافظ عليها بدون زيادة أو نقصان، وهذا أيضًا من علامات الاهتمام بالمتن الذي هو القسم الثاني من السنة كما قلنا.

وفي هذا الحديث يدعو النبي صلى الله عليه وسلم لرجال السند، للطريق التي وصلت إلى قوله صلى الله عليه وسلم؛ يدعو لهم بنضارة الوجه يوم القيامة وفي الجنة -بإذن الله- حين يحافظون على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سمعوه، وكما تلقوه من أشياخهم: ((فرب مبلغ أوعى من السامع))، وفي رواية: ((رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)).

وهكذا الأمة تتساند، ويساعد بعضها بعضًا على صيانة الشرع، على صيانة الدين، على صيانة القرآن والسنة.

وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على تبليغ الشرع؛ قرآنًا وسنة، ففي الحديث الآخر في الصحيحين أيضًا: ((بلِّغوا عني ولو آية، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج))، فكل واحد مطالب بأن يهتم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم وأن يعمل على تبليغه.

إذ نحن ملزمون بالسنة كما نحن ملزمون بالقرآن الكريم؛ لأننا نستمد تشريعنا من القرآن الكريم ومن السنة المطهرة، وما دام القرآن والسنة هما مصدري التشريع بالنسبة للأمة، فعلى الأمة أن تحافظ عليهما، وأن تعض عليهما بالنواجذ كما أخبر بذلك الصادق المصدوق أيضًا صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: ((فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين مَن بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ)).

لأن القرآن الكريم يتوقف في فهمه وفي تطبيقه على السنة المطهرة؛ ولذلك فالذين يقولون بالاكتفاء بالقرآن وحده دون السنة لا يريدون بالإسلام خيرًا، وهم في منتهى الخبث والخطر على الإسلام؛ لأنهم يعلمون أننا إذا لم نأخذ بالسنة فلن نفهم القرآن الكريم، وبالتالي لا نستطيع أن نطبقه فيضيع الإسلام كله، ولعل هذا هو هدفهم من هذه الدعوة الخبيثة في الاكتفاء بالقرآن الكريم.

وقد حذر الله عز وجل من كتمان العلم في أكثر من آية، وحث على تبليغ العلم، وبين أن على الأمة أن تعمل على توفير طائفة من العلماء يهتمون بدراسة العلوم الشرعية، وذلك في قوله تبارك وتعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون} [التوبة: 122]، فهذه دعوة إلى أن الأمة يجب أن تعمل على توفير طائفة من أهل العلم يتوفرون على دراسة أمور الشرع وعلومه؛{لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون} ، وسمى القرآن الكريم عملهم هذا نفيرًا، أي: من الجهاد في سبيل الله.

وحذر من كتمان العلم فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُون} [البقرة: 159]، {وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُون} [آل عمران: 187].

وأمر بالبلاغ عنه، وتوعد من كذب عليه بالنار؛ فقال: ((بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)). رواه البخاري ومسلم.

وحذر من كتمان العلم فقال: ((من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة))، وهذا الحديث فيه درجة من الحجية تسمح بالاستدلال به لهذه القضية، وهي الخوف من كتمان العلم؛ ولذلك فأقوال العلماء كلها تحذر من كتمان العلم؛ لأن العلم يضيع إذا كتم، والناس تضل وتعمل على غير علم؛ ولذلك فللعلماء دور خطير؛ لأنهم هم الذين يبلغون عن الله -تبارك وتعالى- ويبلغون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد حرص الصحابة على أنفسهم وعلى الأمة، بمعنى: أنهم خافوا ألا يقوموا بالمهمة، وألا يتقنوها، لأنهم الذين عايشوا النبي صلى الله عليه وسلم ورأوا الوحي، وهم الداخلون دخولًا أوليًّا في هذه الأوامر النبوية السابقة؛ لذلك حرصوا على أن يقوموا بواجبهم حتى يؤجروا من الله عز وجل، وفي نفس الوقت حتى لا يتعرضوا للمساءلة لو كان هناك تقصير في أداء مهمتهم، هذا بالإضافة إلى الأدلة الأخرى التي تدل على أن ((الدال على الخير كفاعله))، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص من أجورهم شيئًا))، ((ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا)). إلى آخر الأدلة التي تدل على أن كل مسلم عليه أن يبلغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يستطيع أن يبلغه.

ولما أحبوا النبي صلى الله عليه وسلم حبًّا جمًّا، حرصوا على نقل هديه، وحرصوا على أن تعرف الأمم اللاحقة هذا الهدي حتى تستمسك به، وحتى تعض عليه بنواجذها، وحتى يكونوا نعم الخلف لخير سلف.

كل هذه الأمور كانت من المحفزات للصحابة على الاهتمام بالسنة المطهرة.

اهتمام الصحابة بالسنة أخذ مظاهر كثيرة جدًّا:

أولًا: تثبت الصحابة جدًّا في رواية السنة، فكلما جاءهم خبر تأكدوا من أن هذا الخبر قد حدث، وعندنا عشرات الأدلة على هذا، من ذلك:

لما جاءت الجدة أبا بكر رضي الله عنه تسأله حقها في الميراث، أتى المغيرة بن شعبة، وأخبر أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم قد أعطى الجدة السدس، عندها طلب الصديق رضي الله عنه من المغيرة أن يأتي بأحد معه ليشهد على هذا الأمر، ولم يكن ذلك -كما قلنا- تكذيبًا للمغيرة، فالصديق رضي الله عنه يعلم منزلة الصحابة، ويعلم أنهم صادقون فيما أخبروا به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما أرادوا أن يؤسسوا المنهج للأمة كلها من بعدهم: أن الخبر المنقول المضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو دين فلا بد من التحري عنه والتدقيق غاية التدقيق.

ومنه أيضًا: موقف الفاروق من أبي موسى في قصة الاستئذان، وهو حديث في الصحيحين: “لما استأذن أبو موسى على عمر رضي الله عنهما، واستأذن ثلاثًا فلم يؤذن له انصرف، فأرسل الفاروق في إثره: وقال لماذا انصرفت؟ فحدثه بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له- فليرجع)). فقال الفاروق: لتأتيني بمن يشهد معك أو لأفعلن بك كذا وكذا”. فالفاروق يحب أبا موسى، ويعلم منزلته، وقد بعثه إلى العراق قاضيًا ومعلمًا للأمة، وله دور كبير في خدمة السنة، لكنه المنهج الذي أرساه الصحابة في التشدد في أمر السنة.

ثانيًا: حفظ الصحابة السنة في الصدور، وكتبوها في السطور، فعملوا على نشر السنة بين الأجيال اللاحقة لهم، فأخذ كل صحابي يحدث في البلد التي رحل إليها بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من ثمرات ذلك تكوين أجيال من الأمة تهتم بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

ثالثًا: أخذ الصحابة رضي الله عنهم في تكوين المدارس العلمية في البلاد التي فتحوها، وقد قام بهذه المهمة المسجد، فجلس الصحابة في المسجد يعلِّمون أجيال الأمة اللاحقة، ويجيبون على أسئلتهم، وخصوصًا أهل البلاد المفتوحة الذين يسألون عن القرآن، وعن السنة، وعن السيرة، وعن الفقه، فيعلمهم الصحابة، وينقلون لهم الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويجيبون على أسئلتهم التي يتوجهون بها لفهم أمور دينهم، وهذه المدارس العلمية قامت بدور خطير في صيانة العلم بشكل عام، وصيانة السنة بشكل خاص.

فوائد المدارس العلمية التي أنشأها الصحابة:

أولًا: توسعت دائرة العلوم تبعًا لانتشار تلك المدارس، فلو مكث الصحابة مثلًا في المدينة فقط، فالله وحده الذي يعلم هل كانت ستنتشر علوم الإسلام من سيرة، وفقه، وحديث، وتفسير… إلى آخره لتشمل أرجاء العالم الإسلامي كله، وهل كنا سنسمع عن نوابغ وعلماء كبار كثيرين في علوم التفسير، وفي الحديث، وفي الفقه، وفي السيرة في بلاد العالم الإسلامي مثلًا، وعلى رأسهم مثلًا شيخ المحدِّثين البخاري الذي هو من بخارى، ومسلم الذي هو من خراسان، والليث بن سعد مثلًا وهو بمصر، وغيرهم كثير وكثير.

ثانيًا: هذه المدارس مكَّنت لتكوين حلقات للعلوم، ومكَّنت هذه العلوم من التواصل بأساليب يتلقاها الخلف عن السلف، إذ كل واحد يسمع من شيخه، ويؤدي إلى تلاميذه.

ثالثًا: هذه المدارس العلمية التي أنشأها الصحابة مكنت تلاميذ تلك البلاد المختلفة من أن يتلقوا تلك العلوم الشرعية من مصدرها الأول الذي سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم تكن قد تعددت الأجيال بعد، ولم يكن قد تسلل إلى تلك الأجيال كذاب أو وضاع، أو ما إلى ذلك، فكل ذلك لم يأتِ إلا بعد زمن، إنما هذه الأجيال من أهل تلك البلاد شرفوا بتلقي العلم عن الجيل الذي أخذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك من الاستيثاق ما فيه، فإن هذا الجيل هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بكل ما للصحابة من إجلال وتقدير وتعظيم في قلوب المسلمين، إن هذا الأمر يبعث الاطمئنان الأكيد في قلب المؤمن تجاه تلك التركة المباركة من علوم الدين المختلفة، وعلى رأسها علم الحديث الشريف الذين نحن بصدد الحديث عنه.

والفضل في ذلك يرجع بعد الله -تبارك وتعالى- إلى الصحابة الكرام رضي الله عنهم فقد قاموا بالواجب الأمثل في خدمة هذا الدين، وليس في حفظ السنة فحسب، إذ حفظوا القرآن وجمعوه جمعين؛ جمعًا في عهد الصديق رضي الله عنه، وجمعًا آخر في عهد ذي النورين عثمان رضي الله عنه، كل جمع أدى بدوره إلى حفظ القرآن، والحفاظ عليه.

فبذلوا الجهد النفيس في خدمة المصدرين (القرآن والسنة) حفظًا، وكتابةً، وصيانةً، ودفاعًا، وتثبتًا، وتحوطًا… إلى آخر ما نعلمه من وجوه نشاطهم في خدمة الشرع الحنيف، كما أن الصحابة أيضًا قاموا بتبليغ الدين إلى العالمين، وتحملوا في ذلك ما هو فوق طاقة البشر؛ فذهبوا إلى البلاد الإسلامية ليفتحوها، وليبلغوا أهلها الدين، وليتركوا لهم الخيار بعد هذا التبليغ: {فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29]، لكنهم -على كل حال- عرَّفوا العالم كله هذا الدين الجديد، وإلى ما يدعو، وما هو المطلوب منهم حيال هذا الدين؛ فجزاهم الله تعالى عن الإسلام وأهله خيرًا.

error: النص محمي !!