Top
Image Alt

الشبهة الثالثة والرد عليها

  /  الشبهة الثالثة والرد عليها

الشبهة الثالثة والرد عليها

وهي كتمانه رضي الله عنه لبعض الأحاديث:

وقد اعتمدوا في ذلك على ما قاله أبو هريرة رضي الله عنه ورواه البخاري وغيره.

فقد روى البخاري في كتاب (العلم) باب حفظ العلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: “حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين؛ أما أحدهما فقد بثثته، وأما الآخر فلو بثثته لقُطع هذا الحلقوم”.

أي: حفظ أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وعاءين من الأحاديث الشريفة، بثَّ أحدهما، أي: أعلنه ونشره ورواه، وأما الآخر فلم يبثه ولم يروه ولم يعلنه، ويقول: لو بثثته لقطع هذا الحلقوم- إشارة إلى قتله.

ونقول ردًّا على هذا: بادئ ذي بدء، أن البخاري -رحمه الله – لم يستغرب هذا، ولم يره مخالفًا للشرع؛ بل رآه من حفظ العلم، وكلنا نعلم ونحفظ العبارة المشهورة التي صارت قاعدة، وهي أن فقه البخاري- رحمه الله- في تراجمه. أي: في عناوين الأبواب التي وضعها لأبوابه، فهو قد وضع عنوانًا في كتاب العلم في باب أسماه: حفظ العلم، ذكر فيه أحاديث، ومن بينها هذا الحديث الذي قاله أبو هريرة رضي الله عنه.

فيقول الشانئون المبغضون المتهمون بالباطل: إن هذا يتعارض مع قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَـئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم} [البقرة: 174]، وقوله تعالى: {وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُون} [آل عمران: 187].

وإذا نظرنا إلى فهم علمائنا الكرام -رحمهم الله تعالى- لهذا الحديث الذي قاله أبو هريرة نجد أن ابن حجر -رحمه الله- في أثناء شرحه لهذا الحديث في (الفتح) يقول: “وحمل العلماء الوعاء الذي لم يبثّه على الأحاديث التي فيها تبيين أمراء السوء، وأحوالهم، وزمنهم، وقد كان أبو هريرة رضي الله عنه يكني عن بعضه، ولا يصرح به؛ خوفًا على نفسه منه، كقوله مثلًا: “أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان”. يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية؛ لأنها كانت سنة ستين من الهجرة، واستجاب الله دعاء أبي هريرة فمات قبلها بسنة.

وينقل ابن حجر -رحمه الله- عن ابن المنير -رحمه الله- قوله: جعل الباطنية هذا الحديث ذريعة إلى تصحيح باطلهم؛ حيث اعتقدوا أن للشريعة ظاهرًا وباطنًا، وذلك الباطل إنما حاصله الانحلال من الدين قال -أي: ابن المنير: وإنما أراد أبو هريرة بقوله: “قُطع” أي: قطع أهل الجور رأسه إذا سمعوا عيبه لفعلهم، وتضليله لسعيهم، ويؤيد ذلك أن الأحاديث المكتوبة أو المكتومة لو كانت من الأحكام الشرعية لما كتمه أبو هريرة- أي: لو كانت من الأحكام الشرعية التي تتعلق بالحلال والحرام لا يسع أبو هريرة أبدًا أن يكتمها؛ لأن ذلك يعد من كتمان العلم.

كما ينقل ابن حجر: أنهم يحملون هذه الأحاديث التي كتمها أبو هريرة على ما يتعلق بالخلافة، وبعض أمراء السوء، وأنه قد يتعرض لأذاهم.

ويضيف غيره: ويُحتمل أن يكون أراد أيضًا مع الصنف المذكور “أمراء السوء” أيضًا ما يتعلق بأشراط الساعة، وتغير الأحوال والملاحم في آخر الزمان، فينكر ذلك من لم يألفه، ويعترض عليه من لا شعور له بها.

إذًا هو لم يكتم أحكامًا شرعيّة، ولا عقائد، وإنما كتم أمرًا يتعلق بالتاريخ، وبأحوال الولاية والخلفاء، وأخلاقهم، وسلوكهم، أو يتعلق بفتن الساعة التي قد لا يستوعبها البعض فيكذبون ما ورد في ذلك.

ويقول الذهبي -رحمه الله- في (السير): قلت: هذا دالّ على جواز كتمان بعض الأحاديث التي تحرّك فتنة في الأصول، أو الفروع، أو المدح والذم، أي: هذا دال على جواز كتمان بعض العلم، وهذا أمر مستقر عند العلماء، فلا نكتم شيئًا يتعلق بأمور الناس في دينهم أو دنياهم، فلو أنني لم أعلم أحاديث الفتن ما الذي يضرني في ديني أو دنياي، لو أنني لم أعلم مثلًا وصف النبي صلى الله عليه وسلم لبعض الخلفاء بأوصاف سيئة فيهم، ما يضرني ذلك لا في ديني ولا في دنياي.

إذًا هنا لم يكتم علمًا، بل أغلق الباب أمام فتنة، إذا شئنا التوصيف الدقيق.

قلت -أي: الذهبي: هذا دال على جواز كتمان بعض الأحاديث التي تُحرّك فتنة في الأصول أو الفروع، أو المدح أو الذم فقط، أما ما يتعلق بحل أو حرام فلا يحل كتمانه بوجه، فإنه من البينات والهدى.

وفي (صحيح البخاري) قول الإمام علي رضي الله عنه: “حدّثوا الناس بما يعرفون؛ أتحبون أن يكذب الله ورسوله”. رواه البخاري في كتاب العلم باب “من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية ألا يفهموا”.

وعند أبي إياس في كتاب العلم له، كما نصَّ على ذلك العلامة ابن حجر رحمه الله تعالى: “حدّثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون؛ أتحبون أن يُكذّب الله ورسوله”.

ثم قال الذهبي: وكذا لو بث أبو هريرة ذلك الوعاء لأُوذي، بل لقُتل ولكن العالم قد يؤدّيه اجتهاده إلى أن ينشر الحديث الفلاني إحياء للسنة فله ما نوى، وله أجر وإن غلط في اجتهاده.

فإذا لم يروه فلا يعد ذلك من باب كتمان العلم، وإن حَدَث ورواه فهذا اجتهاد؛ لأنه قد يتصور أنه بذلك يحيي السنة، أو يدافع عنها؛ فله ما نوى وله أجره، وحتى إن أخطأ في هذا الاجتهاد.

ويقول ابن مسعود رضي الله عنه كما في مقدمة (صحيح مسلم): “ما أنت بمحدث قوم حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة”.

ويقول العلامة ابن كثير في (البداية والنهاية)، وهو يترجم لأبي هريرة رضي الله عنه: وهذا الوعاء الذي كان لا يتظاهر به هو الفتن والملاحم، وما وقع بين الناس من الحروب والقتال، وما سيقع، التي لو أخبر بها قبل كونها -أي: قبل وقوعها- لبادر كثير من الناس إلى تكذيبه، وردوا ما أخبر به من الحق، أي: لو حدَّث بها قبل وقوعها لأدى ذلك إلى تكذيب بعض الناس له، وقد يتجرءون على السنة نفسها فيردون الأحاديث، أو يعيبون الصحابة، أو الرواة أو ما شاكل ذلك. كما قال: لو أخبرتكم أنكم تقتلون إمامكم، وتقتتلون فيما بينكم بالسيوف لما صدقتموني، وقد يتمسك بهذا الحديث طوائف طوائف من أهل الأهواء والبدع الباطلة، والأعمال الفاسدة، ويستندون إلى هذا الجراب الذي لم يقله أبو هريرة، ويعتقدون أن ما هم عليه كان في هذا الجراب الذي لم يخبر به، وما من مبطل مع تضاد أقوالهم إلا ويدعي هذا، وكلهم يكذبون، فإذا لم يكن أبو هريرة قد أخبر به فمن علمه بعده، وإنما الذي كان فيه شيء من الفتن والملاحم، كما أخبرها بها هو وغيره من الصحابة”.

خلاصة كلام ابن كثير:

أنه لم يستغرب أبدًا أن يكتم أبو هريرة هذا الوعاء؛ لأنه يتعلق بالفتن والملاحم كما حدده، وكما استنتج عليه بعد ذلك من بعض أقوال أبي هريرة، أو يتعلق كما قلنا ببعض الخلافة وظلم الحكام، وما إلى ذلك، كما ذكر ابن حجر.

وهكذا تعاضدت أقوال العلماء؛ ما بين ابن حجر، والذهبي، وابن كثير، والنووي على أن ذلك ليس من كتمان العلم فيذم عليه، وإنما هو من باب حصافته وفهمه لأنه يعلم: متى يحدث، وأين يحدث، وكيف يحدث، ومن الذي يحتاج هذا الكلام، فيراعي الأشخاص والأزمان والأمكنة والاحتياج.

فالعالم لا بد أن يدرك واقع الناس في كل ذلك قبل أن يتكلم في مسألة ما.

إذًا أبو هريرة رضي الله عنه بريء من هذه التهمة التي يتقوَّل بها بعض العلماء.

ولذلك قال ابن حجر رحمه الله تعالى: “لا يجوز أن نتكلم في المتشابهات بين العوام”.

فما يؤدِّي إلى بلبلة واضطراب، والعوام لا يدركونه، وليس من تخصصهم ولا يطلب منهم أن يعلموه؛ يكفيهم القدر الذي يحقق لهم إيمانهم في أي ميدان من الميادين.

إذًا أبو هريرة لم يكتم علمًا كان يجب عليه أن يبينه، وإنما كتم علمًا لم يأتِ أوانه، ولم يكن الناس محتاجين إليه في وقته هذا، ومن ثم فليس هذا من باب كتمان العلم المذموم الذي أشارت إليه الآيات والأحاديث التي حرمت كتمان العلم.

ولم يحدث أنه قد سُجِّل على أبي هريرة أبدًا رضي الله عنه أنه سئل عن علم فكتمه، بل أجاب على أسئلة كثيرة لكثير من الصحابة، وهو الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم، بل إن الصحابة رضي الله عنهم ذكروا أنه قد تجرأ وجبنوا، أي: تجرأ على سؤال النبي صلى الله عليه وسلم على أسئلة، بينما باقي الصحابة امتنعوا عن هذا حياء من النبي صلى الله عليه وسلم أو إشفاقًا عليه أو لسبب آخر، أم هو فقد كان جريئًا في طلب العلم، وهذه جرأة محمودة، والنبي صلى الله عليه وسلم أثنى على حرصه على العلم نتيجة لسؤاله.

فأبو هريرة سأل وسئل، وحينما نستعرض كتب السنة نجد أسئلة كثيرة وجهها للنبي صلى الله عليه وسلم.

وأيضًا قد سُئل من كثير من الصحابة، وحضر مجالس كثيرة استُفتي فيها فأفتى وأجاب، فلم يمتنع أبو هريرة أبدًا عن علم كان يحتاجه الناس في ظرف ما، وفي مكان ما، أو لموقف ما.

كأنه قال عن نفسه: عندي وعاء لا يحتاجه الناس فلم أبثه؛ مخافةَ أن يقطع هذا الحلقوم.

ولو كان فيه ما يحتاجه الناس لبثه، ولو أراد المغرضون أن يبحثوا عن موقف واحد امتنع فيه أبو هريرة عن إجابة سؤال، أو موقف كان يحتاج إلى بيان ولم يبين- لن يجدوا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، كيف وقد كان جريئًا في التعلم والتعليم.

error: النص محمي !!