Top
Image Alt

الشبهة السادسة والرد عليها

  /  الشبهة السادسة والرد عليها

الشبهة السادسة والرد عليها

أيضًا من الشبه التي وجهوها لأبي هريرة رضي الله عنه أنه لم يكن يكتب الحديث، بل من ذاكرته,

وأنا لا أدري بماذا يُعاب أبو هريرة في هذا، بل كان من المفترض أن يذكروا هذا في مناقبه، وقد أقمنا الأدلة الكثيرة على قوة حفظه بشهادة الأمة كلها من لدن الصحابة مرورًا بالعصور المختلفة على لسان أكابر العلماء من هذه الأمة، فأبو هريرة كان أحفظ الصحابة لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إذا أردنا أن نتواضع، فسنقول: من أحفظ الصحابة لحديث النبي صلى الله عليه وسلم.

فما الذي يضير أبا هريرة إذا قيل، إنه لم يكن يكتب؟! لا يضيره هذا أبدًا، فكثير من الصحابة كانوا يعتمدون على الحفظ، ولم يحفظ أن أمنا عائشة كتبت،

وأقول: بل على العكس قد سجل لأبي هريرة أنه كتب، ليس بنفسه إنما كان يستكتب، ولعل من أقوى الأدلة على ذلك هذا الحديث الذي ذكرناه وهي القول بكتمان العلم.

والرواية تقول: إن أبا هريرة كان يستكتب أي: يطلب من يكتب له، وحدث نقاش بينه وبين بعض تلاميذه في حديث ما، فقال: لنرجع إلى المكتوب فوجدوه مكتوبًا، أي: أبو هريرة كان عنده مكاتيب، لكنه في المقام الأول كان يعتمد على حفظه، ذلك الحفظ الذي دعا له به رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجلته له الكتب، ووصفه العلماء به.

هذا أبو هريرة في حفظه، وأبو هريرة ليس بدعًا في هذا الأمر، وإن كان حفظه لافتًا للنظر، لكن كثيرًا من الصحابة كانوا يحفظون أحاديث كثيرة، والروايات كثيرة جدًّا في حفظ الصحابة للسنة، وفي حفظ غير الصحابة لكثير من المرويات، وهناك من كان يحفظ- كالأصمعي وغيره- خمسة عشر ألف أرجوزة، ويحكون العجب عن كثير من الناس في الحفظ، وهذه ملكات يهبها الله -تبارك وتعالى- لمن يشاء.

وأما في حق أبي هريرة وغيره من الصحابة فهي علامات أراد الله بها -تبارك وتعالى- أن يحفظ دينه، عن طريق حفظ سنة نبيه الطيبة المباركة فهيَّأ لها هذا الجيل الفذ من صحابة رسوله صلى الله عليه وسلم ليقوم بحفظ السنة في السطور وفي الصدور.

ونحن ندرس لطلابنا بالأدلة من مناهج الصحابة: أنهم حفظوا السنة في سطورهم أي: في الصحائف التي كتبوها، وعندنا من الصحابة كاتبين كثر، وحفظوها أيضًا في صدورهم بذلك الحفظ الفذ الذي أنعم الله به عليهم. ولقد كان ذلك تعويضًا من الله لتلك البيئة الأمية، فرزقها قرائح مستوعبة، وعقولًا عجيبة في حفظها واستيعابها، واستخدمت هذه النعم لحفظ القرآن الكريم، والسنة المطهرة.

error: النص محمي !!