Top
Image Alt

شروط حمل المطلق على المقيد عند الشافعية

  /  شروط حمل المطلق على المقيد عند الشافعية

شروط حمل المطلق على المقيد عند الشافعية

إذا علمت ذلك فلحمل المطلق على المقيد عند الشافعية على الوجه المشروح شروط:

الأول: أن يكون القيد من باب الصفات، كالإيمان مع ثبوت الذوات في الموضعين، فأما في إثبات أصل الحكم من زيادة خارجة أو عدد، فلا يحمل أحدهما على الآخر، وهذا كالإطعام في كفارة القتل، فإن أظهر القولين أنه لا يجب، وإن ذكره الله تعالى في كفارة الظهار؛ لأن هذا إنما هو إثبات للحكم لا صفة له، وكذلك إيجاب غسل الأعضاء الأربعة في الوضوء، مع الاقتصار على عضوين في التيمم، فإن الإجماع منعقد على أنه لا يحمل إطلاق التيمم على تقييد الوضوء، ليستحق تيمم الأربعة؛ لما فيه من إثبات حكم لم يذكر، وحمل المطلق على المقيد يختص بالصفة.

الشرط الثاني: ألَّا يكون للمطلق إلَّا أصل واحد، كاشتراط العدالة في الشهود على الرجعة والوصية، وإطلاق الشهادة في البيوع وغيرها، فهي شرط في الجميع، وكذا تقييد ميراث الزوجين بقوله: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 12]، وإطلاقه الميراث فيما أطلق فيه، وكان ما أطلق من المواريث كلها بعد الوصية والدَّين، فأما إذا كان المطلق دائرًا بين قيدين متضادين نُظر؛ فإن كان السبب مختلفًا لم يحمل إطلاقه على أحدهما إلَّا بدليل، فيحمل على ما كان القياس عليه أولى، أو ما كان دليل الحكم عليه أقوى.

ذكر هذا الشرط الأستاذ أبو منصور، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، في: (اللمع)، وكذلك ذكره “إلكيا الطبري”، ومثله بعضهم بغسل اليدين في الوضوء، فإنه ورد مقيدًا بالمرافق، وقطعها في السرقة مقيد بالكوع بالإجماع، ومسحهما في التيمم ورد مطلقًا، فهل يلحق بالقطع أو بالغسل؟ هذا مأخذ الخلاف، قال: والأصح حمله على ما هو أشبه به من المقيدين، فيلحق بالغسل؛ لأن التيمم بدله، وقال “إلكيا”: يجب الوقف إذ لا قياس، فإن غلب أحد الشيئين تحقق القياس، وعلى هذا فقيل: يحمل على الكفارة في الظهار والقتل؛ لأنها أقرب إليه في القياس؛ لاشتراكهما في الكفارة بخلاف واجب التتابع.

ولذا كان للشافعي في كفارة اليمين في المسألة قولان؛ الجديد: عدم وجوب التتابع، وهذا البناء فيه نظر، والأقرب أن القولين إنما جاءا في وجوب التتابع، من أجل أن القراءة الشاذة، حيث لم تجر مجرى التفسير، ولم يعارضها خبر، هل يجب العمل بها أولا؟ خلاف بين العلماء.

الشرط الثالث: أن يكون في باب الأوامر والإثبات، وأما في جانب النفي والنهي فلا، فإنه يلزم منه الإخلال باللفظ المطلق، مع تناول النهي وهو غير سائغ، ذكره الإمام الآمدي والإمام ابن الحاجب، وقالا: “لا خلاف في العمل بمدلولهما والجمع بينهما لعدم التعذر، فإذا قال: لا تعتق مكاتبًا كافرًا، لم يعتق مكاتبًا كافرًا، ولا مؤمنًا أيضًا؛ إذ لو أعتقه لم يعمل فيهما، لكن صاحب (المحصول)، سوّى بين الأمر والنهي في الحمل، ورد عليه القرافي بمثل ما ذكره الإمام الآمدي، وأما الأصفهاني؛ فتبع فيه صاحب (المحصول)، وقال: حمل المطلق على المقيد لا يختص بالأمر والنهي، بل يجري في جميع أقسام الكلام”.

نقول في الخبر: جاءني رجل من آل علي، ثم تقول: جاءني بقية العلويين، ومثال التمني: ليت لي مالًا، ثم تقول: ليت لي جملًا، فإنه يحمل عليه، قال: وإنما خص الأئمة الكلام بالأمر والنهي؛ للحاجة إليهما في معرفة الأحكام الشرعية؛ ولأنه إذا تحقق الأمر والنهي؛ سهل تعديته إلى بقية أقسام الكلام.

الشرط الرابع: أن يكون في جانب الإباحة، ذكره ابن دقيق العيد في الكلام على لبس المحرم الخف، وقال: “إن المطلق لا يحمل على المقيد في جانب الإباحة؛ إذ لا تعارض بينهما، وفي المطلق الزيادة”. انتهى وفيه نظر.

الشرط الخامس: ألا يمكن الجمع بينهما، فإن أمكن تعين إعمالهما، فإنه أولى من تعطيل ما دل عليه أحدهما، ذكره ابن الرفعة في المطلب في الأصول والثمار، ومثاله حديث ابن عمر: ((من باع عبدًا وله مال فماله للبائع، إلَّا أن يشترط المبتاع))، وجاء في رواية: ((من ابتاع عبدًا فماله للذي باعه إلَّا أن يشترط المبتاع))، فإن الرواية الأولى تقتضي أن بعض العبيد لا يكون له مال، فتكون الإضافة فيه للتمليك، والمال فيه محمول على ما يملكه السيد إياه، وليس كل عبد يملكه السيد مالًا، والثانية تشمل كل عبد، فكانت الإضافة فيها إضافة تخصيص لا تمليك، فيحمل على ثيابه التي عليه؛ لأن كل عبد لا بد له من ثياب يختص بها.

الشرط السادس: ألَّا يكون المقيد ذُكر معه قدر زائد يمكن أن يكون المقيد لأجل ذلك القدر الزائد، فلا يحمل المطلق على المقيد هنا قطعًا، مثاله: إن قتلت فاعتق رقبة، مع إن قتلت مؤمنًا فأعتق رقبة مؤمنة، فلا يحمل المطلق هناك على المقيد هنا في المؤمنة؛ لأن التقييد هنا إنما جاء للقدر الزائد، وهو كون المقتول مؤمنًا.

المقيد هل يحمل على المطلق؟

المعروف أن المقيد لا يحمل على المطلق، ووقع في كتاب: (الوسيط)، للإمام الغزالي في باب قطاع الطريق، حيث احتج للقول الصائر إلى أنه لو تاب بعد القدرة عليه يسقط عنه الحد، قال: “لأنه تعالى خصص هذا بقوله: { مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} [المائدة: 34]، وأطلق في آيات السرقة قوله: { فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ } [المائدة: 39]” انتهى.

وفي هذا حمل المقيد على المطلق؛ فإن حمل آية المحاربة -وقد ورد فيها التقييد- على ما ورد فيه الأمر مطلقًا؛ وهو السرقة، وهو غريب، ثم رأيت الأصحاب قد حملوا ذلك أيضًا في مسح الخف، فإن قوله صلى الله عليه وسلم: ((يمسح المقيم يومًا وليلة، والمسافر ثلاثة أيام بلياليهن))، من باب حمل المقيد على المطلق على مقتضى كلامهم؛ لأن لياليهن مقيد بالإضافة، فيقتضي أن لو أحدث المسافر عند طلوع الفجر لا يمسح الليلة الرابعة، وقد قالوا: إنه يمسح ليلته؛ حملًا على المطلق، كما لو تأخرت ليلة اليوم عنه.

error: النص محمي !!