Top
Image Alt

شروط مفهوم المخالفة العائدة إلى المسكوت

  /  شروط مفهوم المخالفة العائدة إلى المسكوت

شروط مفهوم المخالفة العائدة إلى المسكوت

اشترط الجمهور والقائلون بحجيَّة مفهوم المخالفة شروطًا مقتضاها ألَّا يظهر لتخصيص المنطوق بالذكر فائدة، غير نفي الحكم عن المسكوت عنه، هذه الشروط منها ما يرجع للمسكوت عنه، ومنها ما يرجع للمذكور؛ وعلى هذا فإن هذه الشروط إذا تحققت يُمكن العمل بمفهوم المخالفة عند الجمهور، وإذا تخلَّف شرط منها لا يُعمل بمفهوم المخالفة، وإنما يُحمل القيد على الفائدة المرادة منه، لا على نفي الحكم عند انتفائه.

من الشروط التي ترجع إلى المسكوت: ألَّا يكون المسكوت عنه أولى بذلك الحكم من المنطوق به، فإن كان أولى؛ كان مفهوم الموافقة، أو مساويًا؛ كان قياسًا جليًّا.

ومن هذه الشروط: ألَّا يُعارض بما يقتضي خلافه، فيجوز تركه بنص يضادّه، وبفحوى مقطوعًا به يُعارضه، كفهم مشاركة الأمَة للعبد في سراية العتق، فأما القياس، فلم يُجوِّز القاضي ترك المفهوم به، مع تجويزه ترك العموم بالقياس، هكذا نقله الإمام الغزالي في: (المنخول)، قال: “ولعله قريب مما اخترناه في المفهوم، فإنه تلقاء الظاهر والعموم قد لا يُترك بالقياس، بل يجتهد الناظر في ترجيح أحد الظنَّيـن منهما على الآخر، وكذلك القول في القياس إذا عارضه العموم”، والذي نقله الإمام عن القاضي التوقف في تجويز تخصيص العموم بالقياس.

وقال صاحب: (الكبريت الأحمر): “القول بالمفهوم عند تجرُّده عن القرائن، أما إذا اقترن بظاهر الخطاب قرينة؛ فإنه لا يكون لدلالة الخطاب حكم الإجماع، وقال شارح: (اللمع): “دليل الخطاب إنما يكون حُجة، إذا لم يعارضه ما هو أقوى منه، كالنص والتنبيه، فإن عارضه أحد هؤلاء؛ سقط مفهوم الخطاب، وإن عارضه عموم؛ صحَّ التعلق بدليل الخطاب على الأصح، وإن عارضه قياس جليّ؛ قُدّم القياس.

وأما القياس الخفي، فإن جعلناه كالنطق؛ قُدّم دليل الخطاب، وإن جعلناه كالقياس؛ فقد رأيت بعض أصحابنا يُقدّمون كثيرًا القياس في كتب الخلاف، والذي يقتضيه المذهب، أنهما يتعارضان، يقول الإمام الزركشي -رحمه الله-: “وما صححه في معارضة العموم، هي مسألة تخصيص العموم بمفهوم، لكن كلام الشافعي في: (البويطي)، يُخالفه، فإنه قال: وإذا قتل الرجل صيدًا عمدُا أو خطأ؛ ضمنه، والحجة في ذلك قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} [المائدة: 95]، والحجة في الخطأ قوله تعالى: { وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا } [المائدة: 96]، فدخل في هذا العمد والخطأ”؛ فقد قُدّم هذا العموم على مفهوم قوله متعمدًا.

ومن الفوائد ما نقله الخطابي وغيره عن الحسن البصري لا يُقتل الذكر بالأنثى، وهو شاهد لكن شبهته قوية، فإن مفهوم قوله تعالى: { وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى } [البقرة: 178]، لا يُعارض بالعموم الذي في قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45]؛ لأن هذا خطاب وارد في غير شريعتنا، وهي مسألة مختلف فيها، فقد اختلف العلماء في مسألة: “شرع من قبلنا هل هو شرع لنا”، فيه خلاف طويل محله باب النسخ، وما قاله في القياس الجلي، فيه نظر؛ لأن القياس عموم معنوي، وإذا ثبت تقديم المفهوم على العموم اللفظي؛ فتقديمه على المعنوي أولى، ويكون خروج صور المفهوم من مقتضى القياس، كخروجها عن مقتضى لفظ العموم، ومنه حاجة المخاطب، كقوله تعالى: {ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ } [الإسراء: 31]، فذكر هذا القيد؛ لحاجة المخاطبين إليه؛ إذ هو الحامل لهم على قتلهم ،أي: أن الحامل والباعث على قتل الأولاد، هو خشية الإملاق، لا لاختصاص الحكم به، ونظيره قوله تعالى: { لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً } [آل عمران: 130].

الشرط الثالث: ألَّا يكون تُرك ذكره لخوف، فإن كان هناك خوف يمنع من ذكر المسكوت عنه؛ فلا مفهوم له؛ لأن الظاهر أن هذه فائدة التخصيص.

هذه هي الشروط التي ترجع للمسكوت عنه.

هناك أيضًا شروط ترجع للمذكور فمنها: ألَّا يكون خارجًا مخرج الغالب، أي: أن العادة جارية باتصاف المذكور بالوصف، وذلك مثل قوله تعالى: { وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ} [النساء: 23]، فإنه إنما ذكر هذا القيد، وهو قوله تعالى: { فِي حُجُورِكُمْ }؛ لأن الغالب من حال الربائب كونهنّ في حجور أزواج أمهاتهنّ، فذكر هذا الوصف؛ لكونه أغلب، لا ليدل على إباحة نكاح الربيبة التي ليست في الحجر، عند جماهير العلماء، وكذلك تخصيص الخلع بحال الشقاق لا مفهوم له؛ إذ لا يقع غالبًا في حال المصافاة والموافقة، خلافًا لابن المنذر، وإذا لاح للتخصيص فائدة غير نفي الحكم عما عدا المنطوق؛ تطرَّق الاحتمال إلى المنطوق، فصار مجملًا كاللفظ المجمل.

يقول الإمام الشافعي -رحمه الله-: “تعارض الفوائد في المفهوم، كتعارض الاحتمالات في المنطوق يكسبه نعت الإجمال، فكذلك تعارض الاحتمالات في المنطوق يُكسبه نعت الإجمال، ولا يمكن أن يقال: إنه قصد بهذا التخصيص المغايرة دون اعتبار الفائدة الأخرى، قال الإمام الشافعي: ولا حاجة إلى دليل في ترك هذا المفهوم.

قال الغزالي في: (المنخول): “المختار خلافه؛ إذ الشقاق يناسب الخلع، فإنه يدل على بُعد الخلاف، وتعذّر استمرار النكاح، فلا ترفع الفحوى المعلومة منه بمجرّد العرف؛ فلا بد من دليل وإن لم يبلغ في القوة مبلغ ما يشترط في ترك مفهوم لا يُقصد بالعرف، فإنه قرينة موهمة”، والصواب الأول، وهو المنصوص للشافعي.

قال الشيخ تقي الدين في: (شرح العنوان): “والسبب فيه أن القول بالمفهوم، منشأه طلب الفائدة في التخصيص، وكونه لا فائدة إلَّا المخالفة في الحكم، أو تكون تلك الفائدة أرجح الفوائد المحتملة، فإذا وُجد سبب يحتمل أن يكون سبب التخصيص بالذكر غير المخالفة في الحكم، وكان ذلك الاحتمال ظاهرًا؛ ضُعّف الاستدلال بتخصيص الحكم بالذكر على المخالفة؛ لوجود المزاحم الراجح بالعادة، فبقي على الأصح، قال: وهذا أحسن إلَّا أنه يشكل على مذهب الشافعي، في قوله: ((في سائمة الغنم الزكاة))، فإنه قال فيه: بالمفهوم، وأسقط الزكاة عن المعلوفة، مع أن العادة والغالب في الأنعام، والغنم، السوم، فمقتضى هذه القاعدة ألَّا يكون لهذا التخصيص مفهوم.

يقول الزركشي: “قلت: قد ذكر القفال الشاشي في كتابه هذا السؤال، وأجاب عنه بما حاصله: أن اشتراط السوم، لم يقل به الشافعي، من جهة المفهوم، بل من جهة أن قاعدة الشرع العفو عن الزكاة فيما أعد للقنية، ولم يتصرف فيه للتنمية، وإنما أوجب في الأموال النامية الزكاة، هذا أصل ما تجب فيه الزكاة، فعُلم بذلك أن السوم شرط، لكن القفال قصد بذلك نفي القول بالمفهوم مطلقًا، وقد سبق ردّه على أن كلام الإمام الشافعي -رحمه الله- في كتاب: (الأم)، يخالف ذلك.

فإنه قال في كتاب الزكاة: “وإذا قيل في سائمة الغنم الزكاة، فيشبه -والله أعلم- أن لا يكون في الغنم غير السائمة شيء؛ لأنه كل ما قيل في شيء بصفته، والشيء يجمع صفتين يُؤخذ حقه كذا، ففيه دليل على أنه لا يُؤخذ من غير تلك الصفة من الصفتين، قال الشافعي: فلهذا قلنا لا تؤخذ من الغنم غير السائمة صدقة الغنم، فإذا كان هذا في الغنم، فهكذا في الإبل، والبقر؛ لأن الماشية هي التي تجب فيها الصدقة دون سواها، فلم يجعل الإمام الشافعي الغلبة إلَّا لذكر الغنم، حتى ألحق بها الإبل، والبقر، ولم يجعل السوم غالبًا.

وقال ابن القشيري: “قال الشافعي: الغرض من القول بالمفهوم، أن لا يلغي القيد الذي قيد به الشارع كلامه، فإذا ظهر للقيد فائدة ما، مثل إن خرج عن المعتاد الغالب في العرف؛ كفى ذلك.

وذكر في: (الرسالة)، كلامًا بليغًا في هذا الباب، وقال: إذا تردَّد التخصيص بين تقدير نفي ما عدا المخصص، وبين قصد إخراج الكلام على مجرى العرف؛ فيصير تردد التخصيص بين هاتين الحالتين، كتردّد اللفظ بين الجهتين في الاحتمال، فيُلحق بالمحتملات، كقوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} [البقرة: 282]؛ فإشهاد النساء مع التمكّن من إشهاد الرجال خارج على العرف؛ لما في ذلك من الشهرة، وهتك الستر، وعسر الأمر عند إقامة الشهادة، فجرى التقييد إجراء للكلام على الغالب، وكقوله تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ} [النساء: 103]، في قصر الصلاة، وخالفه إمام الحرمين، ورأى القول بمفهوم المخالفات في ذلك كله، وأن دليل الخطاب، لم يثبت بمجرد التخصيص بالذكر؛ إذ لو كان كذلك؛ للزم مثله باللقب، لكن إنما دلَّ على ذلك؛ لما في الكلام من الإشعار على مقتضى حقائقه من كونه شرطًا، فلا يصح إسقاط مقتضى اللفظ باحتمال يئول إلى العرف، نعم يظهر مسلك التأويل، ويخفّ الأمر على المؤول في قرينة الدليل العاضد للتأويل.

وقد وافقه الشيخ عز الدين بن عبد السلام -رحمه الله- وزاد فقال: “ينبغي العكس، أي: لا يكون له مفهوم إلَّا إذا خرج مخرج الغالب؛ وذلك لأن الوصف الغالب على الحقيقة، تدل العادة على ثبوته لتلك الحقيقة، فالمتكلم يكتفي بدلالة العادة على ثبوته لها عن ذكر اسمه، فإن أتى بها -مع أن العادة كافية فيها- دلّ على أنه إنما أتى بها؛ لتدل على سلب الحكم عما يفهم السامع، أن هذه الصفة ثابتة لهذه الحقيقة، وقد أجاب الإمام القرافي، عن هذا: بأن الوصف إذا كان غالبًا؛ كان لازمًا لتلك الحقيقة بسبب الشهرة، والغلبة، فذكره إيَّاه مع الحقيقة عند الحكم عليها؛ لغلبة حضوره في الذهن، لا لتخصيص الحكم به.

وأما إذا لم يكن غالبًا؛ فالظاهر أنه لا يُذكر مع الحقيقة، إلَّا لتقييد الحكم به؛ لعدم مقارنته للحقيقة في الذهن حينئذٍ، فاستحضاره معها، واستجلابه لذكره عند الحقيقة، إنما يكون لفائدة، والغرض من هذا كله، عدم ظهور فائدة أخرى، فيتعيّن التخصيص، ونازع بعض العلماء في هذا الشرط أيضًا، واعترض عليه بالاستفسار، فقال: ما تريدون بالغالب؟ ماذا تقصدون من قولكم الغالب، أعادة الفعل أو عادة التخاطب، فإن أريد عادة الفعل؛ فلا نسلم إلَّا إذا صحبها عادة التخاطب، ودعوى أن عادة الفعل مستلزمة عادة التخاطب؛ ضعيفة بمنع تسليم اللزوم؛ ولإثبات اللغة لغلبتها، وهو واهن جدًّا، وإن أريد عادة التخاطب فإثباتها في موضع الدعوى عسير، هذا هو الشرط الأول، وما قيل فيه.  

الشرط الثاني: ألَّا يكون المنطوق خرج جوابًا لسؤال عن حكم إحدى الصفتين، ولا حادثة خاصة بالمذكور، مثل: إن سأل هل في غنم السائمة زكاة؟ فيقول: في الغنم السائمة زكاة، ومثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130]، فلا مفهوم للإضعاف إلَّا عن النهي عما كانوا يتعاطونه بسبب الآجال، كان الواحد منهم إذا حلَّ دينه يقول له: إما أن تعطي، وإما أن تُربي؛ فيضاعف بذلك أصل دينه، مرارًا كثيرة، فنزلت الآية على ذلك.

الشرط الثالث: ألَّا يكون هناك عهد، وإلَّا فلا مفهوم للقيد المذكور، ويصير بمنزلة اللقب من إيقاع التعريف عليه، مع إيقاع العلم على مسماه، وهذا الشرط يُؤخذ من تعليلهم إثبات مفهوم الصفة أنه لو لم يُقصد نفي الحكم عما عداه؛ لما كان لتخصيصه بالذكر فائدة، وقولهم في مفهوم الاسم: إنه إنما ذكر؛ لأن الغرض منه الإخبار عن المسمى، فلا يكون حجة.

الشرط الرابع: ألَّا يكون المذكور قُصد به زيادة الامتنان على المسكوت؛ كقوله تعالى: {لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} [النحل: 14]، فهذا القيد، وهو قوله تعالى: {طَرِيًّا }، لا يدل على منع القديد من لحم ما يؤكل مما يخرج من البحر، كغيره.

الشرط الخامس: ألَّا يكون المنطوق خرج لتقدير جهالة من المخاطب لحكم المسكوت عنه، فإن خرج لذلك، كما لو علم شخص أن في المعلوفة زكاة، ولم يعلمها في السائمة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((في السائمة زكاة))، فلا مفهوم له؛ لأن التخصيص حينئذ لإزالة جهل المخاطب، لا لنفي الحكم عما عداه.

الشرط السادس: ألَّا يكون المذكور قُصد به التفخيم وإظهار وتأكيد الحال، كقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله وباليوم الآخر أن تحدَّ فوق ثلاثة أيام، إلَّاعلى زوجها أربعة أشهر وعشر))، فإن التقييد بالإيمان لا مفهوم له، فلا يكون دالًّا على إباحة الإحداد أكثر من ثلاثة أيام لمن ليست بمؤمنة، وإنما ذكر قيد الإيمان هنا؛ لتفخيم الأمر، والترغيب في الامتثال.

الشرط السابع: أن يُذكر مستقلًّا، فلو ذكر على جهة التبعية لشيءٍ آخر؛ فلا مفهوم له، كقوله تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187]، فإن قوله تعالى: “في المساجد”، لا مفهوم له بالنسبة لمنع المباشرة، فإن المعتكف يحرم عليه المباشرة مطلقًا.

الشرط الثامن: ألَّا يظهر من السياق قصد التعميم، فإن ظهر قصد التعميم؛ فلا مفهوم له، كقوله تعالى: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الحشر: 6]؛ لأنَّا نعلم أن الله قادر على المعدوم الممكن، والمعدوم ليس بشيءٍ؛ لأن الشيء يُطلق على الموجود، فإن المقصود بقوله: { كُلِّ شَيْءٍ}، التعميم في الأشياء الممكنة، لا قصر الحكم.

الشرط التاسع: ألَّا يعود على أصله الذي هو المنطوق، بالإبطال، فلا يُحتج على صحة بيع الذي عند البائع بمفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تبع ما ليس عندك))، إذ لو صح؛ لصح بيع ما ليس عنده، الذي نطق الحديث بمنعه؛ لأن أحدًا لن يفرق بينهم، وشرط الإمام الماوردي، والروياني، أن يكون المنطوق معناه خاصًّا، كقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [النساء: 43]، إلى قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]، فتقييد التيمم بالمرض والسفر، شرط في إباحته، فإن كان معناه عامًّا لم يكن له مفهوم، وسقط حكم التقييد، كتقييد الفطر بالخوف، والكفارة بقتل العمد، وقال: عمَّم داود وأهل الظاهر، الحكم في المقيد اعتبارًا باللفظ؛ لأن الاعتماد على النصوص دون المعاني عندهم، وهذا غلط؛ لأن الله تعالى قال: { وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ } [الإسراء: 31]، ولا يستباح قتلهم مع أمن الإملاق، وقال تعالى: { وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} [النور: 33]، ولا يجوز الإكراه مطلقًا، وإن لم يردن التحصّن، فلما سقط حكم التقييد في هذا، ولم يصر نسخًا؛ جاز أن يسقط غيره.

فإن قيل إذا سقط التقييد؛ كان مقيدًا؛ قلنا يحتمل ذكر التقييد مع سقوط حكمه أمورًا؛ منها: أن يكون حكم المسكوت عنه، مأخوذًا من حكم المنطوق به؛ ليستعمله المجتهد فيما إذا لم يجد فيه نصًّا، فإن الحوادث غير منقرضة، ومنها أن يكون للتنبيه على غيره، كما في قوله تعالى: { وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ } [آل عمران: 75]؛ فنبَّه بالقنطار على الكثير، وبالدينار على القليل، وإن كان حكم القليل والكثير سواء.

ومنها أيضًا: أن يكون الوصف هو الأغلب من أحوال ما قُيّد به؛ فيذكره لغلبته، كقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229]، وإن كانت مفادة الزوجين، تجوز مع وجود الحد وعدمه، وإن احتمل هذه الأمور وغيرها؛ وجب النظر في كل مقيد، فإن ظهر دليل على عدم تأثيره؛ سقط حكم التقييد، وصار في عموم حكمه، كالمطلق، وإن عُدم الدليل؛ وجب حكمه على تقييده، وجعله شرطًا في ثبوت الحكم.

الشرط العاشر: ألَّا يكون ذُكره لحاجة المخاطب، كما قلنا في قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} [الإسراء: 31]، فذكر هذا القيد؛ لحاجة المخاطبين إليه؛ إذ هو الحامل لهم على قتلهم، لا لاختصاص الحكم به، هل لهذا الاختلاف في مفهوم الموافقة بين الجمهور من الشافعية والحنفية أثر؟ نعم، ترتب على الاختلاف في الأخذ بمفهوم المخالفة بين الجمهور والحنفية؛ اختلاف كثير من الفروع الفقهية، نذكر منها على سبيل المثال: حكم ثمرة النخلة إذا بيعت قبل التأبير، فيرى جمهور الفقهاء من المالكية، والشافعية، والحنابلة: أنه إذا باع نخلة قبل أن تُؤبّر؛ فثمرتها تكون للمشتري، وقد استدلوا على ذلك بمفهوم المخالفة، في قوله صلى الله عليه وسلم: ((من باع نخلة بعد أن تؤبّر فثمرتها للبائع، إلَّا أن يشترطه المبتع))، فمفهوم هذا الحديث، أن النخلة إذا بيعت قبل التأبير، فإن ثمرتها لا تكون للبائع، وإنما تكون للمشتري، وخالف في ذلك الإمام أبو حنيفة وأصحابه، وذهبوا إلى أن ثمرة النخلة تكون للبائع مطلقًا؛ سواء أكانت النخلة مؤبرة قبل البيع، أو تم تأبيرها بعد البيع، واستدلوا على ذلك، بأن تخصيص أحد القسمين؛ سكوت عن القسم الآخر، والسكوت لا دلالة له.  

أيضًا من المسائل المرتبة على هذا الاختلاف: نكاح الأمة الكتابية، يرى جمهور الفقهاء من المالكية، والشافعية، والحنابلة: أن المسلم الحرّ لا يجوز له أن يتزوَّج الأمة الكتابية، إذا كان عاجزًا عن طول الحرة، ومستندهم في ذلك، الأخذ بمفهوم الصفة في قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25]، فقد قيَّد الله عز وجل اللاتي يحلّ الزواج بهنَّ من الإماء، عند عدم القدرة على زواج الحرائر، بأن يكنَّ مؤمنات، وفي هذا دلالة بمفهوم المخالفة في هذه الصفة، أن غير المؤمنات لا يحل الزواج بهن، وخالف في ذلك الحنفية؛ فأجازوا نكاح الأمة الكتابية؛ لأن مفهوم المخالفة عندهم ليس بحجة، واستمسكوا بعموم قوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3]. هناك بعض المسائل الأخرى سنأتي على بيانها إن شاء الله.

error: النص محمي !!