Top
Image Alt

عرض ومناقشة أدلة المذهبين الثاني والثالث

  /  عرض ومناقشة أدلة المذهبين الثاني والثالث

عرض ومناقشة أدلة المذهبين الثاني والثالث

الدليل الأول: إن مفهوم الصفة لو كان دالًّا على نفي الحكم عمَّا عداه، فإما أن يُعرف ذلك بالعقل، وهو باطل هنا؛ إذ لا مجال للعقل في باب اللغات، أو بالنقل، والنقل إما متواتر أو آحاد، والنقل المتواتر باطل، وإلَّا لعرفه المخالف؛ لاشتراكهم في خصومهم بأسبابه من سلامة الحاسة والعقل، ومخالطة أهل اللغة، والاقتباس منهم؛ ولما حدث اختلاف في المسألة.

أما النقل الآحاد -مع تقديم صحته وسلامته عن المعارض- غير كافٍ؛ لأن الآحاد لا يفيد إلَّا الظن ولا يمكن إثبات مثل هذا الأصل الذي نزل عليه كلام الله، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، المفيدان لليقين بما يُفيد الظن.

إذًا هذا هو الدليل الأول، ومفاده: أن مفهوم الصفة لو كان دالًّا على نفي الحكم عمَّا عداه، هل هو دالٌّ على ذلك بالعقل أو النقل، فالعقل لا مجال له هنا في اللغات؛ وعلى ذلك فيكون باطلًا، والنقل إما متواتر وإما آحاد، والنقل المتواتر هنا باطل أيضًا، وإلَّا لعرفه المخالف، وكذلك النقل الآحاد غير كافٍ؛ لأن الآحاد لا يُفيد إلَّا الظن، ولا يمكن إثبات مثل هذا الأصل بالظن.

نوقش هذا الدليل: بأن التواتر ليس بشرط هنا؛ لتعذر حدوثه، وأن الأصول يجوز إثباتها بأخبار الآحاد؛ لأنه إذا جاز إثبات ما يترتب على هذه الأصول من ضرب الرقاب، وإيجاب الحدود، وإباحة الأبضاع وغيرها من الأحكام بأخبار الآحاد؛ جاز إثبات أصولها بأخبار الآحاد، ونقل الآحاد هنا كافٍ، إذ لو لم يكن كافيًا؛ لأدَّى الأمر لامتناع العمل بأكثر أدلَّة الأحكام؛ لعدم توافر التواتر في نقل مفرداته.

الدليل الثاني: أن المقيد بالصفة، لو دلَّ على نفي الحكم عمَّا عدا الموصوف بها؛ لما حسن الاستفهام عن الحكم فيه، لا نفيًا ولا إثباتًا؛ لكونه استفهامًا عمَّا دلَّ عليه اللفظ، لكنه يحسن، فإنه لو قيل في الغنم السائمة زكاة؛ فإنه لا يستغرب أن يسأل السامع المتلقي، وهل في المعلوفة زكاة أولا؟ وحسن سؤال السامع عن المعلوفة، وعدم استغرابه في مثل هذه الحال؛ دليل على أن حكمها لا يُعرف من خلال ذكر السائمة، وقد نوقش هذا الدليل: بأنه إنما حسن السؤال عن المعلوفة؛ لأن الكلام دلَّ عليها على وجه المحتمل، ولم يحسن السؤال عن السائمة؛ لأن الكلام دلَّ عليها على وجه المحتمل، ومع الاحتمال يحسن السؤال، ومع التصريح يقبح السؤال، ألا ترى أنه إذا قال: أوجبت عليك صوم رمضان، يقبح السؤال عن الوجوب مع التصريح؟ ولو أنه قال: صوموا رمضان؛ حسن السؤال عن الوجوب لما كانت دلالته عن الوجوب بوجه محتمل، كذلك في هذه المسألة.

الدليل الثالث: لو كان تقييد الحكم بالصفة يدلّ على نفي الحكم عن غير المتصف بها؛ لجرى ذلك في الخبر، كما يجري في الأمر؛ لاشتراكهما في الصلاحية للتخصيص بالصفة، وجريان ذلك في الخبر الممتنع؛ ولهذا فإنه لو قال: أرأيت الغنم السائمة ترعى؛ فإنه لا يدل على عدم رؤية الغنم المعلوفة، وقد نوقش هذا الدليل من قبل المثبتين من وجوه:

الوجه الأول: أنه لا فرق عندنا في تعليق الحكم بالصفة بين الأمر والخبر، والمثال الذي ذكرتموه يدل عندنا على عدم رؤية المعلوفة ترعى، إلى أن يأتي دليل جديد يدل على رؤيتها ترعى، وكذلك لو قال القائل: الفقهاء الشافعية فضلاء أئمة، فإن سامعه من فقهاء الحنفية وغيرهم، تشمئز نفسه من ذلك، وتكبر عن سماعه، لا لوصفه لعلماء الشافعية بالفضل والإمامة، بل لما فيه من الإشعار بسلب ذلك عمَّا ليس بشافعي، وهذا الشعور مما لا يختلف فيه الأمر والخبر.

الوجه الثاني: على أننا لو سلَّمنا جدلًا بامتناع ذلك في الخبر، فحاصل ما ذكروه يرجع إلى القياس، أي: يكون قياسًا للخبر على الأمر، والقياس في اللغة ممتنع.

الوجه الثالث: لو قدَّرنا صحة القياس في اللغة، فالفرق بين الخبر والأمر ظاهر؛ لأن المخبر عادة يُخبر عمَّا عاينه وشاهده، ولا يلزم من مشاهدته لشيء ووصفه له ألَّا يكون قد شاهد ما ليس على صفته، فمن قال مثلًا: أرأيت لحمًا طريًّا، ورطبًا جنيًّا؛ فإنه يُنبئ على اللحم الذي رآه، والرطب الذي شاهده، ولا يعني هذا أن ما لم يشاهده ليس طريًّا أو جنيًّا؛ لأن الحكاية عنده قاصرة على ما شاهد، ويختلف الحكم تمامًا في ذلك في الأمر، فإن من يقول لعبده: اشتر لي رطبًا جنيًّا، أو لحمًا طريًّا، مع علمه بأن الرطب غير الجني، واللحم غير الطري مما يُباع في السوق؛ فإن ذلك الوصف ملاحظ عنده ومقصود به البيان، وتمييز ما يشتريه العبد وما لا يشتريه؛ فكان النفي فيه ملازمًا للإثبات.

الدليل الرابع: لو دلَّ تخصيص الحكم بإحدى الصفتين على نفيه عما عداها؛ لدلَّ إما بالمطابقة، أو بالتضامن، أو بالالتزام، ضرورة انحصار الدلالة فيها، لكن لا يدل على ذلك بواحدة منها.

أما أنه لا يدل بالمطابقة؛ فلأن نفي الحكم عن غير المذكور عند انتفاء الصفة، ليس هو عين إثبات الحكم في المذكور، حتى يكون مطابقة.

وأما أنه لا يدل بالتضامن؛ فلأن نفي الحكم عند انتفاء الصفة ليس جزء من المعنى المطابقي؛ الذي هو ثبوت الحكم عند ثبوت الصفة.

وأما أنه لا يدل بالالتزام؛ فلأن شرط الدلالة الالتزامية انتقال الذهن من الملزوم إلى اللازم، وهذا الشرط غير موجود هنا؛ بدليل أن السامع قد يتصوّر إيجاب الزكاة في الغنم السائمة، مع غفلته عن المعلوفة؛ فضلًا عن تصور نفي الزكاة عنها.

وقد نوقش هذا الدليل من قبل المثبتين: بأن تخصيص الحكم بإحدى الصفتين، يدل على نفيه عمَّا عداها بالالتزام، إذ أن في ربط الحكم بالصفة؛ إشعار بعلّية تلك الصفة، كما تقدم، وانتفاء العلة يستلزم انتفاء المعلول؛ وبهذا تكون دلالة مفهوم الصفة، من باب الدلالة الالتزامية؛ وهي واحدة من الدلالات التي ذكرتموها.

الدليل الخامس: أن تخصيص الحكم بالصفة، لو دلَّ على نفي الحكم عند انتفاء تلك الصفة؛ لما حسن أن يقال: أدِّ زكاة الغنم السائمة والمعلوفة، لا على سبيل الجمع بينهما، ولا على التفريق؛ لأن تعليق الزكاة بالسائمة، يعني: نفيها عن المعلوفة، كما لا يحسن أن تقول في مفهوم الموافقة: لا تقل لزيد أفّ واضربه.

وقد نوقش هذا الدليل من قبل المثبتين: بأن هذا الاستدلال ضعيف؛ لأن دلالة المفهوم مشروطة بتخصيص الحكم للصفة، فإذا ذُكر بعد تعليق الحكم بها، الحكم في مفهومه بحرف العطف؛ لم يكن تخصيص الحكم بالصفة حاصلًا، فينتفي شرط دلالته، والشيء ينتفي بانتفاء شرطه، بخلاف ما إذا كان كل واحد من النفي والإثبات معرفًا به، كما لو قال: أدِّ زكاة الغنم السائمة، ثم قال: أدِّ زكاة الغنم المعلوفة؛ فإن دلالة أحدهما غير مشروط بعدم الآخر؛ لأنه يكون معارضة، والمعارضة بين النصوص وبين المفاهيم غير ممتنعة.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى؛ فإن استدلالكم على هذا منتقض بالتخصيص بالغاية، كما لو قال القائل لغيره: صُم إلى غروب الشمس؛ فإنه يدل على أن حكم ما بعد الغاية مخالفٌ لما قبلها، ومع ذلك فإنه لو قال له: صُم إلى غروب الشمس وإلى نصف الليل؛ لم يكن في الأخير نقضًا للأول، كما أنه لا يلزم من عدم جواز ذلك في مفهوم الموافقة امتناعه أيضًا في مفهوم المخالفة؛ إذ هو قياس في اللغة، وهو ممتنع لما سبق، وبتقدير صحة القياس في اللغة، فالفرق بين المفهومين ظاهر؛ إذ أن مفهوم الموافقة قطعيّ لا تجوز مخالفته، ومفهوم المخالفة ظني، والظني تجوز مخالفته.

الدليل السادس: إن تخصيص الحكم بالصفة، لو دلَّ على انتفاء الحكم عند انتفاء تلك الصفة؛ لما جاء المنطوق بما يُخالف ذلك المفهوم؛ لأن الأمر حينئذٍ يؤول إلى التعارض بين المفهوم والدليل الذي ثبت به المخالفة في محلّ النطق، والأصل عدم التعارض، وقد ورد ذلك في النصوص الشرعية في قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} [الإسراء: 31]، فإننا لو أخذنا بمفهوم الصفة؛ لكان في الآية دليل على جواز قتل الأولاد عند عدم خشية الإملاق، والأمر ليس كذلك؛ لأن قتل الأولاد حرام مطلقًا، سواء خيف الإملاق أولا.

وقد نوقش هذا الدليل من قبل المثبتين من وجهين:

الوجه الأول: أن محل النزاع هو مفهوم المخالفة، وهذه الآية المستدل بها، ليست من قبيل مفهوم المخالفة إطلاقًا، وإنما هي من قبيل مفهوم الموافقة؛ لأنه إذا كان قتل الأولاد محرمًا في حالة الخوف من الفقر والجوع؛ التي هي مظنة الجواز، فمن باب أحرى وأولى أن يكون محرمًا إذا لم يكن هناك خوف من الفقر، إذ ليس هناك ما يتوهم أنه مبرّر لقتلهم، كما هو الحال في الحالة المنصوص عليها.

الوجه الثاني: على فرض تسليم أن هذه الآية من قبيل مفهوم المخالفة، فهي خارجة عن محل النزاع.

واستدلَّ أصحاب المذهب الثالث؛ وهو مذهب أبي عبد الله البصري، القائل بأن مفهوم الصفة ليس بحجة إلَّا في ثلاث صور. وحاصل دليله: أن المقصود من الصفة إنما هو تمييز الموصوف بها عمَّا عداه، وذلك كالاسم فإنه موضوع لتمييز المسمى عن غيره، فإذا عُلِّق الحكم على الاسم، كما لو قال: زيد عالم؛ لا يدل على نفي العلم عن غير زيد، فكذلك تعليق الحكم بالصفة وتقييده بها؛ فلا يدل على نفي الحكم عمَّا لم توجد فيه تلك الصفة.

error: النص محمي !!