Top
Image Alt

عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة، وحكم مَن يسبهم

  /  عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة، وحكم مَن يسبهم

عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة، وحكم مَن يسبهم

كان الأمر مستقرًّا عند أهل السنة والجماعة على الصحابة وعلى مكانتهم، وعلى العقيدة فيهم التي سجلتها كتب عقيدة أهل السنة والجماعة فيما بعد، من أمثال (العقيدة الطحاوية) وغيرها.

وقد قطع ابن حزم -رحمه الله تعالى- للصحابة بالجنة، وهذه مسألة مهمة في الرد على هاتين الفرقتين (الخوارج والشيعة) وغيرهما.

إن عقيدة أهل السنة والجماعة لا تقطع لأحد بالجنة إلا من ورد النص بأنه من أهل الجنة حتمًا، كما ورد مثلًا في شأن العشرة المبشرين، وكما ورد في شأن عكاشة بن محصن، وكما ورد في شأن ثابت بن قيس وغيرهم، الذين شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم من أهل الجنة، وكما ورد في شأن عبد الله بن حرام وجابر رضي الله عنهم.

 وابن حزم يلمح من آية الحديد أن الصحابة جميعًا يُقطع لهم بالجنة، ووجه استدلاله بالآية أن الله عز وجل قال: {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [الحديد: 10].

نعم، تفاوت الصحابة في الفضل فيما بينهم، فبعضهم أفضل من بعض، والعلماء من أول أمر الإسلام مجمعون على هذا، وقد رتبوا الصحابة على طبقات في مؤلفاتهم مثل ابن سعد وغيره، فقسموا الصحابة إلى طبقات بناء على منازلهم في الإسلام، من سبق، ومن هجرة، ومن جهاد، إلى آخره.

لكن حكم العدالة الذي نتكلم عنه ثابت لكل الصحابة بلا استثناء، من شارك في الغزوات، ومن سبق في الإسلام، وحتى من لابس الفتنة ومن لم يلابس، وكلا وعد الله الحسنى، أي: الجنة، والحسنى في قوله تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26]، وفي هذه الآية: هي الجنة.

وهذا فيه رد على تلك الترهات التي يثيرها أعداء الإسلام وأعداء السنة وأعداء الصحابة رضي الله عنهم.

وكل الهجوم على الصحابة يهدف إلى التشكيك في هؤلاء الثقات، في هؤلاء النقلة، في شهودنا على ديننا، لقد ذكرنا مرارًا أن أحدًا من الأمة بعد جيل الصحابة لم يشرف بالتلقي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه لا القرآن، ولا السنة.

وكل ذلك نقل إلينا بواسطة الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.

فالبداية تكون بالتشكيك فيمن نقلوا لنا ذلك كله.

ولقد نبهنا قبل ذلك إلى كلمة أبي زرعة رحمه الله، وشيخنا الشيخ محمد أبو شهبة -رحمه لله- في كتابه (دفاع عن السنة) يثني على هذه الكلمة ويعتبرها من غاية التوفيقات الإلهية حين أجراها الله -تبارك وتعالى- على لسان أبي زرعة رحمه الله.

ولذلك تنبه -رحمه الله تعالى- إلى خطورة المسألة منذ مرحلة مبكرة، فاعتبرهم زنادقة قد خرجوا عن الدين باجترائهم على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولذلك ترتب على هذه القضية مناقشة مسألة مهمة:

ما حكم من سب الصحابة؟

قد ورد النهي عن سب الصحابة خاصة في قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)). متفق عليه.

واتفق أهل السنة والجماعة على أن سبهم حرام، بل هو من أكبر الكبائر، ومن أفحش المحرمات، وهذا محل إجماع بينهم.

إذًا حين قالوا: إن سبهم كبيرة، إنما أخذوا ذلك من الآيات القرآنية التي أثنت على الصحابة جميعًا بلا استثناء، وعلى جملة الأحاديث التي وردت في الثناء على الصحابة، بل في النهي عن سبهم، فمن يسب الصحابة أو بعضهم فهو مخالف لهذه الأوامر النبوية ولهذه النواهي، التي نهت عن سب الصحابة رضي الله عنهم.

يقول الإمام مالك رضي الله عنه فيما ذكره القاضي عياض وغيره: “من شتم أحدًا من أصحاب رسول الله أُدب، ونكل نكالًا شديدًا، ويكرر ضربه ويطال سجنه حتى يموت”.

وقد اعتبر الحافظ الذهبي في كتابه (الكبائر)- سب الصحابة من الكبائر، وهي عنده الكبيرة السبعون، وساق الأدلة على ذلك ومنها: ((لا تسبوا أصحابي))، ((الله الله في أصحابي))، ((من عاد لي وليًّا فقد آذنته بالحرب)).

فالصحابة من الأولياء بنص الآيات القرآنية: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُون * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ}  [يونس: 63، 64].

وقال الذهبي رحمه الله: “فمن طعن فيهم أو سبهم فقد خرج من الدين ومرق من ملة الإسلام؛ لأن الطعن لا يكون إلا على اعتقاد مساوئهم، وإضمار الحقد لهم، وإنكار ما ذكره الله تعالى في كتابه من ثنائه عليهم، وما لرسول الله – صلى الله عليه وسلم من ثنائه عليهم وفضائلهم؛ ولأنهم أرضى الوسائل من المأثور والوسائط من المنقول، والطعن في الوسائط طعن في الأصل، -يقصد بالوسائط أنهم الذين نقلوا لنا المأثور، وهم الذين نقلوا لنا المنقول، وهم الذين نقلوا أمور الإسلام كلها-، والطعن في الوسائط طعن في الأصل، والازدراء بالناقل ازدراء بالمنقول”.

أيضًا ابن حجر الهيتمي -رحمه الله – في كتابه (الكبائر) اعتبر أن السب كبيرة، ونسب هذا إلى كثير من علماء المسلمين وإلى البخاري ومسلم.

وقال -رحمه الله- ناقلًا عن الجلاء البلقيني: “وهو داخل -أي الذي ازدرى على الصحابة وسبهم- تحت مفارقة الجماعة، وهو الابتداع المدلول عليه بترك السنة، فمن سب الصحابة أتى كبيرة بلا نزاع”.

إذًا الحكم على من فعل ذلك ليس درجة واحدة، يعني: إن كان تجرأ عليهم لكنه يعتقد إيمانهم وفضلهم، فهذه كبيرة، لكن إن تطور الأمر إلى اعتقاد كفر بعضهم -والعياذ بالله- فقد خرج هو من الملة بهذا الاعتقاد، المصادم للقرآن الكريم وللسنة المطهرة التي أثنت على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ونقولها بملء الفم ونحذر من ذلك: قد يتصاعد المجترئ على الصحابة في موقفه العقدي إلى أن يخرج من الملة، والعياذ بالله.

فإذا تجرأ عليهم وحكم عليهم، وخصوصًا من وردت في حقه أدلة قاطعة بفضله ومكانته ومنزلته، كالشيخين الكبيرين العظيمين في الإسلام أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وبقية العشرة… إلى آخره، هؤلاء من يجترئ عليهم إنما يجترئ على الإسلام، وعلى القرآن وعلى السنة، ويصادم النصوص القطعية الواردة في القرآن في فضل هؤلاء السادة، وفي فضل الصحابة بوجه عام.

ولذلك لما تحير البعض منهم مع هذه الآيات زعم -لكي يوائم بين معتقده الفاسد وكفره الضال وبين القرآن الكريم- من وجهة نظره أن كفر الصحابة لم يحدث إلا بعد أن انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى.

ونسي أو تناسى أنه كيف يمدح الله قومًا يعلم بعلمه الأزلي ماذا يكون من حالهم، وبماذا سيختم لهم.

خسأ وخاب وخسر من قال بهذا الزعم الفاسد، وهو في كل أحواله يتخبط؛ لأن الضلال قد تحكم فيه، فصار يحكم على النصوص من خلال هذا التحكم الفاسد، فنحمد الله على براءتنا من هذا، ونسأل الله عز وجل السلامة والبر والتقوى.

error: النص محمي !!