Top
Image Alt

مفهوم الصفة

  /  مفهوم الصفة

مفهوم الصفة

ما المقصود بمفهوم الصفة؟

المقصود بمفهوم الصفة: دلالة اللفظ المقيد بصفة من صفات الذات، على نفي الحكم على الذات عند انتفاء الصفة، والمراد بالصفة عند الأصوليين: تقييد لفظ مشترك المعنى بلفظ آخر مختص، ليس بشرط، ولا غاية، ولا استثناء؛ لأن هذه القيود قائمة بذاتها، ولها مفاهيمها الخاصة، ولا يريدون بها النعت فقط كالنحاة، ويشهد لذلك تمثيلهم لمفهوم الصفة، بقوله صلى الله عليه وسلم: ((مطل الغني ظلم، يحل عرضه وعقوبته))، مع أن التقييد به إنما هو بالإضافة فقط، وقد جعلوه صفة، وأصل وضع الصفة أن تجيء للتخصيص في النكرات، وللتوضيح في المعارف، نحو: مررت برجل عاقل، وزيد العالم، وقد تجيء لمجرد الثناء؛ كصفات الله تعالى، أو لمجرّد الذم، نحو قوله: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أو للتوكيد، نحو: نفخة واحدة، أو للتحنّن مثل: زيد المسكين، وهذه الأقسام لا مفهوم لها، وقد تتردد بين التخصيص والتوضيح، مثل: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} [النحل: 76]، فقوله: {لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ}، متردد بين أن يكون للتخصيص أو للتوضيح.

يقول الإمام الزركشي -رحمه الله-: “مفهوم الصفة: وهو تعليق الحكم على الذات بأحد الأوصاف، نحو: ((في سائمة الغنم زكاة))، وكتعليق نفقة البينونة على الحمل، وشرط ثمرة النخل للبائع إذا كانت مؤبَّرة، فيدل على أنه لا زكاة في المعلوفة، ولا نفقة للحائل -أي: غير الحامل- ولا ثمرة لبائع النخلة غير المؤبرة، والمراد بالصفة -كما قلنا- عند الأصوليين: تقييد لفظ مشترك المعنى بلفظ آخر مختص، ليس بشرط، ولا غاية، ولا يريدون بها النعت فقط، كالنحاة كما قلنا، ويشهد لذلك تمثيلهم بـ: ((مطل الغني ظلم))، مع أن التقييد به إنما هو بالإضافة فقط، وقد جعلوه صفة.

إذا علمت ذلك، فقد ذهب الشافعي، ومعظم الفقهاء، وأصحاب مالك، وأهل الظاهر، إلى أنه يدل على نفيه عمّا عداه، أي: أن مفهوم الصفة يدل على نفي الحكم عمّا عداه، وحكاه سليم الرازي عن اختيار المزني، والإصطخري، وأبي إسحاق المروزي، وابن خيران، قال: وإليه ذهب مالك وأحمد، وأبو داود وأبو ثور وغيرهم.

يقول الزركشي: “قلت: وأبو بكر الصرفي، ونقله في كتابه عن نص الشافعي، فقال: قال الشافعي: “ومعقول في لسان العرب أن الشيء إذا كان له وصفان، فوصف أحدهما بصفة أن ما لم يكن فيه تلك الصفة بخلافه”، وكذا حكاه أبو الحسين بن القطان، وقال: إنه نص عليه في كتاب الزكاة، ثم حكى في القول به بمجرده، وجهين للشافعية.

قال القاضي: “ويدل عليه كلام شيخنا أبي الحسن؛ لأنه قال في إثبات خبر الواحد، قال تعالى: { إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا } [الحجرات: 6]، مفهوم ذلك يدل على أن غير الفاسق لا نتبينه”، وتمسّك أيضًا في إثبات الرؤية، بقوله: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15]، فإن مفهومه يقتضي إثبات الرؤية لأهل الجنان، وهذا نص عليه الشافعي أيضًا، في كتابه: (أحكام القرآن)، وقال عبد الوهاب في: (الملخَّص): قال جمهور أصحابنا، بمفهوم الصفة، ونصَّ عليه أبو الفرج في: (اللمع)، وهو ظاهر قول مالك، وبهذا يردّ نقل صاحب: (المعالم)، عن مالك موافقة أبي حنيفة.

قال ابن التلمساني: “ولعلهما ينقلان عنه بالتخريج في مسائل، وفي: (صحيح البخاري)، في كتاب الجنائز، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من مات يشرك بالله دخل النار))، وقلت –أي: ابن مسعود- يقول: “وقلت أنا: من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة”، وهذا مصير من ابن مسعود رضي الله عنه إلى القول بالمفهوم.

وذهب أبو حنيفة وأصحابه، وطوائف من الشافعية والمالكية إلى نفيه، قال الأستاذ أبو منصور: “وقد رآه الحنفية أقوى الأدلة، ومنعهم من الزيادة على النص، وهو اختيار القاضي أبو بكر الباقلاني، وبه قال ابن سريج والقفال”.

وزاد صاحب: (المصادر): “وأبو بكر الفارسي، قال: وأضاف ذلك ابن سريج إلى الشافعي، وتأوّل كلامه المقتضي بخلاف ذلك”.

وقال الأستاذ أبو إسحاق: “باح القفال بمخالفة الشافعي، في مفهوم الصفة، وأما ابن سريج فتلطف، وقال: إنما قال الشافعي، بالمفهوم بدليل يزيد على نفس اللفظ، لا من نفس اللفظ”، واختار الغزالي، والآمدي، وصاحب: (المحصول) فيه، واختار في: (المعالم) خلافه، وممن صار إليه من أهل اللغة، الأخفش، وابن فارس، في كتاب: (فقه العربية)، وذهب الماوردي، إلى التفصيل بين أن يقع ذلك جواب سؤال، فلا يكون حجة، وبين أن يقع ذلك ابتداءً فيكون حجة؛ لأنه لا بد لتخصيصه بالذكر من موجب، فلما خرج عن الجواب؛ ثبت وروده للبيان، قال: وهذا هو الظاهر من مذهب الشافعي.

وفصّل إمام الحرمين، بين الوصف المناسب وغيره، فقال بمفهوم الأول، دون الثاني، وعليه يحمل ما نقله الرازي عنه بالمنع، وابن الحاجب من الجواز.  

وعلى هذا نستطيع أن نوجز أقوال العلماء في مفهوم الصفة، هل هو حجة أولا، لكن قبل ذلك لا بد أن نحرّر محل النزاع، ومحلّ النزاع بينهم، هو إذا لم يظهر لتخصيص الوصف بالذكر فائدة غير نفي الحكم عمّا عداه، فمن ظهرت له فائدة أخرى غير العمل بالمفهوم، فقد اتفق العلماء جميعًا على أن مفهوم الصفة ليس حجة، ولا يصح التعويل عليه في استنباط الأحكام الشرعية؛ وعليه فإن هناك صور لا يعمل فيها بالمفهوم، هذه الصور مما تحققت فيه فائدة أخرى غير العمل بالمفهوم، منها: إذا خرج القيد مخرج الغالب والكثير، ومنها أيضًا، إذا كان القيد لبيان الواقع؛ كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130]، ومنها إذا وقع القيد في جواب سؤال مقيد بهذا القول، ومنها أيضًا، إذا كان المخاطب يجهل الحكم المسكوت عنه، ومنها إذا كان المقصود من ذكر القيد الحثّ على الامتثال، ومنها إذا كان المقصود من ذكر القيد الامتنان.

فهذه بعض الأمثلة لما ظهرت فيه فائدة غير نفي الحكم من غير المنطوق، والخلاف بين العلماء؛ حيث لم تظهر للتقيد بالوصف فائدة سوى نفي الحكم من غير المذكور، ولهم في ذلك مذاهب، ويمكن رد مذاهبهم على ثلاثة مذاهب:

المذهب الأول: أن مفهوم الصفة حجة، فإذا قُيّد حكم من الأحكام بصفة من الصفات، فإن ذلك يعني انتفاء الحكم فيما انتفت عنه تلك الصفة؛ وهو رأي جمهور العلماء، منهم الإمام مالك والشافعي وأحمد بن حنبل والأشعري، وجماعة من الفقهاء والمتكلمين وأهل اللغة؛ كأبي عبيد معمر بن مثنى.

المذهب الثاني: أنه ليس بحجة، فإذا قيد حكم من الأحكام بصفة من الصفات، فإن ذلك لا يدل على نفي الحكم فيما انتفت عنه تلك الصفة، وإنما يستدل على حكمه بدليل آخر، أو يظل على الإباحة الأصلية؛ وهو قول الإمام أبي حنيفة وأصحابه، والإمام الغزالي في: (المستصفى)، والقاضي أبو بكر الباقلاني، وهو اختيار الآمدي في: (الإحكام)، ورأي ابن سريج، والقفال الشاشي، ورأي جمهور المعتزلة، وهو أيضًا رأي الأخفش، وابن جنِّي من أئمة اللغة، واختاره الإمام الرازي في: (المحصول)، لكنه قال في: (المعالم): “والمختار أنه لا يدل بحسب وضع اللغة، لكن عندي يدل بحسب العرف.

المذهب الثالث: أنه حجة في بعض الصور دون غيرها، و قد انقسم أصحاب هذا المذهب، إلى فريقين:

الفريق الأول: ويمثله إمام الحرمين؛ والذي اختار التفصيل بين الوصف المناسب، والوصف غير المناسب، فإذا كان الوصف مناسبًا؛ يؤخذ بمفهوم الصفة فيه، وإن لم يكن مناسبًا؛ فلا يؤخذ بمفهوم الصفة فيه، وقد ورد رأيه هذا في كتاب: (البرهان)، حيث قال: “فأقول إذا كانت الصفات مناسبة للأحكام المنوطة بالموصوف بها، مناسبة العلل لمعلولاتها، فذكرها يتضمّن انتفاء الأحكام عند انتفائها؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: ((في سائمة الغنم زكاة))، فالسوّم يشعر بخفّة المؤن ودرور المنافع، واستمرار صحة المواشي في صفو هواء الصحارى، وطيب مياه المشارع، وهذه المعاني تشير إلى سهولة احتمال مؤنة الإرفاق بالمحاويج عند اجتماع أسباب الارتفاق بالمواشي، وقد انبنى الشرع على رعاية ذلك، من حيث خصص وجوب الزكاة بمقدار كثير، وأثبت فيه مهلًا يتوقع في مثله حصول المرافق، فإذا لاحت المناسبة؛ جرى ذلك على صيغة التعليل، وكذلك النهي عن ليّ الواجد، فإن الموسر المقتدر ذا الوفاء والملاء، إذا طولب بما عليه لم يعذر بتأخير الحق للمستحق، ثم قال: “فإن قيل: خصصتم بالذكر، الصفات المناسبة للأحكام، وقد أطلق القائلون بالمفهوم أقوالهم، بإثبات المفهوم بكل موصوف، فاثبتوا في ذلك ما هو الحق، قلنا: الحق الذي نراه: أن كل صفة لا يفهم منها مناسبة للحكم، فالموصوف بها كالملقب بلقبه، والقول في تخصيصه بالذكر كالقول في تخصيص المسميات بألقابها؛ كقول القائل: زيد يشبع إذا أكل؛ كقولهم: الأبيض يشبع؛ إذ لا أثر للبياض فيما ذكر، كما لا أثر للتسمية بزيد فيه، وهذا التفصيل الذي جاء عن إمام الحرمين أكده الإسنوي في: (نهاية السول).

الفريق الثاني: ويمثله أبو عبد الله البصري؛ الذي يذهب إلى أنّ الخطاب المتعلق بصفة دال على النفي عمّا عداها في أحد أحوال ثلاث:

الحالة الأولى: أن يكون الخطاب قد ورد للبيان، أي: بيان المجمل؛ كقولهم: ((في الغنم السائمة زكاة))، فهو بيان لقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103]؛ ولهذا يؤخذ بمفهوم المخالفة في الصفة فيه.

الحالة الثانية: أن يرد الخطاب للتعليم وتمهيد القاعدة؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا تخالف المتبايعان والسلعة قائمة))؛ فقد جاء هذا الخطاب في معرض التعليم وتمهيد القاعدة وبيانها؛ وبهذا يؤخَذ بمفهوم المخالفة فيه.

الحالة الثالثة والأخيرة: أن يكون ما عدا الصفة داخلًا تحتها؛ كالحكم بالشاهدين، فإنه يدل على نفي الحكم عن الشاهد الواحد؛ لدخوله في الشاهدين، ولا يدل على نفي ما عدا ذلك، من مفهوم الصفة في قوله تعالى: { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280]، فهذه الآية تدل بمنطوقها على أنّ المدين المعسر، الذي لا قدرة له على أداء الدين الذي عليه، ينبغي أن يُمهل حتى يوسِر ويتمكّن من أداء الدين الذي عليه، وتدل بمفهوم المخالفة، على أن المدين الموسر لا يُمهل، بل تجوز مطالبته بما ثبت في ذمته من دَيْن، ومفهوم المخالفة هنا مفهوم صفة؛ لأن أساس التقييد في الحكم؛ صفة الإعسار التي وصِف بها من ينبغي إمهاله، فدلّ ذلك على أن من لا يتصف بالإعسار، وإنما يتصف بالإيسار أو باليسار، تجوز مطالبته. أيضًا من أمثلة مفهوم الصفة، قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25]؛ فهذه الآية دلت بمنطوقها على أنّ المسلم الذي لا يملك القدرة على الزواج بالحرائر؛ يباح له الزواج بالإماء المؤمنات، ودلت بمفهومها -وهو هنا المفهوم المخالف- على أنه لا يجوز الزواج بالإماء الكافرات، ومفهوم المخالفة هنا من قبيل الصفة؛ لأن الآية قيّدت من يباح له الزواج بهنّ من الإماء عند عدم القدرة على زواج الحرائر؛ بأن يكن من المؤمنات.

error: النص محمي !!