Top
Image Alt

أقسام الشرط

  /  أقسام الشرط

أقسام الشرط

والشرط ينقسم إلى أربعة أقسام: شرعي، ولغوي، وعقلي، وعادي:

فالشرط الشرعي: كالطهارة بالنسبة للصلاة؛ فإن الشرع هو الذي حكم بأن الصلاة لا توجد إلَّا بطهارة؛ ولذلك سمي شرطًا شرعيًّا.

النوع الثاني: وهو الشرط العقلي: وذلك كالحياة بالنسبة لتحصيل العلم؛ فإن العلم لا بد له من الحياة حتى يحصل؛ لكن من الذي جعل الحياة شرطًا لتحصيل العلم؟ العقل هو الذي يقضي بأن العلم لا يوجد إلَّا بحياة؛ فبعد الموت لا يوجد العلم، فقد توقف وجود العلم على وجود الحياة عقلًا، ولا يلزم من وجود الحياة وجود العلم؛ فقد يوجد الإنسان حيًّا ولكنه لا يتعلم.

الشرط الثالث: وهو الشرط العادي: وذلك كالسُّلم لصعود السطح -وجود السلم، أو نصب السلم؛ لصعود السطح- فلا يمكن أن يصعد الإنسان فوق السطح، إلَّا إذا كان هناك سلم أو ما يقوم مقامه، ولا يلزم من نصب السلم صعود السطح؛ فإنه قد ينصب السلم ولا يصعد الإنسان على السطح، لكن من الذي حكم بذلك؟ هي العادة؛ فالعادة قاضية بأنه لا يوجد الصعود إلَّا بوجود السلم، أو نحوه مما يقوم مقامه.

النوع الرابع: وهو الشرط اللغوي كالتعليقات: نحو: إن قمتَ قمتُ، ونحو: أنت طالق إن دخلت الدار، والمخصِّص المتصل الذي الكلام فيه إنما هو اللغوي؛ فإن أهل اللغة وضعوا هذا التركيب وهو: “إن قمتَ قمتُ”، أو “إن دخلت الدار فأنت طالق”؛ ليدل على أن ما دخلت عليه أداة الشرط هو الشرط، وأن المعلق عليه هو الجزاء، ويستعمل الشرط اللغوي في السبب الجعلي؛ كما يقال: “إن دخلت الدار فأنت طالق”، والمراد: أن الدخول سبب للطلاق، يستلزم وجوده وجوده، لا مجرد كونه عدمًا مستلزمًا لعدمه من غير سببية، وبهذا صرح الإمام الغزالي، والقرافي، وابن الحاجب -رحمهم الله.

ويدل على هذا قول النحاة في الشرط والجزاء: بأن الأول سبب والثاني مسبب.

هذه هي أقسام الشرط، والمتأمل فيها يدرك أن المخصص المتصل الذي الكلام فيه، إنما هو اللغوي فقط.

قال ابن النجار -رحمه الله-: ويختص الشرط اللغوي من الشرط المطلق بكون الشرط اللغوي مخصصًا، ومن أمثلة التخصيص أن يقول: اقتلوا المشركين إن حاربوا؛ فهذا الشرط يقتضي إخراج من لم يحارب، وقد كان يقتل لولا هذا الشرط.

ومن أمثلته أيضًا قوله تعالى: { وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 6]، فهذا الشرط يقضي بإخراج غير الحامل، ومنه قولهم في الفقه: العتق المعلق على شرط، والطلاق المعلق على شرط، وعلى ذلك؛ فالشروط اللغوية أسباب شرعية، وفاقًا للغزالي، والقرافي، وابن الحاجب؛ بخلاف غيرها من الشرور، أي: بخلاف الشرط العقلي، والشرط العادي، والشرط الشرعي. 

كما قلنا: أن النحاة تقول في الشرط والجزاء، بسببية الأول ومسببية الثاني، ويظهر الفرق بينهما بتبين حقيقة السبب، والشرط، والمانع، التي سنذكرها بعد قليل.

وعلى ذلك؛ فتتلخص أحكام الشرط؛ بأن الشرط الذي تدور الدراسة حوله -كما قلنا- هو الشرط اللغوي؛ لأنه هو الذي يدخل على العام ويخصصه.  

والتركيب الذي يتضمن شرطًا؛ يتكون من جملتين:

الجملة الأولى: وهي الشرط، أو مدخول الشرط.

الجملة الثانية: جزاء الشرط، وهو: المحل الذي تعلق الشرط به، والعموم يقع في الجزاء والجواب.

وعلى هذا؛ فإن الشرط يكون مخصصًا لعموم العبارة المتضمنة معنى الجزاء، وقد بين بعض علماء الأصول والعربية، تأثير الشرط ومدخوله في الكلام العربي وفي عموم البيان؛ فقالوا: إنه يستعمل في شرط شبيه بالسبب من حيث إنه يستتبع الوجود، وهو الشرط الذي لم يبقَ للمسبب أمر يتوقف عليه سواه، فإذا وجد ذلك الشرط؛ فقد وجدت الأسباب والشروط كلها؛ فيوجد المشروط؛ ولذلك فإنه يدفع ما لولاه لدخل فيه، مثاله: لو قال قائل: أكرِم بني تميم إن دخلوا، وهذا المثال، يعني: عموم الإكرام لولا أنه خصِّص بشرط دخولهم؛ فيخرج من العموم من لم ينطبق عليه هذا الشرط، وهو الدخول؛ لذلك فقد امتنع إكرامهم جميعًا بصفة مطلقة إن لم يدخلوا؛ فالفائدة المترتبة على الشرط، أنه يقصر الإكرام على الداخلين للدار، ويخرج من عداهم من عموم الإكرام.

وعلى ذلك نستطيع أن نقول: إنه يدفع من الكلام ما لولاه لدخل فيه، هذا المعنى يتحقق في حالتين:

الحالة الأولى: حالة العلم العقلي والطبعي، مثاله: أكرم الطالب المجد أبدًا ما استطعت؛ فإن عدم الاستطاعة تخرج الكلام عن العموم؛ فشرط الاستطاعة يدفع ما لولاه لوجب الاستمرار، أي: لوجب استمرار الإكرام بصفة دائمة، وإن كان ذلك معلومًا عقلًا؛ لأن الأعمال مقرونة بالمقدرة على إتيانها عملًا.

الحالة الثانية: أنه يدفع من العموم ما لولاه لدخل فيه مع عدم العلم بخروجه ودفعه إلَّا بهذا الدليل، مثاله: أكرِم بني تميم إن دخلوا الدار؛ فإنه يخرج من عموم الجزاء من لم يدخل الدار منهم؛ ولولا الشرط لعم الإكرام جميع من دخل الدار من بني تميم.

ثانيًا: إن الشرط إذا دخل على الجمل المتعاقبة، أي: المتعاطفة؛ فإنه يشملها بحكمه جميعًا؛ فتتعلق الجمل بتحقيق الشرط، مثل: أكرِم بني تميم، وأحسِن إلى ربيعة، وانحِل مضرًا إن جاءوك.

ولم يخالف الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه في ذلك، وقد فرق بينه وبين الاستثناء؛ حيث خص الاستثناء بالرجوع إلى الجملة الأخيرة فقط، أما الشرط، فقد اتفق فيه مع سائر العلماء في رجوعه إلى جميع الجمل المتعاطفة ذلك؛ لأن التعليق اللغوي سبب يقتضي وجود الحكم والمصالح، وفي عودته إلى جميع الجمل المتعاطفة تكثير للمصلحة؛ بخلاف الاستثناء؛ فهو: إخراج ما ليس بمراد عن المراد.

ثالثًا: إذا كان الشرط متحققًا دفعة واحدة؛ فإن المشروط يوجد في أول زمان وجود الشرط، مثاله: إن اشتريت لي دارًا فلك مائة، وإن كان الشرط متدرجًا في الثمن؛ فإن المشروط معلق وجوده على آخر جزء من الشرط، مثاله: اشتراط حولان الحول؛ لدفع زكاته عن المال المدخر.

رابعًا: إذا رتب المشروط على شرطين؛ فلا يحصل إلَّا عند حصولهما، إن كان على الجمع، أما إن كان على البدل؛ حصل عند أحدهما، مثاله: أكرِم زيدًا إن دخل الدار ودخل السوق؛ فالإكرام، وهو الفعل المشروط، معلق على تحقيق الشرطين معًا، وهو دخول الدار، ودخول السوق، ونحو: أكرم زيدًا إن دخل الدار، أو دخل السوق؛ فالإكرام واجب عند تحقق أحد الشرطين على البدل لا على الجمع، والذي فرق بين البدل والجمع، هو: “الواو” و”أو”.

خامسًا: لقد اتفق العلماء على وجوب اتصاله بالكلام؛ ذلك لأنه فضلة على الكلام، غير مستقل بنفسه في أداء المعنى؛ لذلك فلا بد له من جزاء وجواب؛ ولأنه متضمن لمصالح العباد فلا يؤخر عن العبارة.

سادسًا: إن التقييد بالشرط أمر مستحسن عند العلماء، ولو أخرج أكثر العموم، مثال ذلك: أكرم بني تميم إن أطاعوا الله؛ فقد يكون المطيع منهم لله قلة؛ فيخرج بهذا الشرط الأكثر ويبقى المخصوص هو الأقل، وقد يبطل جميع الكلام إن ثبت أنه لا يطيع منهم أحد، وهذا ليس بالقبيح، ولم يجرِ فيه خلاف لدى العلماء على النقيض من الاستثناء؛ حيث لا يصح إخراج الجميع، وإخراج الأكثر فيه اختلاف -كما سبق أن بينا.

والفرق بين الشرط والاستثناء في ذلك من جانبين:

الجانب الأول: أن الموجب لإخراج الكل، أو الأكثر بالاستثناء، أن المتكلم به يعتبر غير جاد في كونه أقدم على الكلام بما يعتقد خلافه، ثم يبطله بلفظ آخر، ولا يعد كذلك في الشرط، بسبب أن الخارج بالشرط غير متعين على اللفظ فيه؛ ولكن النتائج تسفر عنه.الجانب الثاني من جوانب الفرق بين الشرط والاستثناء: أن احتمال إخراج الشرط للأكثر معارض بأنه قد لا يخرج شيئًا، ويطيعون كلهم؛ فيبقى الكلام بجملته لا يبطل منه شيء؛ فلما تعارضا تساقطا كأنه لم يدخله تقييدًا.

error: النص محمي !!