Top
Image Alt

أنواع مفهوم المخالفة

  /  أنواع مفهوم المخالفة

أنواع مفهوم المخالفة

بناء على تعريف مفهوم المخالفة: بأنه دلالة اللفظ على ثبوت حكم للمسكوت عنه؛ مخالف لما دلَّ عليه المنطوق؛ لانتفاء قيد من القيود المعتبرة في الحكم، فإن أنواع مفهوم المخالفة، تتنوّع بتنوّع تلك القيود، والقيود التي تُقيّد بها الأحكام، أو النصوص، أو العبارات، قيود كثيرة؛ ولهذا اختلف المتكلمون في عدِّهم لأنواع مفهوم المخالفة؛ تبعًا لتوسعهم في تلك القيود، أو تضييقهم فيها بإدراج بعضها في البعض الآخر، فبعض الأصوليين من المالكية يَصِلون بهذه الأنواع إلى ثلاثة عشر نوعًا، وبعضهم يصل بها إلى أحد عشر نوعًا، والإمام الآمدي مثلًا، يصل بها إلى عشرة أنواع، ومثله الشوكاني في: (إرشاد الفحول)، وهي عند الإمام الغزالي ثمانية، وعند ابن الحاجب أربعة، وكذلك عند البيضاوي في: (المنهاج)، وعند ابن السبكي في: (جمع الجوامع)، مع اختلاف بين البيضاوي، وابن السبكي، في عدِّ هذه الأربعة وترتيبها.

يقول الإمام الزركشي: “وأقسامه عشرة، اقتصر الأصوليون منها على ذكر أربعة أو خمسة”.

وقال المزري: “وحصرها الإمام الشافعي في خمس، فذكر الحدَّ، والعدد، والصفة، والمكان، والزمان، وأشار إمام الحرمين -رحمه الله- إلى شمول التعبير عنها بالصفة، وهو صحيح؛ لأن الصفة مقدرة في ظرف الزمان والمكان، ككائن ومستقر، وواقع من قولك: زيد في الدار، والغسل يوم الجمعة، والجميع عندنا حجة إلَّا اللقب”.

وأنكر الإمام أبو حنيفة -رحمه الله- الجميع، وحكاه الشيخ الشيرازي في: (شرح اللمع)، عن القفال الشاشي، وأبو حامد المروزي.

وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرييني في: (شرح الترتيب): “لقد تكلم أصحابنا في هذا الباب وخلطوا فيه، وأخيرهم أبو بكر القفال، وأول من تكلم فيه، أبو العباس بن سريج، وذكر أنه نُظر في كتاب: (الرسالة)، وغيرها من كتب الشافعي، فلم ينكشف له ما قاله الشافعي كل الانكشاف؛ فحسبها أجوبة مختلفة؛ لاختلاف صورها، فقال: إنما قال الشافعي بدليل الخطاب، بدليل يزيد على نفس اللفظ لا بنفس اللفظ ومقتضاه، مثل ما ذكر من قلّة النماء وكثرة المئونة في المعلوفة، فتلطف أبو العباس في منع القول بدليل الخطاب، وصرَّح القفال بخلاف الشافعي فيه”.

قال الشريف المرتضى في: (الذريعة): “أنكره ابن سريج وتبعه جماعة من شيوخهم، كأبي بكر الفارسي، والقفال، وغيرهما، وذكر ابن سريج، أن المعلق بالصفة يدلّ على ما تناوله لفظه إذا تجرَّد، وقد تحصل منها قرائن يدل معها على أن ما عداه بخلافه، كقوله تعالى: { إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ} [الحجرات: 6]، وقوله تعالى: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ} [الطلاق: 6]، وقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2]، وقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((في سائمة الغنم الزكاة))، قال: وقد يقتضي ذلك أن حكم ما عداه مثل حكمه، كقوله تعالى: { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا } [المائدة: 95]، وقوله: { فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23]، وقوله تعالى: { فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ } [التوبة: 36].

وحاصله: أنه إنما يدل على النفي والإثبات بالقرائن، قال: وقد أضاف ابن سريج، قوله هذا إلى الشافعي -رحمه الله- وتأوَّل كلامه المقتضي لخلاف ذلك، وبناه عليه.

أما الإمام الأشعري، فقال القاضي، والإمام: إن النقلة نقلوا عنه نفي القول بالمفهوم، كما نقلوا عنه نفي بصيغ العموم، وقد أضيف إليه خلاف ذلك، وأنه قال بمفهوم الخطاب؛ لأجل استدلاله على رؤية المؤمن ربه يوم القيامة، بقوله في الكافرين: {إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ } [المطففين: 16]، وذكر شمس الأئمة السرخسي -من الحنفية- في كتاب: (السير): “أنه ليس بحجة في خطابات الشرع، قال: وأما في مصطلح الناس وعرفهم فهو حجة، وعكس ذلك بعض المتأخرين من الشافعية، فقال: حجة في كلام الله ورسوله، وفي كلام المصنفين وغيرهم ليس بحجة، وقد اختلف المثبتون للمفهوم في مواضع.

أحدها: هل هو دليل من حيث اللفظ أو الشرع، على وجهين للشافعية، حكاهما المازري، والروياني، قال ابن السمعاني: “والصحيح أنه من حيث اللغة ووضع لسان العرب”.

وقال الإمام الرازي، في كتابه: (المعالم): “لا يدل على النفي بحسب اللغة، لكن يدل عليه بحسب العرف العام، وذكر في: (المحصول)، في باب العموم، أنه يدل عليه بالعقل، فتحصَّل من هذا أربعة أقوال: أنه من حيث اللغة ووضع لسان العرب؛ أنه لا يدل من حيث اللغة، إنما يدل بحسب العرف العام، أنه يدل عليه بحسب العقل، أو أنه يدل عليه بحسب الشرع.

وحكى الإمام الأبياري، في كتابه: (شرح البرهان)، أن القائلين بالمفهوم اختلفوا، هل نفي الحكم فيه عما عدا المنطوق به من قبيل اللفظ، أو من قبيل المعنى، كعدم وجوب الزكاة في المعلوفة، هل هو ملفوظ به حتى نقول: إن العرب إذا قالت في سائمة الغنم الزكاة، إن هذا الكلام قائم مقام كلامين؛ أحدهما: وجوبها في السائمة، والآخر نفيها في المعلوفة، أن نقول: إن هذا ليس من قبيل اللفظ، بل من قبيل المعنى.

قال: ومذهب الإمام الشافعي -رحمه الله- أنه من قبيل اللفظ، هل لهذا الخلاف فائدة؟ نعم، لهذا الخلاف فائدة تظهر فيما إذا خُص المفهوم، هل يبقى حجة فيما بقي بعد التخصيص؟ إن قلنا إنه من قبيل اللفظ، فنعم، وإن قلنا إنه من قبيل المعنى، فلا، وهذا الخلاف غريب، وممن حكاه أيضًا بعض شراح: (اللمع)، ويتحصل حينئذٍ خمسة مذاهب، من جهة اللغة، ومن جهة الشرع، ومن جهة العرف، ومن جهة العقل، ومن جهة المعنى.

الموضع الثاني من المواضع التي اختلف المثبتون للمفهوم فيها:

أنهم اختلفوا أيضًا في تحقيق مقتضاه، أنه هل دلَّ على نفي الحكم عمَّا عدا المنطوق مطلقًا؛ سواء كان من جنس المثبت فيه أو لم يكن، أو اختصت دلالته بما إذا كان من جنسه، فإذا قال: ((في الغنم السائمة الزكاة))، فهل نفينا الزكاة عن المعلوفة مطلقًا، سواء كانت من الإبل، أو البقر، أو الغنم، أو لم ننف الزكاة إلَّا على معلوفة الغنم؟ على وجهين للشافعية، حكاهما الشيخ أبو حامد الإسفراييني، والشيخ أبو إسحاق، وسليم، وابن السمعاني، والإمام الرازي، وغيرهم، قال الشيخ أبو حامد: “والصحيح تخصيصه بالنفي عن معلوفة الغنم فقط؛ لأنه تابع للمنطوق، ووجه النفي مطلقًا أن السوم، كالعلة فينتفي بانتفائها، وكذا صحح سليم الرازي، أن النفي عن معلوفة الغنم فقط، لكن صحح أبو الحسن السهيلي -من أصحابنا- في: (أدب الجدل) له، الثاني. قال الشيخ: وهو ضعيف جدًّا.

الموضع الثالث من المواضع التي اختلف المثبتون للمفهوم فيها:

أنه ظاهر لا يرتقي إلى القطع، أو أنه مقطوع به، كلام إمام الحرمين يقتضي أنه قد يكون قطعيًّا، وعلى الأول فهل يصح إسقاطه بجملته، حتى يكون كإزالة الطاهر أو لا، وإنما يؤول حتى يردّ إلى البعض، كما في التخصيص للعموم.

قال الإمام في: (البرهان): “يصح إسقاطه بجملته؛ لأنه غير مستقل بنفسه، فإذا دل الدليل على إسقاط المفهوم بكماله؛ بقي اللفظ فيما دلَّ عليه بالنطق، فلم يتعطل اللفظ بخلاف ما إذا خرج من العموم لكل أفراده؛ لأنه يؤدِّي إلى تعطيل اللفظ، والحاصل: أن إسقاط المفهوم بالكلية كتخصيص العموم.

وحكى الإمام الغزالي في: (المنخول)، عن ابن مجاهد، أنه لا بد من ترك بقية منه كما في المنطوق، قال:” والمختار خلافه؛ إذ ليس المفهوم سائر الكلام، وإنما هو بعض مقتضيات اللفظ، فليس في تركه مع تبقية المنطوق نسخ، بل هو كتخصيص العموم.

الموضع الرابع من المواضع التي اختلف المثبتون للمفهوم فيها:

إذا دلَّ دليل على إخراج صورة من صور المفهوم، فهل يسقط المفهوم بالكلية، أو يتمسَّك به في البقية، ينبني على أن العموم إذا خُصَّ أن يكون مجملًا، فإن قلنا يصير مجملًا؛ فالمفهوم أولى، وإن قلنا لا يكون مجملًا؛ فمقتضى مذهب الشافعي -رحمه الله- ترك المفهوم بالكلية؛ لأنه إنما تلقاه بالنظر إلى فوائد التخصيص؛ ولأنه لا فائدة إلَّا مخالفة المسكوت عنه للمنطوق به، فإذا أثبت أن بعض المسكوت عنه يوافق المنطوق به؛ بطل أن تكون تلك هي الفائدة، فيطلب فائدة أخرى، والحق جواز التمسك به بعد التخصيص، كما إذا قيل: إنما العالم زيد، ولا عالم إلَّا زيد، فإذا دلَّ دليل على إثبات العلم لغير زيد؛ اقتصرنا في إثباته على ما دل عليه الدليل الجديد، ويبقى النفي فيما سواه؛ لأن اللفظ الشامل إذا أُخرجت منه صورة؛ بقي على العموم فيما سوى هذه الصورة؛ وعلى هذا يُقبل فيه التخصيص، كما إذا حلف لا آكل السمك مثلًا، ونوى تخصيص النفي بغيره يُقبل منه.

الموضع الخامس من المواضع التي اختلف المثبتون للمفهوم فيها: وهو هل يجب العمل بالمفهوم قبل البحث عما يوافقه أو يخالفه من منطوق آخر، فيه خلاف، كما اختلفوا في العمل بالعام قبل البحث عن المخصِّص، وحكى القفال الشاشي، في كتابه، وجهًا عن بعض الشافعية، أن سبيله سبيل العموم بنظره عند ورود الخطاب به، فإذا وُجد ما يدلّ على موافقة المسكوت عنه للمذكور؛ صير إليه، وإلَّا اقتصر على المذكور، وكان المسكوت عنه مخالفًا له، قال: “وسار بعض أصحابنا، إلى أنه يجب العمل به حتى يقوم دليل على خلافه، واستدل كل فريق منهم على صحة مذهبه، بألفاظ سردها من كلام الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى.

error: النص محمي !!