Top
Image Alt

الأدلة من القرآن الكريم والسنة على عدالة الصحابة، وموقف أهل العلم من عدالة الصحابة

  /  الأدلة من القرآن الكريم والسنة على عدالة الصحابة، وموقف أهل العلم من عدالة الصحابة

الأدلة من القرآن الكريم والسنة على عدالة الصحابة، وموقف أهل العلم من عدالة الصحابة

عدالة الصحابة- كما قلت- ثبتت لهم بنص القرآن الكريم، وبنص السنة المطهرة.

إذًا نحن حين نثبت العدالة لا نثبتها لهم تعصبًا أو انحيازًا أو منحةً أو هديةً، فهم أغنى الناس عن ذلك، إنما هذا ثبت لهم بأدلة كثيرة من القرآن الكريم ومن السنة المطهرة.

فمن الأدلة على عدالتهم من القرآن:

قول الله -تبارك وتعالى-: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [آل عمران: 110].

فهذا اللفظ عام في الأمة كلها لكن المراد به الخاص، بل إن بعض العلماء يقول: إنه وارد في الصحابة دون غيرهم. فهو من قبيل العام الذي أريد به الخصوص، إذ هو بسياقه لا يحتمل إلا الخاص، فالصحابة هم خير أجيال هذه الأمة.

وكما قال الخطيب البغدادي وغيره: هذا عام يراد به الخاص، وحتى قيل: هو وارد في الصحابة دون غيرهم.

ولو افترضنا أنه وارد في الصحابة ومن بعدهم- فإن مما أجمع عليه العلماء أنه حتى لو كان اللفظ باقٍ على عمومه، فإن الصحابة يدخلون دخولًا أوليًّا في المراد من هؤلاء، فهذا أمر بدهي.

فالآية تنطبق على الصحابة بلا جدال، سواء كان ذلك عن طريق العام الذي أريد به الخصوص، أو عن طريق دخول الصحابة دخولًا أوليًّا.

وقوله سبحانه:{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}  [البقرة: 143].

فأمة الإسلام ستكون شهداء على الناس، وستشهد بما أخبرها به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا ثابتٌ في الأحاديث الصحيحة حين يحدث تنازع بين الأنبياء وبين أقوامهم في التبليغ، حيث تقول الرسل: إنهم قد بلغوا أقوامهم، وتنكر أقوامهم ذلك، ويُطلب من الرسل شهداء، فتأتي أمة النبي صلى الله عليه وسلم تشهد لهم، بناء على ما أخبر به القرآن الكريم، وعلى ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحوال الأمم السابقة.

فهؤلاء الشهداء العدول يدخل فيهم دخولًا أوليًّا صحابةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأيضًا قول الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِين} [الأنفال: 64].

ورد في تفسير قوله تعالى: {حَسْبُكَ} معانٍ متعددٍ؛ منها: {حَسْبُكَ اللّهُ} يعني: يكفيك الله، ويكفيك من اتبعك من المؤمنين.

وهذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم فيمن اتبعه من المؤمنين من الصحابة، إذ الأجيال التي بعد الصحابة لم يدركوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم.

ويقال أيضًا في تفسيرها: {حَسْبُكَ} يعني: الله حسبك أي: كافيك، وكافي الفئة المؤمنةَ. أيضًا هذا تفسير مرضي، وعلى القول الأول بأنه: يا أيها النبي يكفيك الله معك، وتكفيك الفئة المؤمنة التي آمنت معك، هي سند لك بعد الله عز وجل فالآية واضحة في أن المراد بهم هم الصحابة، فهم الذين غزوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاهدوا معه وتحملوا عنه، وأدوا إلى من بعدهم كما نعرف من فضلهم جميعًا.

أيضًا جاءت آيات كثيرة تثني عليهم، لكني سأتوقف بشكل خاص أكثر مع الآيات التي لا يجادل أحدٌ في أن المقصود بهم الصحابة رضي الله عنهم لماذا؟

لأن الآيات السابقة التي ذكرناها قد ينازع البعض: لِمَ خصصت بهم الصحابة والآيات عامة؟ وما الحاجةُ إلى القول: بأن هذا عام أريد به الخصوص، من المماحكة في من الامور التي قد يجادل أو يتوقف فيها البعض؟ سنخرج من هذا بالأدلة القاطعة في الصحابة فقط بلا أدنى شبهة عند أحد من العلماء أو المفسرين.

من ذلك قول الله -تبارك وتعالى-: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} [التوبة: 100].

وأيضًا في قول الله تبارك وتعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18]، فهذه آيات ثابتةٌ في مدح الصحابة خاصة.

قد يقول البعض: إن المقصود بالسابقين الأولين هم الذين سبقوا إلى الإسلام، وأيضًا الذين اتبعوهم بإحسان.

وقد توقف فعلًا بعض العلماء في هذا، مثل المازري، الذي يقول: لسنا نعني بقولنا: الصحابة عدول، كل مَن رآه صلى الله عليه وسلم يومًا ما أو زاره لمامًا، يعني: يقصد رآه رؤية عابرة يومًا ما، أو زاره لمامًا يعني: قليلًا، أو اجتمع به لغرض وانصرف عن كثب – عن قرب- يعني: لم يمكث معه مدة طويلة، وإنما نعني به الذين لازموه: {وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون} [الأعراف: 157]. هذا كلام المازري في (شرح البرهان).

ويعقب عليه ابن حجر في مقدمة (الإصابة) فيقول رحمه الله تعالى: والجواب عن ذلك أن التقيدات المذكورة خرجت مخرجَ الغالب، وإلا فالمراد مَن اتصف بالإنفاق والقتال بالفعل أو بالقوة. بالقوة يعني: كان مستعدًّا لذلك، يعني: أنفق بالفعل أو قاتل بالفعل أو كان مستعدًّا لذلك، ولو لم يحدث منه إنفاق أو قتال؛ لأن عدم حدوث الإنفاق والقتال ليس لتُمنُّعِه، وإنما لأنه لم تواتِه الأسباب أو الظروف التي تدعو إلى هذا، كأن يكون قد تأخر إسلامه أو ما شاكل ذلك، لكن كل الصحابة مستعد للإنفاق والقتال، ولكل الأدوار التي يستطيع أن يقومَ بها في خدمة هذا الدين. وأما كلام المازري  فقد اعترض عليه جماعة من الفضلاء.

وقال الشيخ صلاح الدين العلائي: هو قول غريب جدًّا -يقصد قول المازري- يخرج كثيرًا من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم بالعدالة كوائل بن حجر، ومالك بن الحويرث، وعثمان بن أبي العاص وغيرهم، ممن وفَدَ عليه صلى الله عليه وسلم ولم يقم عنده إلا قليلًا وانصرف، وكذلك من لم يعرف إلا برواية الواحد -بالحديث الواحد يعني- ومَن لم يعرف مقدار إقامته من أعراب القبائل، والقول بالتعميم -أي: بثبوت العدالة للجميع- هو الذي صرح به الجمهور، وهو المعتبر، والله سبحانه وتعالى أعلم.

وهذا القول الذي قاله المازري -ثبوت العدالة لمن طالت صحبته، أو شارك في القتال… كأنه يريد أن يقصر الآيةَ على التقييدات التي وردت فيها، قولٌ لم يرتضه جموع علماء الأمة، وردوا عليه، وكما قلت مذهب أهل السنة والجماعة: ثبوت العدالة لكل مَن ثبتت صحبته صغيرًا أو كبيرًا، سبق إسلامه أو تأخر.

ثم ذكر -يعني: ابن حجر رحمه الله تعالى- قصة في كتاب (أخبار الخوارج) تأليف محمد بن قدامة المروزي، ذكر القصةَ بسند إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه يقول الراوي نبيح العنزي: عن أبي سعيد الخدري كنا عنده وهو متكئ، فذكرنا عليًّا ومعاويةَ. فتناول رجل معاويةَ، فاستوى أبو سعيد الخدري جالسًا، ثم قال: “كنا ننزل رفاقًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنا في رفقة فيها أبو بكر، فنزلنا على أبيات وفيهم امرأة حُبلَى، ومعنا رجل من أهل البادية -يعني: صحابي من أهل البادية- فقال للمرأة الحامل: أيسركِ أن تلدي غلامًا؟ قالت: نعم، قال: إن أعطيتني شاة ولدت غلامًا، فأعطته، فسجع لها أسجاعًا، يعني: قال لها كلامَ سجع مسجوع، يعني: كأنه شعر أو كذا، كأنه يُطمئن خاطرها إلى أنها ستلد غلامًا بإذن الله.

ثم عمَدَ إلى الشاة، فذبحها وطبخها، وجلسنا نأكل منها ومعنا أبو بكر، فلما علم بالقصة، قام فتقيأ.

أي لما علم أبو بكر أن الشاة كان السبب فيها أن الرجل قال لها سجعًا وبشرها بغلام- فمن ورعه قام فتقيأ، أي: عد هذا الطعام حرامًا.

يقول أبو سعيد الخدري: ثم رأيت ذلك البدوي أُتِيَ به عمر بن الخطاب وقد هجا الأنصار – يعني: أخطأ في حق الأنصار- فقال لهم عمر: لولا أن له صحبةً من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أدري ما نال فيها لكفيتكموه، ولكن له صحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

يقول ابن حجر: ورجال هذا الحديث ثقات.

انظر إلى توقف عمر رضي الله عنه عن معاتبة الرجل فضلًا عن معاقبته؛ فقط لكونه علم أنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم.

يقول ابن حجر: “وفي ذلك أبين شاهد على أنهم كانوا يعتقدون أن شأن الصحبة لا يعدله شيء؛ كما ثبت في الصحيحين. ثم شرع يذكر الأدلة على ذلك.

إذًا الصحابة كلهم عدول ثقاتٌ، وحين حاول المازري -رحمه الله تعالى- أن يقصر الآيةَ: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ} على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، واعتبر هذه القيود، وهي السبق والاتباع بإحسان، رد عليه علماء الأمة وقالوا: إن هذا القيد خرج مخرج الغالب، وخروج القيد مخرج الغالب له مظاهر كثيرة جدًّا في الشرع؛، حين يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)) لماذا قيدها بالمسلمين؟ وهل يحق للمسلم أن يؤذي غيرَه ممن لم يتعرضوا له بأذًى، ولم يحاربوا الإسلام والمسلمين؟ ولذلك في الرواية عند ابن حبان: ((المسلم مَن سَلِمَ الناسُ من لسانه ويده))، وقالوا عن حديث: ((من سلم المسلمون)) إنه خرج مخرج الغالب باعتبار أن تعامل المسلمين هو فيما بينهم في الأعم الأغلب.

فالأدلة على ذلك كثيرة، ومع ذلك سننتقل بعد ذلك إلى آياتٍ لم تستثن أحدًا من المسلمين، يعني: إن قيل عن آية التوبة: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ} [التوبة: 100]، وعن آية الفتح: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح: 18] أنهما مقصورتان على مَن يبق وجاهد أو شهد الحديبيةَ فقط، فسنذكر آياتٍ لم تستثن أحدًا من الصحابة، ولا يستطيع أحد أن يزعم أنها نزلت في طائفة من الصحابة معينة دون غيرهم.

من ذلك مثلًا قول الله تبارك وتعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الفتح: 29] إلى آخر الآية.

هذه الآية تمدح الصحابة جميعًا، ولم تستثن منهم أحدًا: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} كل الذين معه، لم يذكر السابقين فحسب، أو المهاجرين فحسب، أو الأنصار فحسب، كل الذين معه مدحهم الله وذكر أوصافهم كما تقول الآية الكريمة، هي مدح وثناء من الله تبارك وتعالى.

أيضًا في سورة الحشر مدح الله عز وجل الصحابةَ في آيتين متتاليتين؛ آية تمدح المهاجرين، والآية التي بعدها تمدح الأنصارَ في قول الله تبارك وتعالى: {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُون} [الحشر: 8] هذه الآية تمدح المهاجرين جميعًا، هم الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا، وينصرون الله ورسوله وهم أهل الصدق، والآية التي بعدها تمدح الأنصار جميعًا بلا استثناء: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون} [الحشر: 9].

فآية الفتح وهاتان الآيتان من سورة الحشر لم تستثن أحدًا من الصحابة أبدًا، وفي سورة التوبة: {لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيم} [التوبة: 117] وهكذا.

وعليه فالآيات قاطعةٌ بمدح كل الصحابة رضي الله عنهم بلا استثناء.

إذًا لو وجدتْ آيات عامة، وقال العلماء: إنها عام أريد بها الخصوص، ونازع البعض في ذلك، فإن الأدلة لم تتوقف على هذا، وإذا وجدت آيات وضعت قيودًا لمدح جيل الصحابة مثل أن يكونوا من السابقين الأولين، أو يكونوا من أهل الإحسان، فإنه قد وردت آيات لا يستطيع أحد أن يجادل فيها من حيث أنها تدل على عموم الصحابة بلا استثناء، وبذلك تتأكد القاعدة التي قالها أهل السنة والجماعة، وهي: أن الصحابة كلهم عدول ثقات بتعديل الله -تبارك وتعالى- لهم.

ننتقل إلى السنة المطهرة:

وقد وردت أحاديث كثيرة تمدح الصحابةَ رضي الله عنهم ولم تستثن منهم أحدًا، وهذه الأحاديث واضحة في عمومها، ومن ذلك:

قوله صلى الله عليه وسلم: ((خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)). إلى آخر الحديث.

((خير الناس قرني)) يعني: جيلي الذي هو منهم صلى الله عليه وسلم وهم جيل الصحابة بإجماع أهل الحديث وعلماء الأمة. وحين نتكلم عن أهل القرون الفاضلة والسلف الصالح، فإننا نعني أهل هذه القرون الثلاثة، وهم جيل الصحابة، وجيل التابعين، وجيل أتباع التابعين، والدليل القوي على ذلك هو هذا الحديث: ((خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)).

هذا الحديث رواه البخاري في “باب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم”، وفي غير ذلك أيضًا، ورواه مسلم في “كتاب فضائل الصحابة”.

الحديث الثاني: ((لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا، ما أدرك مُد أحدهم ولا نصيفه))، فسب الصحابة جريمة كبيرة بنص الحديث.

وعلماؤنا -ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية- قد ألفوا الكتبَ في الرد على مَن سبوا الصحابة خير أجيال هذه الأمة، وبينوا حكمَ العلماء فيهم من خلال الأدلة الشرعية.

لكن الحديث يحذرنا من سب الصحابة، ويقسم النبي صلى الله عليه وسلم على أن أَحَدًا – من بعد جيل الصحابة- لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه.

لو أنفقه أحدنا مثل أُحد ذهبًا خالصًا لن يدرك ما بذله الصحابةُ في خدمةِ هذا الدينِ، بل لم يدرك مد أحدهم.

وأُحُد طوله حوالي 6 كيلو متر، فضلًا عن ارتفاعه، وفضلًا عن سمكه، تخيل أن هذه المسافة 6 كيلو متر من الذهب، وأحدنا ينفقها، ومع ذلك لن يبلغ مد أَحِدِ الصحابة، ولا نصف ذلك المد، يعني: حثية من حثيات الصحابي رضي الله عنهم أجمعين- تبلغ أو تفوق ما ينفقه أحدنا بلا حصر ولا عد.

إذًا ننتبه إلى هذه المنزلة للصحابة الذي يثبتها هذا الحديث، ونلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستثن أحدًا من الصحابة رضي الله عنهم حيث قال: ((لا تسبوا أصحابي…)) فلم يستثنِ أحدًا، وقال: ((خير الناس قرني)) فلم يستثنِ أحدًا. 

أيضًا روى البزار في مسنده من حديث سعيد بن المسيب عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله اختار أصحابي على الثقلين سوى النبيين والمرسلين)).

الصحابة هم اختيار الله تعالى لنبيه؛ لأنه في علم الله عز وجل أن هؤلاء هم الذين سيحملون تبعاتِ الأمانة، هم الذين سيحفظون السنةَ، وسيحفظون القرآنَ، وسيبلغون الدعوةَ، وسيجاهدون في سبيل الله، وسينطلقون إلى الآفاق ليفتحوا البلاد؛ وسينشئون المدارسَ العلميةَ، وسيفعلون كذا وكذا، مما نعلمه جميعًا عن جيل الصحابة.

وابن حجر -رحمه الله تعالى- يحكم على هذا الحديث بقوله: روى البزار في مسنده بسند رجاله موثقون من حديث سعيد بن المسيب عن جابر رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله اختار أصحابي على الثقلين سوى النبيين والمرسلين)).

وعند الترمذي وأحمد: ((اللهَ اللهَ في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا، فَمَن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى اللهَ تعالى، ومن آذى اللهَ يوشك أن يأخذَه)) رواه الترمذي في “كتاب المناقب” باب: “فضل مَن بايع تحت الشجرة”، ورواه الإمام أحمد في (المسند).

كانت هذه بعض الأدلة على عدالة الصحابة من القرآن والسنة المطهرة.

ولذلك بعد أن ساق الخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى- هذه الأدلة على عدالة الصحابة رضي الله عنهم قال: والأخبار في هذا المعنى تتسع، وكلها مطابقة لِمَا ورد في نص القرآن، وجميع ذلك يقتضي طهارة الصحابة، والقطعَ على تعديلهم ونزاهتهم، فلا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله تعالى له المطلع على بواطنهم إلى تعديل أحد من الخلق له، فما على هذا الصفة ثبتت له العدالة -كلامه معناه- إلا أن يثبت على أحد ارتكاب ما لا يُحتمل، فيُحكم بسقوط العدالة، وقد برأهم الله من ذلك، ورفع أقدارهم عنده، على أنه لو لم يرد من الله عز وجل ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه، لأوجبت الحالُ التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد، والنصرة، وبذل المُهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين، لأوجبت الحال القطع على عدالتهم، والاعتقاد بنزاهتهم، وأنهم أفضلُ من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيئون بعدهم أبد الآبدين، هذا مذهب كافة العلماء، ومَن يُعتد بقوله من الفقهاء”. انتهى النقل عن الخطيب البغدادي.

خلاصته: أن العدالة لا تسقط عن أحد إلا مَن ارتكب ما يوجب إسقاط العدالة، وقد برأ الله الصحابة رضي الله عنهم من ذلك، ورفع أقدارهم عنده.

ويقول الخطيب البغدادي: وذهبت طائفة من أهل البدع إلى أن حال الصحابة كانت مرضيةً إلى وقت الحروب التي ظهرت بينهم، وسفك بعضهم دماء بعض، فصار أهل تلك الحروب ساقطي العدالة، ولما اختلطوا بأهل النَّزَاهة وجب البحث عن أمور الرواة منهم، وليس في أهل الدين والمتحققين بالعلم مَن يصرف إليهم خبرًا ما… إلى آخره، يعني: يريد أن يقول: إنه يتوقف في قبول مَن سفكوا دماء بعضهم إلى آخره، وكما نرى -الخطيب البغدادي- وسمهم بأنهم من أهل البدع: “وذهبت طائفة من أهل البدع”.

وقال أبو زرعة الرازي رحمه الله تعالى: “إذا رأيت الرجلَ ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله، فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا؛ ليبطلوا الكتاب والسنةَ، والجرح بهم أولى وهم زنادقة”.

كلمة أبي زرعة -رحمه الله تعالى- هذه تستحق أن تكتب بماء الذهب، فهو يبين خطورة الانتقاص من الصحابة رضي الله عنهم والهدف من هذا الانتقاص، يقول: “إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا -أيًّا كان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق”، هذا حكم من أبي زرعة على الرجل الذي يتناول أحدًا من الصحابة رضي الله عنهم بالانتقاص أو بالسب، لماذا يا أبا زرعة، يقول: “ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق”. فهل ينازع أحد في ذلك؟ والقرآن حق. من الذي أدى إلينا القرآن؟ ومن الذي نقل لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم السنن والقرآن معًا؟ إنهم الصحابة رضي الله عنهم.

إن أحدًا من هذه الأمة لم يشرف بالتلقي عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا برؤيته بعد جيل الصحابة بدءًا بجيل التابعين، وإلى يومنا هذا بل إلى يوم أن يرث الله الأرضَ ومن عليها.

كل مستندنا في التلقي عن النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو عن طريق الصحابة رضي الله عنه فهم شهودنا على هذا الدين، وهم نقلته إلينا، والذين ينتقصون الصحابة إنما ينتقصون شهودنا، يريدون أن يبطلوا هذا الدين، ذلك أن إثبات الحق هو عن طريق الشهود حتى في الدعاوَى بين الناس، يعني: لو تمثلت كلام أبي زرعة هذا الفهم العظيم لموقف الصحابة بقضية ما مرفوعة أمام القضاء، فلان يدعي على رجل كذا من دماء أو أعراض أو مال، إلى آخره، وله شهود أمام القاضي يشهدون على ذلك، لو أن المحامي الذي يدافع عن المدعى عليه نجَحَ في تشكيك القضاة في هؤلاء الشهود، لبطلت الدعوة من أساسها ولسقطت؛ لأنها تعتمد على شهادة الشهود، فالمدعى عليه لم يقر، وليس هناك من طريقٍ لإثبات هذه الدعوة إلا هؤلاء الشهود، نفس القضية على المستوى الأخطر والأهم بالنسبة للصحابة، نحن لم نلتقِ بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم نسمع منه.

فأي واحد من الأمة بعد جيل الصحابة بدءًا من التابعين، لم يسمع القرآنَ من النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يسمع الحديث عنه صلى الله عليه وسلم ولم يشاهد الوقائع، ولم يحضر الغزواتِ، كل ذلك بلغنا عن طريق الصحابة الذين نقلوه لنا، لو شككوا في الصحابة، وسلمنا لهم، لبطل الدين كله، ولبطَلَ القرآن والسنة، وهذا هو هدف الهجوم على الصحابة.

والصحابة لا يحتاجون إلى دفاعنا، ولا يحتاجون إلى تزكيتنا، فقد دافع الله عنهم وأثنى عليهم، ودافع عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومدحهم.

إنما نحن ندافع عنهم من منطلق دفاعنا عن ديننا، فالصحابة هم الدين! باعتبار أنهم نقلته، باعتبار أنهم شهودنا على هذا الدين، من أين تلقينا القرآن والسنة؟ من الصحابة، أي حديث يرويه فلان عن فلان إلى الصحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقرآن جاءنا بالتواتر؛ إذ تلقاه جيل الصحابة بقراءاته المتعددة، ونقلوه إلى التابعين، ونقله التابعون إلى من بعدهم من الأجيال، وهكذا.

ولولا الصحابةُ لا عرفنا لا قرآنًا ولا سنةً، لم نعرف أي شيء من أمور ديننا، لا فقهًا ولا حديثًا ولا صلاةً ولا صومًا، فهم نقلته لنا وهم شهوده الذين رأوه ثم نقلوه بعد ذلك إلى أجيال الأمة من بعدهم.

ولذلك أبو زرعة كلمته تثبت هذه القيمة، وهي أنه يفهم أن الصحابة أصحاب أدوار خطيرة في صيانة الدين، وأن الهجوم عليهم إنما هو هجوم على هذا الدين.

إذًا نخلص من كل ذلك إلى أن الصحابة كلهم عدول ثقات بتعديل الله -تبارك وتعالى- لهم، وذكرنا الأدلةَ على هذا من القرآن الكريم، ومن السنة المطهرة.

بقي أن نشير إلى الخلاف الذي نشأ، وهو أمر نذكره ولا نهرب منه.

ولكن لا يكون هذا هو هدفنا من الكلام عنهم، بمعنى أنه ليس في تاريخ الصحابة إلا الخلاف والتقاتل.

ألم تحدث الفتوحات؟ ألم يحدث حفظ القرآن؟ ألم يحدث الحفاظ على السنة؟ ألم يحدث أن هدانا الله للإسلام على أيديهم؟

في مواطن كثيرة ضربت مثالًا بأهل مصر لو لم يصدر الفاروق رضي الله عنه أمره إلى الجيش بأن يتوجه إلى مصر، ولو لم يكن عمرو بن العاص على رأس هذا الجيش ولم يأت الجيش، ماذا سيكون حال المصريين من الإسلام؟

إن الذي يدرك قيمة نعمة الإسلام يدرك قدرَ الصحابة ومنزلةَ الصحابة، ووالله الذي لا إله إلا هو، أي مدرك لقيمة نعمة الإسلام يدرك فضلَ عمرو بن العاص عليهم من أهل مصر مثلًا، هدانا الله للإسلام على يديه، وتعاقبت الأجيال من أيامها إلى يوم القيامة على الإسلام، وكان القائد الفاتح هو عمرو بن العاص رضي الله عنه وجزاه الله خيرًا، وجزَى الفاروقَ، وجزى كل جندي معهم حين توجهوا إلى مصر ليفتحوها، وليهتدي أهلها إلى الإسلام بفضل الله تعالى، ثم بفضل هذا الجيل، وقس على ذلك بقية أهل البلاد المفتوحة.

فالصحابة تاريخهم ناصعٌ عظيمٌ، كله خير وبركة.

ودع عنك ما وقع من خلافات، ومن ترهات يثيرها بعض الذين تمتلئ قلوبهم حقدًا عليهم من المبتدعة الذين يجادلون في ذلك، وينفون العدالةَ عن بعضهم، بل معظمهم؛ اتباعًا للهوى، وانقيادًا للشيطان؛ لأن الله قد شهد لهم.

وأشد خطرًا من ذلك ما يتجرأ به البعض في زمننا هذا، حينما يتحدثون عن الصحابة رضي الله عنهم بأسلوب غير لائق، وينصب نفسه حكمًا فيما شجر بينهم من خلاف، ويقبل رواية هذا ويرد رواية ذلك، وهو لا يملك سببًا واحدًا من أسباب ذلك كله، ولا يملك دليلًا على شيء من هذا، إنما هو الهوى الذي يتحكم فيه- يحكمه في أناس مدحهم الله ومدحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فمن الذي يستطيع أن يحكم على أناس باعوا أنفسَهم لله رب العالمين؟ وتجردوا من أهوائهم؟ لدرجة أن الواحد منهم يقتل أباه أو أخاه أو ابنه في سبيل نصرة الإسلام وعزة المسلمين.

هذه العدالةُ التي نثبتها لهم لم نعطها هبةً لهم من عند أنفسنا ولا هديةً نتفضل بها عليهم، نحن أقل من ذلك، بالإضافة إلى أننا لا نملك هذا أصلًا، إنما هي العدالة الثابتة لهم بنص القرآن الكريم، وبنص أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أيضًا أحذر من الجرأة في الكلام عن الذي شجر بينهم، وننبه إلى أن في تاريخ الصحابة صفحاتٍ بيضاء مشرقة، تستحق أن نقف عندها إذ علمونا أشياء كثيرة جدًّا في الأمور السياسية، في علاقة الحاكم بالمحكوم، في دور الحاكم، في حفظ القرآن، في دور السنة، علمونا منهجَ الإسلام في كل صغيرة وكبيرة من شئون حياتنا.

error: النص محمي !!