Top
Image Alt

الإسناد لغةً واصطلاحًا، والعَلاقة بين المعني اللغوي والاصطلاحي، وأهميته

  /  الإسناد لغةً واصطلاحًا، والعَلاقة بين المعني اللغوي والاصطلاحي، وأهميته

الإسناد لغةً واصطلاحًا، والعَلاقة بين المعني اللغوي والاصطلاحي، وأهميته

الرجال الذين نقلوا لنا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يسميهم العلماء: إسناد الحديث، ويسمونهم: طريق الحديث، ويسمونهم: سند الحديث، ويسمونهم: رجال الحديث، وأحيانًا يقولون: رُوي الحديث من هذا الوجه.

السند في اللغة وفي الاصطلاح, أهميته، ومتى بدأ الاهتمام به:

السند في اللغة: قال ابن فارس -رحمه الله- في (معجم مقاييس اللغة): سند: السين والنون والدال أصل واحد يدل على انضمام الشيء إلى الشيء، يقال: سندت إلى الشيء أسند سنودًا، واستندت استنادًا، ودلالة هذا الكلام أنك إذا ضممت شيئًا إلى شيء أصبح كل منهما سندًا للآخر، واستند كل منهما للآخر.

ونقول: فلان سند، أي: معتمد، يعني: أنت استندت إلى فلان، أي: اعتمدت عليه، إلى أن قال ابن فارس رحمه الله: والإسناد في الحديث: أن يُسند إلى قائله.

وفي (لسان العرب) لابن منظور رحمه الله: “السند: ما ارتفع من الأرض في قُبُل الجبل أو الوادي، والجمع: أسنادٌ- أي: السند يجمع على أسناد-، ولا يكسر على غير ذلك-، أي: ليس له جمع تكسير غير هذا الجمع-، وكل شيء أسندت إليه شيئًا، فهو مسند، ونقول: فلان سند، أي: معتمد أيضًا، والمسند من الحديث: ما اتصل إسناده حتى يسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

وعليه إذا قلتُ: أسندتُ الحديث إلى قائله، أي: رفعتُه ونسبته إليه.

والإسناد في الاصطلاح: رفع الحديث إلى قائله.

العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي:

إذا قلنا: إن السند هو ما ارتفع وعلا عن سفح الجبل، فلماذا سمي الرجال الذين ينقلون لنا كلام الرسول صلى الله عليه وسلم بالسند؟

والجواب: لأن المسند يرفع الكلام إلى قائله مثل السند الذي ارتفع عن سفح الجبل، إذ سمي المكان المرتفع عن سفح الجبل بالسند، وحين أسند الراوي الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم سمي “مسنِدًا” باسم الفاعل.  ويتوسع المحدِّثون فيجعلون السند والإسناد شيئًا واحدًا، أي: الذين أضافوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

ونسميهم: طريق الحديث؛ لأنهم الطريق الذي نعبره وصولًا إلى متن النبي صلى الله عليه وسلم تشبيهًا لهم بالطريق التي نعبره إلى أي مكان آخر إلى الغاية التي نريدها.

وقد يقولون عنهم: رجال الحديث؛ لأن الإسناد هذا، أو السند، أو الطريق عبارة عن رجال ليس طريقًا بالمعنى الحقيقي، إنما هم رجال كل واحد منهم نقل عن شيخه إلى أن وصل الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد يقولون: وجه الحديث، لكن بعض المحدِّثين يرون أن وجه الحديث أخص؛ لأن كلمة الوجه تطلق أحيانًا على بعض رجال السند، وليس على كل رجال السند، فمثلًا عند الترمذي وغيره يقولون: لم يرد هذا الحديث إلا من هذا الوجه، أي: إلا من طريق هذا الراوي وحده، فلم يقصدوا الإسناد كله، وإنما قصدوا بعض الرواة في الإسناد.

الضرورات المؤكدة على أهمية السند:

هناك ضرورات ثلاث اجتمعت على تأكيد أهمية السند -أي: الرجال الذين نقلوا الحديث- والاهتمام بأحوالهم، ومعرفة تفاصيلهم حتى نقبل منهم أو لا نقبل وهي:

الضرورة الشرعية: عندنا أدلة شرعية كثيرة أوجبت علينا أن نتأكد من أحوال الرواة، مثلًا قول الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] الآية توضح أن خبر الفاسق لا يقبل، فعلينا أن نتثبَّت في خبر الفاسق، ولا نتخذ موقفًا بناء عليه؛ لأن سبب الآية -كما يقول المفسرون- أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أحد الصحابة يجمع الصدقات من بعض القبائل، فخرجوا للقائه، فظنهم يريدون قتله، وكادت أن تقوم حرب بناء على خبر لم يتأكدوا من صحته.

وكذلك: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} [الطلاق: 2]، والإخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم نوعٌ من الشهادة، فهي رواية تختلف عن الشهادة في بعض الأمور، لكنها تتضمن في طياتها نوعًا من الشهادة، فإن الذي يخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم كأنه يشهد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال هذا الكلام، بحيث تأكد لديه بالأدلة العلمية أن هذا الكلام صحيح في نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

وهناك أدلة كثيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوقف في قبول الخبر؛ لأن هناك أحكامًا شرعية تنبني عليه، مثلًا في الصلاة: صلَّى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة الرباعية ركعتين فقط، فقام ذو اليدين فسأل النبي صلى الله عليه وسلم في أدب شديد واحترام جم: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ وعندها قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أصَدَقَ ذو اليدين؟)) لم يكن هذا تشكيكًا في هذا الصحابي الجليل، فالمعلوم أن الصحابة كلهم عدول ثقات، لكن يريد النبي صلى الله عليه وسلم أن يستوثق من صحة الخبر؛ لأن ذلك سينبني عليه حكم شرعي، فلما أخبره الصحابة أن ذا اليدين صادق، أتم النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة وسجد للسهو.

إذًا عندنا أدلة شرعية كثيرة من القرآن والسنة -أشرنا إلى بعضها- تدل على ضرورة الاهتمام بأحوال المخبِر، ولذلك سميناها: الضرورة الشرعية.

ومن الضرورة الشرعية أيضًا أن المنقول لنا دِين, فحين يقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا دين يجب اتباعه، فالشرع يحتم علينا أن نتأكد، وأن نستوثق: مَنْ قائل هذا الخبر؟ ومن مُضيفه للنبي صلى الله عليه وسلم؟

الضرورة العقلية:

العقل يحتم الاهتمام بأحوال الرواة، فلو أن إنسان قَبِل خبر المجنون لكان مجنونًا مثله، فأي عقل سديد يحتم أنني إذا جاءني خبر لا بد أن أستوثق من هذا المُخبِر، وهل هو صادق أم لا؟ قبل أن أتخذ موقفًا، قبل أن أبني مواقف على هذا الخبر قد تكون ضارة، وقد تكون نافعة، وهناك أمور كثيرة تتوقف على الإخبار، فلا بد من التفكير السديد، ومن العقل الرشيد الذي يحتم الاستيثاق من أحوال الرواة الذين نقلوا لنا هذه الأخبار.

الضرورة الواقعية:

يعنى أن مواقف كثيرة تنبني على الإخبار، فلو أن فلانًا مثلًا أخبرني أن فلانًا سبني، قد أتخذ موقفًا ضده، مثلًا قد أرفع أمره للحاكم، هذا موقف انبنى على خبر، فواقع تصرفات الناس تنبني على أخبار تأتيهم، وعلاقاتهم كلها في محيطها الضيق وفي محيطها الواسع، وفي محيطها اللصيق القريب، وفي محيطها البعيد- كلها تتوقف تقريبًا على الأخبار.

إذًا الواقع يحتم أن نهتم قبل نأخذ الموقف الذي قد لا نتمكن من الاعتذار عنه، وقد تنبني عليه نتائج خطيرة؛ فقد تشتعل حروب، وتنقطع علاقات، وأمور خطيرة جدًّا تنبني على الأخبار، فلذلك تعد الأخبار والاهتمام بها وبقائليها على وجه الخصوص من الضرورات الشرعية والعقلية والواقعية، ويشتد الأمر خطورة إذا كان الخبر المنقول منسوبًا للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه -كما قلنا في هذه الحالة- سيصبح دينًا علينا أن نتبعه، ومخالفه يأثم، وقد يكون مآله إلى النار، والعياذ بالله، وقد يعاقبه الحاكم بما يستحق من عقوبة التعزير.

لذلك اهتم علماء الحديث جدًّا برجال الحديث اهتماما كبيرًا عظيمًا.

error: النص محمي !!