Top
Image Alt

الشرط الرابع: أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه

  /  الشرط الرابع: أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه

الشرط الرابع: أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه

والحق أن العلماء لم يتفقوا بالنسبة لهذا الشرط؛ وإنما اختلفوا فيه على قولين:

القول الأول: أنه يشترط أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه؛ فإذا قلت: جاء القوم إلَّّّّّّّّا رجلًا؛ صح الاستثناء، لكن لو قلت: جاء القوم إلَّّّّّا حمارًا؛ لم يصح الاستثناء؛ لأن الحمار لم يدخل في القوم، وكذا لا يصح أن يقول: له عندي مائة درهم إلَّّا دينارًا، وهذا قول بعض الشافعية، واختاره الإمام الغزالي، والصحيح من الروايتين عن الإمام أحمد رضي الله عنه واختيار أكثر الحنابلة؛ وهو قول القاضي أبي يعلى، وابن تيمية، والفتوحي، وغيرهم، ونسبه الآمدي -رحمه الله- إلى الأكثرين.

وقد استدل أصحاب هذا القول بأربعة أدلة:

الدليل الأول: أن الاستثناء: إخراج بعض ما يتناوله المستثنى منه؛ بدليل أنه مشتق من قولهم: ثنيت فلان عن رأيه، وثنيت عنان دابتي، أي: رددته؛ فيجب أن يكون الاستثناء رد بعض ما يتناوله اللفظ، وقيل: إنه مشتق من تثنية الخبر بعد الخبر عن الشيء؛ فكأن الكلام خبر عنه، والاستثناء خبر عنه أيضًا؛ فيجب أن يتناول ما يتناوله الأول.

الدليل الثاني: أن الاستثناء: إخراج ما لولاه لدخل في اللفظ؛ فلم يصح أن يكون من غير الجنس كالتخصيص؛ فإنه لا يخرج من العموم ما لم يتناوله العموم.

الدليل الثالث: أن لفظة “إلَّّّا” لا تصح للابتداء، ولا تنفرد بنفسها؛ وإنما ترِد متعلقة بما قبلها؛ فإذا أُدخلت على غير الجنس لم تتعلق بالمستثنى منه؛ فصارت مبتدئة؛ فلم تصح.

الدليل الرابع: أن أهل اللسان يستقبحون أن يقول الإنسان: جاءني الناس إلَّّّا الحمير، ورأيت بعض الناس إلَّّّا الكلاب؛ فدل ذلك على عدم جواز الاستثناء من غير الجنس.

هذه أدلة القول الأول؛ الذي يقول: إنه لا يصح الاستثناء من غير الجنس.

هناك قول آخر: بأنه يصح الاستثناء من غير الجنس، وهذا القول نسبه الإمام الآمدي -رحمه الله- إلى أصحاب الإمام أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، والقاضي أبي بكر الباقلاني، وجماعة من المتكلمين والنحاة، كما نسبه ابن قدامة -رحمه الله- إلى بعض الشافعية، ونسبه أيضًا إلى مالك، وأبي حنيفة، وبعض المتكلمين، والظاهر أن المشهور عن الإمام أبي حنيفة -رحمه الله- هو صحة الاستثناء من غير الجنس في مكيل، أو موزون من أحدهما فقط، وقد نص على ذلك الغزالي، وابن اللحام -رحمهما الله.

وقد استدل أصحاب هذا القول بعدة أدلة من القرآن الكريم، والشِّعر، والنَّثر، والمعقول:

1- استدلوا من القرآن الكريم بقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } [النساء: 29]؛ ففي هذه الآية استثنى الله سبحانه وتعالى التجارة، ومعلوم أن التجارة ليست من جنس المال؛ لأن المال: هو الأعيان، والتجارة: هي: التصرف في تلك الأعيان؛ فكأنه استثنى التصرف من الأعيان، وهذا استثناء من غير الجنس؛ ولذلك دلت هذه الآية على جواز الاستثناء من غير الجنس.

2- أيضًا قول الله تعالى: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً } [النساء: 92]؛ فالخطأ مستثنى من القتل، ومعلوم أن الخطأ ليس من جنس القتل، وقال تعالى في كتابه الكريم أيضًا: { لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا } [مريم: 62]، فهنا استثنى الله سبحانه وتعالى السلام من اللغو، ومعلوم أن اللغو: هو الكلام الساقط الذي لا عبرة به، وهو الكلام التافه، وهو الكلام الذي لا فائدة منه؛ فالسلام ليس من جنس اللغو، ومع ذلك فقد استثنى الله سبحانه وتعالى السلام من اللغو.

3- أيضًا استدلوا بقوله تعالى: { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ } [طه: 116]؛ فالآية هنا استثنت إبليس من الملائكة؛ مع أنه –كما هومعلوم أنه، أي: إبليس- ليس من جنس الملائكة؛ بل إن إبليس -كما أخبر القرآن الكريم-: { كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ } [الكهف: 50]؛ فاستثنت الآية إبليس من الملائكة مع أنه ليس من جنسهم؛ وهذا يدل على جواز الاستثناء من غير الجنس.

4- أيضًا استدلوا بقوله تعالى: { وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى } [الليل: 19، 20]، فهنا في هذه الآية استثنى الله سبحانه وتعالى ابتغاء وجهه الأعلى من النعمة، ومعلوم أن { إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى}، ليس من جنس النعمة؛ ومع ذلك تم الاستثناء.

5- أيضًا استدلوا بقوله تعالى: { آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا} [آل عمران: 41]؛ فاستثنى الرمز من الكلام، ومعلوم أن الرمز ليس من جنس الكلام؛ بل إنما الرمز إشارة أو ما شابه.

6- أيضًا استدلوا بقوله تعالى: { أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 75- 77]، فاستثنى الباريسبحانه وتعالى من جملة ما كانوا يعبدون من الأصنام وغيرها، والباري سبحانه وتعالى، ليس من جنس شيء من المخلوقات.

أيضًا استدلوا بقوله سبحانه وتعالى: { وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ } [يس: 43، 44]، فاستثنت الآية الرحمة من نفي الصريخ والإنقاذ، وليس من جنسه.

7- أيضًا استدلوا بقوله تعالى: {قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} [هود: 43].

هذه هي الآيات التي استدلوا بها من القرآن الكريم، وهي تدل في نظرهم على صحة الاستثناء من غير الجنس.

وقد أجاب أصحاب القول الأول جملة عن الاستدلال بهذه الآية: بأن كلمة { إِلَّا }، في ذلك كله بمعنى: لكن؛ وعليه فليس فيها ما يؤيد دعواكم، وقالوا بالنسبة لآية: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً}: { إِلَّا } هنا بمعنى “لكن” -كما تقدم- أو يقال: إن المعنى: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلَّا إذا أخطأ فغلب على ظنه أنه ليس من المؤمنين؛ إما بأن يختلط بالكفار فيظن الرجل أنه منهم، أو بأن يراه من بعيد فيظنه صيدًا أو حجرًا.

وأما قوله تعالى: { فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلَّا إِبْلِيسَ } [الحجر: 30، 31]، فيلاحظ أن { إِلَّا } هنا بمعنى “لكن” أيضًا، وقد ذكر القاضي أبو يعلى: أن إبليس كان من الملائكة، وقال: قال أبو إسحاق إبراهيم بن شقلة: سمعت الشيخ عبد العزيز بن جعفر المعروف بغلام الخلال -وقد سئل عن إبليس: أمن الملائكة؟- فقال: أمر الله بالسجود الملائكة؛ فلولا أن إبليس كان منهم ما كان مأمورًا، وهذا الكلام غير سديد من الناحية العلمية، ومخالف للقرآن الكريم؛ لأن الله تعالى يقول: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ } [الكهف: 50].

أيضًا استدلوا من الشعر بقول الشاعر:

وبلدة ليس بها أنيس

*إلَّا اليعافير وإلَّا العيس

فالعيس هنا مستثناة من الأنيس، وليست من جنسه.

أيضًا استدلوا بقول النابغة الذبياني:

وقفتُ فيها أصيلانًا أسائلها
إلا أواني لأيًا ما أبينها
*أعيت جوابًا وما بالربع من أحد

إلَّا أواني لأيًا ما أبينها

*والنأي كالحوض بالمظلومة الجلد

فاستثنى الشاعر “الأواني” من “أحد”، والمستثنى ليس من جنس المستثنى منه؛ فتم لنا ما نقول.

أيضًا قال الشاعر:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم

*بهن فلول من قراع الكتاب

ففلول السيوف ليست عيبًا لأربابها؛ وإنما هي فخر لهم، وقد استثناها من العيوب وليست من جنسها.

– وأجاب الجمهور عن البيت الأول: بأن الاستثناء فيه ليس من غير الجنس؛ لأن اليعافير والعيس من جنس الأنيس، وإن لم تكن من جنس الإنس؛ بل قد يحصل الإنس بالآثار، والأبنية، والأشجار، فضلًا عن الحيوان.  

– وأجابوا عن البيت الثاني بقولهم: إن “إلَّا” فيه بمعنى “لكن”؛ وعليه فليست استثنائية.

وأجابوا عن البيت الثالث: بأن فلول السيف عيب في السيوف، وإن كان بسبب فلولها فخر ومدحة لأربابها وأصحابها. هذه هي أدلة القول الثاني من الكتاب واللغة، وقد أمكن الجواب عليها؛ وبذلك يتضح لنا أن القول الأول هو القول الراجح؛ لأن الكل متفق على صحة الاستثناء من الجنس، وأن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول؛ لقوة ما استدلوا به وسلامته عن المعارض.

error: النص محمي !!