Top
Image Alt

اللقب عند الأصوليين

  /  اللقب عند الأصوليين

اللقب عند الأصوليين

أولًا: مفهوم اللقب:

معنى مفهوم اللقب: لا يعني الأصوليون باللقب، خصوص اللقب عند النحويين؛ الذي هو ما أشعر بمدح مسماه أو ذمه، وإنما يعنون به: الاسم الذي يعبر عن الذات؛ تمييزًا لها عن غيرها، مما يجعله شاملًا لاسم الشخص، وهو ما يسمّى العلم، وأسماء الأجناس والأنواع، واسم الجمع، وما في معنى ذلك؛ كاللقب النحوي والكنية، وعلى هذا عرفوه بأنه: دلالة تعليق الحكم بالاسم الجامد على نفي الحكم عن غيره.

يقول الإمام الزركشي -رحمه الله-: “مفهوم اللقب، وهو تعليق الحكم بالاسم العلم نحو: قام زيد، أو اسم النوع نحو: في الغنم الزكاة، فلا يدل على نفي الحكم عمّا عداه، وقد نصّ عليه الشافعي، كما في: (البرهان) لإمام الحرمين، وقال الأستاذ أبو إسحاق: “لم يختلف قول الشافعي وأصحابه فيه، وخالف فيه أبو بكر الدقاق، وبه اشتهر، وزعم ابن الرفعة وغيره أنه لم يقل به من الشافعية غيره، وليس كذلك، فقد قال سليم في: (التقريب): “صار إليه الدقاق وغيره من أصحابنا”، ورأيت في كتاب “ابن فورك”، حكايته عن بعض أصحابنا، ثم قال: “وهو الأصح”، وقال “إلكيا الطبري” في: (التلويح): “إن أبا بكر “ابن فورك”، كان يميل إليه، ويقول: “إنه الأظهر والأقيس”، وحكاه السهيلي في: (نتائج الفكر)، عن أبي بكر الصيرفي، ولعله تحرّف عليه بالدقاق، ونقله عبد العزيز في: (التحقيق)، عن أبي حامد المروزي، والمعروف عن أبي حامد المروزي، إنكار القول بالمفهوم مطلقًا.

وقال إمام الحرمين في أوائل المفهوم في: (البرهان): “ما صار إليه الدقاق صار إليه طوائف من أصحابنا”، ونقله أبو الخطاب الحنبلي في كتابه: (التمهيد)، عن منصوص الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه قال: “وبه قال الإمام مالك، وداود، وبعض الشافعية”، وقال المازري: “أشير إلى مالك القول به؛ لاستدلاله في المدوّنة على عدم إجزاء الأضحية إذا ذبحت ليلًا؛ بقوله تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج: 28]، قال: فذكر الأيام ولم يذكر الليالي”، ونقل القول به عن ابن خويز، منداد، والباجي، وابن الكسار، وحكى ابن برهان في الوجيز قولًا ثالثًا عن بعض الشافعية، وهو الفرق بين أسماء الأنواع، فيدل على نفيه عمّا عداه، نحو: في السود من النعم الزكاة، وبين أسماء الأشخاص، إلّا أن مدلول أسماء الأنواع أكثر، وهما في الدلالة متساويان، وحكى ابن حمدان، وأبو يعلى من الحنابلة قولًا رابعًا، وهو الفرق بين أن تدل القرينة، فيكون حجة؛ كقوله: ((جعلت لي الأرض مسجدًا وتربتها طهورا))، إذ قرينة الامتنان تقتضي الحصر فيه.   

قال إمام الحرمين: وقد سفّه الأصوليون، الدقاق ومن قال بمقالته، وقالوا: هذا خروج عن حكم اللسان، فإن من قال: رأيت زيدًا، لم يقتض أنه لم ير غيره قطعًا؛ ولإجماع العلماء على جواز التعليل والقياس، فهو يقتضي أن تخصيص الربا بالاسم، لا يدل على نفيه عمّا عداه، ولو قلنا به؛ بطل القياس.

قال إمام الحرمين: “وعندي أنّ المبالغة في الرد عليه سرف؛ لأنه لا يظن بعاقل التخصيص بالذكر من غير غرض”، ثم اختار إمام الحرمين أن التخصيص بالاسم يتضمّن غرضًا مبهمًا، ولا يتعين انتفاء غير المذكور، ثم قال: “وأنا أقول وراء ذلك، لا يجوز أن يكون من غرض المتكلّم في التخصيص نفي ماعدا المسمّى، فإن الإنسان لا يقول: رأيت زيدًا، وهو يريد الإشعار بأنه لم ير غيره، فإن هو أراد ذلك، قال: إنما رأيت زيدًا، وما رأيت إلًا زيدًا”، وحاصله أن التخصيص باللقب يتضمّن غرضًا مبهمًا، ولا يتضمّن انتفاء الحكم في المسكوت، والدقاق يقول: “يتضمّن غرضًا معينًا”، واختار الغزالي في : (المنخول)، أنّه حجة مع قرائن الأحوال، قال: “ولهذا رددنا على “ابن الماجشون”، في تعليله تخصيص الأربعة في الربا بالذكر؛ حيث علّل الربا بالمالية العامة، إن قلنا: لم تكن الأشياء الأربعة غالب ما يعامل به، وكان الحجاز مصب التجار في الأعصار الخالية، فلو ارتبط الحكم بالمالية لكان التنصيص عليها أسهل من التخصيص، كما في العارية: على اليد ما أخذت حتى تؤديه، فكان هذا مأخوذًا من قرائن الأحوال مع التخصيص باللقب”.

مما سبق نستطيع أن نقول: إنّ العلماء قد اختلفوا في مفهوم اللقب، فيجب علينا أن نبين آراء العلماء وأدلتهم، فقد استفدنا مما سبق أنه ذهب الجمهور من الأصوليين إلى أن اللقب لا مفهوم له، وأن تعليق الحكم بالاسم بأنواعه المختلفة، ليس من شأنه الدلالة على نفي الحكم عن غيره، فقول القائل: قام زيد، لا يدل على أن غيره لم يقم، والأمر بشيء لا يدل على أن غير ذلك الشيء ليس بمأمور به، وخالف في ذلك الدقاق، وقال بمفهوم اللقب، وأن تعليق الحكم بالاسم يدل على نفيه عن غيره، ويلحق به عند ابن السبكي، والصرفي، وابن خويز منداد من المالكية، ونقله أبو الخطاب الحنبلي، في: (التمهيد)، عن منصوص الإمام أحمد، قال: “وبه قال مالك، وداود، وبعض الشافعية”.

وأيضًا قد ذكر ابن برهان عن بعض الشافعية، القول بالفرق بين أسماء الأنواع، وأسماء الأشخاص، فتخصيص اسم النوع بذكر؛ يدل على انتفاء الحكم عن غيره؛ لأنه ينزّل منزلة التخصيص في الصفة، نحو: في السود من النعم الزكاة، وقال ابن برهان: “وهذا غير صحيح، فإن أسماء الأنواع نازلة منزلة الأشخاص، غير أن مدلول أسماء الأنواع أكثر من مدلول أسماء الأشخاص، وهما في الدلالة متساويان”.

وحكى ابن حمدان، وأبو يعلى من الحنابلة قولًا رابعًا، وهو الفرق بين أن تدل قرينة فيكون حجة، كقوله صلى الله عليه وسلم: ((جعلت لي الأرض مسجدًا، وتربتها طهورًا))؛ إذ قرينة الامتنان تقتضي الحصر فيه، وقد استدلّ الجمهور -النافون لمفهوم اللقب، الرافضون الاعتداد به- على مذهبهم بما يأتي:

أولًا: أن تقييد الحكم باللقب، لو كان دليلًا على نفي الحكم عمّا عداه؛ لكان قول القائل: محمد رسول الله كفر؛ لأنه حينئذ يدل بمفهومه على أن عيسى، وموسى، وإبراهيمل، وغيرهم؛ ليسوا برسل، وهو كفر صريح، ولم يقل بذلك قائل، فكان ذلك دليلًا على عدم العمل بمفهوم اللقب وهو المدّعى.

ونوقش هذا الدليل: بأن المتكلم بذلك لا يكون كافرًا إلَّا في حالة واحدة فقط، وهي ما إذا كان منتبهًا لدلالة اللفظ وقاصدًا للمفهوم، أما إذا لم يكن منتبهًا، أو كان منتبهًا ولكنه لم يقصد المفهوم، فلا يلزمه الكفر، وأجيب عن ذلك: بأنه حينئذ يلزم التعارض، وهو خلاف الأصل.

استدلوا ثانيًا: بأن تعليق الحكم بالاسم، لو كان دالًّا على نفي الحكم عمّا عداه؛ لأدّى ذلك إلى بطلان القياس، وبيان ذلك أن تحريم الربا مثلًا في البر -الذي ورد في الحديث- يدل على إباحته في كل ما عداه من المطعومات إذا أخدنا بمفهوم اللقب، وإذا كان الأمر كذلك فإننا لا نملك قياس الأُرز مثلًا على البُر؛ لأن قياسنا هذا يكون قياسًا مع وجود الدليل؛ لأنّ مفهوم اللقب قد أباح التفاضل في كل ما عدا البر وغيره من الأصناف الواردة في الحديث.

ونوقش هذا الدليل: بأن المفهوم يدل على الإباحة، فيما عدا البر، والقياس إنما يدل على التحريم فيما شارك البر في المعنى؛ كالأرز والحمص، دون من لم يشاركه من الرصاص والنحاس وغيرهما، فغاية ما يفعل القياس أن يخصّص المفهوم، ولا بدعة في تخصيص المفهوم بالقياس؛ لأنه إذا كان تخصيص عموم المنطوق بالقياس جائزًا، فتخصيص عموم المفهوم به أولى.

استدلوا بأن قولنا: زيد أكل، لو دل على أن غيره لم يأكل، لدل عليه إما بلفظه أو بمعناه، ودلالته عليه بلفظه باطلة؛ لأنه ليس في اللفظ ذكر غير زيد، فكيف يدل على حكم على غير زيد، ودلالته عليه بمعناه باطلة أيضًا؛ لأن الإنسان قد يعلم أن زيدًا، وعمرًا يشتركان في فعل، ويكون له غرض في الإخبار عن أحدهما دون الآخر؛ ولهذا أُخبِر عن أكل من له غرض في الإخبار عن أكله، فلا يدل ذلك على سلب الحكم عن الآخر.

واستدل أصحاب المذهب الثاني القائلون بمفهوم اللقب، وأنّ تعليق الحكم بالاسم يدل على نفيه عن غيره، استدلوا على ذلك بما يأتي:

أولًا: أنّ التخصيص بالاسم لا بد له من فائدة، وليست هناك فائدة إلَّا نفي الحكم عن غيره، وأجيب عن هذا الدليل من قِبَل الجمهور بأنّ هذا الدليل مبنيّ على حصر الفائدة في نفي الحكم عن غير الاسم المذكور، وهذا غير مسلّم، فهناك فائدة أخرى، وهي صحة الإسناد؛ حيث إنّ الاسم قد وقع ركنًا في الإسناد، فلا يصح الكلام ولا يستقيم المعنى بدونه.

استدلوا ثانيًا: بأنّ من تشاجر مع شخص، وقال له مثلًا: أما أنا فليس لي أم، ولا أخت، ولا امرأة زانية، فإنه يتبادر إلى الفهم نسبة الزنا إلى أم خصمه، وأخته، وزوجته؛ ولهذا قال أصحاب أحمد بن حنبل ومالك رضي الله عنهم: يجب الحد على القائل إذا كانت عفيفة، ولولا أنّ تعليق الحكم يدل على نفيه عما عداه؛ لما تبادر إلى الفهم ذلك.

وأجيب عن هذا الدليل: بأنّ ذلك إن فُهِمَ منه، فإنه يفهم من قرينة حاله، وهو الخصام الذي هو مظنّة الأذى والتقبيح، لا من دلالة مقاله؛ ولهذا لم يكن حد القذف عندنا واجبًا بذلك، ولهذا لو قال ذلك لصديقه؛ لما فهم ذلك منه.

بعد الاستدلال إلى الفريقين يتضح لنا رجحان مذهب الجمهور, الذين يرون أن اللقب لا مفهوم له, وأن تعليق الحكم بالاسم لا يدل على نفيه عمّا عداه؛ لأن القائل به كلًّا أو بعضًا -كما يقول الإمام الشوكاني- لم يأت بحجة لغوية ولا شرعية ولا عقلية, ومعلوم من لسان العرب، أنّ من قال رأيت زيدًا، لم يقتض أنه لم ير غيره قطعًا، وأما إذا دلت القرينة على العمل به، فذلك ليس إلَّا للقرينة، فهو خارج عن محل النزاع، وقد نقل ابن السبكي في: (الإبهاج)، عن الأستاذ أبي إسحاق، أن شيخه الدقاق هذا ادّعى في بعض مجالس النظر في بغداد صحة ما قاله في مفهوم اللقب، فألزم وجوب الصلاة، فإن الله تعالى أوجب الصلاة، فإنه دليل يدل على نفي وجوب الزكاة والصوم وغيرهما، قال: فبان له غلطه وتوقف فيه، وهذا يرجح مذهب الجمهور، أن اللقب لا مفهوم له، وأن مذهب الدقاق فاسد؛ لأنه يلزم منه سد الباب عن الإخبار عن المعان، وإنما خالف مفهوم اللقب سائر المفهومات؛ لأن سائر المفهومات تشعر بالعلية، وعدم العلة، علة لعدم المعلول، فلذلك كانت سائر المفاهيم حجّة دون مفهوم اللقب.

يقول الإمام الزركشي -رحمه الله-: وها هنا أمور مهمة، أحد هذه الأمور أنّ الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني قال في كتابه: (شرح الترتيب): “إنّ أبا عبد الله البصري، ألزم الدقاق ذلك في مجلس النظر فالتزمه”، وقال: “وكنا نكلمه في هذا في الدرس، فألزمناه إذا قال له: صم، يجب أن يدل على منع الصلاة وغيرها، وإذا قال له: صلِّ، يجب أن يمتنع من الصوم والزكاة والحج وغيرها من العبادات، فقال: كذلك أقول، فقلنا: إذا قال لواحد من جملة القوم: يا زيد تعال، ينبغي أن لا يجوز للباقين أن يأتوه، قال: كذلك أقول، فقلنا: إذا وصلنا إلى هذا سقط الكلام.

قال الأستاذ: “وهذا الذي ركَّبه خلاف الإجماع، وليس مما يتخالج؛ لقبوله في القلوب وجه عند العقلاء البتة، قال: ولو تصور دليل الخطاب لم يصل إلى ذلك”، ثم ذكر أن صورته أن يذكر الشيء بلفظه العام مقيدًا بأحد أوصافه، نحو: اقتل أهل الكتاب اليهود منهم، قال: وكان الدقاق إذا جرى له كلام في مثله يذكره في مجلس الدرس ويعيده، ويتحجّج له وينصره، ورأيناه كأنّه استحى من هذا القول الذي ركَّبه في دليل الخطاب، فلم نره عاد إليه، أو تكلم به في كتاب، وهذا يدل على رجوع الدقاق عن هذا الرأي أو توقفه فيه، وليس ما ألزم به الدقاق بعجيب؛ لأنه يقول: “أقول بذلك ما لم يقم دليل النطق بخلافه”.

الأمر الثاني: من الأمور المهمة، إطلاق أنّ مفهوم اللقب ليس بحجة مطلقًا، قد استشكل، فإن الشافعية قد قالوا به في مواضع، واحتجوا به؛ كاحتجاجهم في تعيين الماء في إزالة النجاسة، بحديث: ((حُتِّيهِ ثُمَّ اقْرُصِيهِ بِالْمَاءِ))، وعلى تعيين التراب بالتيمم، بقوله صلى الله عليه وسلم: ((وتربتها طهورًا))، والحق أن ذلك ليس من اللقب، بل من قاعدة أخرى، وهي أنه متى انتقل من الاسم العام إلى الخاص أفاد المخالفة، فلمّا ترك الاسم العام، وهو الأرض إلى الخاص، وهو التراب، جعل دليلًا، وأما في الماء؛ فلأن امتثال المأمور لا يحصل إلَّا بالمعين.

قال في: (شرح الإلمام): “الأمر إذا تعلق بشيء بعينه، لا يقع الامتثال إلَّا بذلك الشيء؛ لأنه قبل فعله لم يأت بما أمر به، فلا يخرج عن العهدة، وسواء كان الذي تناوله الأمر صفة أو لقبًا عندنا؛ لما ذكرناه من توقف الامتثال عليه”.

وكان بعض الشافعية قد اعترض في مسألة تعيين الماء في النجاسة بقوله صلى الله عليه وسلم: ((اغسليه بالماء))، بأنه حكم عُلّق بلقب، ومفهوم اللقب ليس بحجة، فلو قال: متعلق الأمر لا بد له منه؛ لضرورة الامتثال، ولا نظر هنا لكونه لقبًا أو صفة، وإنما يفرق بينهما في محل الحكم، وهو الدم مثلًا، فلا يقال: إنه يدل على أن غير الدم يجوز غسله بغير الماء؛ عملًا بالمفهوم؛ لأن الدم لقب لا يدل على انتفاء الحكم عمّا عداه.

وقال الشريف المرتضى في: (الذريعة): “احتجوا على أن غير الماء لا يطهّر بقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48]، فنقول: الحكم غير الماء، وهو متعلق بالاسم لا بالصفة، ويمكن أن يكون من استدل بهذا، إنما عوّل على أن الاسم يجري فيها مجرى الصفة؛ لأن مطلق الاسم الماء، يخالف اتصافه، فأجري مجرى كون الإبل سائمة أو عاملة، والتحقيق أن يقال: إنه ليس بحجة؛ إذ لم يوجد فيه رائحة التعليل، فإن وجد كان حجة، وقد أشار إلى ذلك الإمام ابن دقيق العيد -رحمه الله- فقال في قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد، فلا يمنعها))، يحتج به على أنّ الزوج يمنع امرأته من الخروج إلَّا بإذنه؛ لأجل تخصيص النهي بالخروج للمساجد، فيقتضي بمفهومه جواز المنع في غير المساجد، ولا يقال إنه مفهوم لقب؛ لأن التعليل هنا موجود، وهو أن المسجد فيه معنًى مناسب، وهو محل العبادة، فلا يمنع من التعبّد، فلا يكون ذلك من مفهوم اللقب.                    

يقول الزركشي: “ولهذا ينفصل الجواب عن استدلالهم بالحديثين السابقين؛ فإن في اختصاص إزالة النجاسة بالماء والتيمم بالتراب معنًى لا يوجد في غيرهما”.

وقال الأبياري: “ظنّ قوم أن المنفي مأخوذ من المفهوم، وهو غلط، فإذا قال لوكيله: بع غانمًا، لا يتمكن من بيع سالم؛ لا لأجل النص على بيع غانم، ولكنه لا يبيع إلّا بإذن، والحجر سابق والإذن قاصر، فيبقى الحجر على ما كان عليه في غير محل الاسم”.

وقال الشافعية: لو قال لوكيله: بع هذا من زيد، تعين عليه بيعه منه، فلا يبيعه من غيره؛ لأنه قد يكون للموكّل غرض في تخصيصه؛ لكون ماله أقرب إلى الحل ونحوه؛ ففيه رائحة التعليل؛ فلهذا قلنا به؛ ولهذا قال الماوردي: “لو مات ذلك الشخص المعين؛ بطلت الوكالة، بخلاف ما لو امتنع من الشراء، فإنه يجوز أن يرغب بعد ذلك”، ولو أوصى بأن تباع العين الفلانية من زيد، فإن كانت محاباة صح وتعينت؛ لأنه قربة، وإن لم تكن محاباة فوجهان، أصحهما المنع؛ لأنه لا قربة حينئذ.

أيضًا لو قالت المرأة للأولياء غير المجبرين: رضيتُ بأن أزوَّج من فلان، فالصحيح أنه يكتفى به، ولكل منهم تزويجها منه، فلو عينت بعد ذلك واحدًا، فهل ينعزل الآخرون؟ وجهان عند الشافعية، الصحيح عدم الانعزال.

قال الرافعي: “وبناه بعضهم على أنّ المفهوم هل هو حجة أولا”.

ولو قال اليهودي: عيسى رسول الله، حُكِم بإسلامه، ذكره الرافعي في كتاب: (الردة)، قال: “لأنّ المسلم لو جحد نبوته كفر، وحكاه الإمام في كتاب: (الكفارات عن المحققين)، قال الرافعي: “والمشهور عند الجمهور خلافه، وفي هذا نفي القول بمفهوم اللقب. 

الأمر الثالث من الأمور المهمة التي ذكرها الإمام الزركشي: قال ابن الحاجب، في تعليقه على: (المستصفى): “ينبغي تحقق المراد باللقب، وليس المراد به: المرتجل فقط، بل المرتجل، والمنقول من الصفات”، وقد جعل الغزالي من هذا النوع: ((لا تبيع الطعام بالطعام))؛ لأن الطعام لقب لجنسه وإن كان مشتقًّا مما يطعم؛ إذ لا يدرك فرق بين قوله: ((في الغنم زكاة، وفي الماشية زكاة))، وإن كانت الماشية مشتقّة، وما ذكره الإمام الغزالي، من إلحاق الاسم المشتق الدال على الجنس باللقب؛ تبعه عليه الإمام الآمدي، كما قلنا؛ لأن الصفة فيه ليست مخيلة؛ إذ الطعام لا يناسب حكم الربا، لكن قال القاضي أبو الطيب: “يلحق بالصفة الصريحة وجهًا واحدًا؛ لأن المشتق يتضمن صفة، وجزم به سُلَيم في: (التقريب)، وجعل الإمام الآمدي، اسم الجنس، والعلم، من باب مفهوم اللقب، قال: “لتخصيص الربويّات الستة بتحريم التفاضل، وقولنا: زيد عالمٌ”.

وقال القرافي: قال التبريزي: “اللقب كالأعلام” وألحق بها أسماء الأجناس، قال: “وغيره أطلق في الجميع”؛ كأنه يشير للإمام الآمدي.

قال الإمام ابن السمعاني: “وأما تعليق الحكم بالاسم فضربان:

أحدهما: مشتق من معنًى، كالمسلم، والكافر، والزاني، والقاتل، فحكمه حكم الصفة في قول جمهور أصحاب الشافعية، وقال بعضهم: ينظر في الاسم المشتق، فإن كان لمعنًَى اشتقاقه تأثير في الحكم؛ استعمل دليل خطابه، وإن لم يكن له تأثير في الحكم؛ لم يستعمل دليل خطابه، فإنّ ما لا يؤثّر في الحكم، لا يكون علة في الحكم. 

والثاني: اسم لقب غير مشتق من معنى؛ كالرجل والمرأة ونحوه، فمذهب الشافعي: أنه غير حجة، وخالف فيه الدقاق، قال: ويلتحق باللقب تعليق الحكم بالأعيان؛ كقوله: في هذا المال الزكاة، وعلى هذا الرجل الحج؛ فدليل خطابه غير مستعمل، ولا يدل وجوب الزكاة في ذلك المال على تركها في غيره، وهذا عندنا كتعليق الحكم بالاسم”، هذا هو ما قيل في مفهوم اللقب.

error: النص محمي !!