Top
Image Alt

تعريف الصحبة والصحابي: لغةً واصطلاحًا، وشروط تحقق الصحبة

  /  تعريف الصحبة والصحابي: لغةً واصطلاحًا، وشروط تحقق الصحبة

تعريف الصحبة والصحابي: لغةً واصطلاحًا، وشروط تحقق الصحبة

الصحابي لغةً: مشتق من الصحبة، وماضيها: صَحِبَ، وهي تطلق على القدر القليل والكثير من الصحبة، وليس على قدر خاص منها، يعني: تطلق على الساعة واليوم والأسبوع والشهر والسنة، وعن العمر تقول: صحبت فلانًا دهرًا، وصحبته شهرًا، وصحبته سنةً، وصحبته يومًا، وصحبته ساعةً، وصحبته سفرًا.

يقول الخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى- في (الكفاية في علم الرواية): “لا خلافَ بين أهل اللغة في أن نقول: صحابي مشتق من الصحبة، وأنه ليس بمشتق من قدر مخصوص منها، بل هو جار على كل مَن صحب غيره قليلًا كان أو كثيرًا”، كذلك يقال: صحب فلانٌ فلانًا حولًا ودهرًا وسنة، وشهرًا ويومًا وساعة، فيقع اسم المصاحبة بقليل منها وكثير”.

إذًا اللغة تبيح إطلاق الصحبة على كل من صحب غيره قليلًا كان أو كثيرًا.

لكن العلماء اختلفوا في القدر المطلوب بالنسبة للصحبة فبعضهم اشترط كثرةَ الرواية، وبعضهم اشترط طولَ الملازمة، وآخرون اعتبروا الصحبة بالاشتراك في الغزوات وغيرها، يعني: بعضهم اشترط طول الصحبة، وبعضهم اكتفى بقدر قليل منها مع بيان أن اللغة تعين على إثبات الصحبة لكل من صحب غيره قليلًا كان أو كثيرًا.

وينقل الخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى- عن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- وذكر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بدر، فقال: “ثم أفضل الناس بعد هؤلاء أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم القرن الذي بُعِثَ فيه، كل من صحبه سنةً أو شهرًا أو يومًا أو ساعةً، أو رآه، فهو من أصحابه، له من الصحبة على قدر ما صحبه، وكانت سابقته معه، سمع منه أو نظر إليه”.

فينقل عن الإمام أحمد أن الصحبةَ تثبت لكل مَن تشرف بلقاء النبي صلى الله عليه وسلم مهما كان الزمن الذي التقَى فيه معه قليلًا، وصحبته ومنزلته من الصحبة على قدر الوقت الذي تشرف فيه بمصاحبة النبي صلى الله عليه وسلم.

وينقل الخطيب أيضًا بسنده إلى البخاري -رحمه الله- قوله: “ومَن صحِبَ النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه”.

وينقل الخطيب -بعدما ذكر هذه الأقوال- بعضَ أقوال أهل العلم التي تقول: إنهم لا يستعملون هذه التسمية إلا فيمن كثرت صحبته، واتصل لقاؤه، ولا ينزلون ذلك على من لقي المرء ساعة ومشي معه خطًى، وسمع منه حديثًا، فوجب لذلك أن لا يجري هذا الاسم في عُرف الاستعمال إلا على مَن هذه حاله. ومع هذا فإن خبر الثقة الأمين عنه مقبول ومعمولٌ به، وإن لَمْ تطل صحبته ولا سمع منه إلا حديثًا واحدًا.

لكن أقوال أهل العلم تدل على أن الصحبة تثبت لكل مَن تشرف برؤية النبي صلى الله عليه وسلم.

الخلاصة: أن دلالةَ اللغة تعين على إثبات الصحبة لكل من صحب غيره زمنًا كثيرًا كان أو يسيرًا، وجمهور الأمة على أن الصحبة تثبت بهذا المعنى على مَن تشرف بلقاء النبي صلى الله عليه وسلم وسمع منه ولو كان الزمن يسيرًا، ولا يشترط مثلًا طول الصحبة، ولا يشترط كثرة الرواية، ولا تشترط المساهمة في الغزوات… إلى آخره، كما اشترطها البعض.

تعريف الصحابي كما عرفه العلماء:

يقول الإمام ابن حجر -رحمه الله- في مقدمة (الإصابة): “وأصح ما وقفت عليه من ذلك في تعريف الصحابي، أن الصحابي من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به، ومات على الإسلام”، فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته له أو قصرت، ومَن روى عنه أو لم يروِ، ومن غزَا معه أو لم يغز، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى.

شرح تعريف ابن حجر رحمه الله تعالى:

هذا التعريف تضمن ثلاثة شروط للصحابي:

الشرط الأول: أن يكون قد لقي النبي صلى الله عليه وسلم ويدخل في اللقي مَن يُمنع ويراه، ومن وُجِدَ عنده عارض منعه من الرؤية المباشرة مثل الأعمى مثلًا؛ كعبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه، لكنه في حكم مَن رآه، إلا أن هذا العارض هو الذي حبسه عن ذلك، وهو عارض خارج عن إرادته وعن قدرته.

الشرط الثاني: أن يؤمن به وقتَ هذه الرؤية، بأن يراه وهو مؤمن، يعني: يكون الصحابي مؤمنًا؛ لأن كثيرًا من الناس رأوه وهم كفار وماتوا على كفرهم، كأبي جهل، وأبي طالب، وأبي لهب رآه، والوليد بن المغيرة، وعتبة وشيبة ابني ربيعة، وغيرهم كثير ممن سمعنا عنهم وقرأنا عنهم، واشتركوا في الغزوات ضد المسلمين، وقُتلوا في حروبهم وهم يحاربون المسلمين، كلهم رأوه لكنهم لم يؤمنوا به. إذًا لا تثبت لهم الصحبة.

يقول ابن حجر رحمه الله تعالى: وقولنا: “مؤمنًا به” يخرج من لقيه مؤمنًا بغيره كمن لقيه من مؤمني أهل الكتاب قبل البعثة، يعني: إذا صدقت قصة “بحيرا الراهب” أو اليهود الذين كانوا يقابلونه… إلى آخره. يقول: “وهل يدخل فيه- أي في الصحبة- من لقيه منهم وآمَن بأنه سيبعث أو لا يدخل؟ يقول: محل احتمال، ومن هؤلاء “بحيرا الراهب” ونظراؤه، يعني: محل احتمال أن تثبت الصحبة أو لا تثبت”، لكن على التعريف الذي ذكر أن يكون مؤمنًا به، هؤلاء آمنوا بأنه سيبعث، لكنه لم يكن قد بعث بعد، ومن ثم لم يثبت أنهم آمنوا به بعد بعثته.

وهناك من اليهود من كانوا يعرفونه كما سجل القرآن عنهم أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم لكن فريقًا منهم كتموا الحق وهم يعلمون أنه من عند الله، كتموا نبوته ولم يؤمنوا به، بل حاربوه، وقاتلوه، وكانوا في منتهى الشراسة في قتاله صلى الله عليه وسلم مع أنهم كانوا يعلمون صدقَه، وأنه النبي الذي ثبتت صفته عندهم في كتبهم التي يعتمدون عليها.

إذًا لا يدخل في الصحبة هؤلاء الذين لم يثبت أنهم آمنوا به فعلًا وإن كانوا آمنوا بأنه سُيبعث، لكنهم عند بعثته إما أنهم لم يؤمنوا أو كانوا قد ماتوا، أو حاربوه.

أيضًا من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به، يقول ابن حجر: “يدخل فيه كل مكلف من الجن والإنس”، فحينئذٍ يتعين ذكر مَن حفظ ذكره من الجن الذين آمنوا به بالشرط المذكور.

وقد أنكر بعض العلماء على من ذكر بعض الجن في الصحابة، مع أننا نعلم جميعًا أن النبي صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى الجن والإنس، وأن القرآن الكريم قد حدثنا عن الجن: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} [الجن: 1، 2] إلى آخر ما قالوه، مما سجله الله في مطلع سورة الجن.

وسجل في سورة الأحقاف أيضًا: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِين * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيم * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ} [الأحقاف: 29-31] إلى آخر ما ذكر.

فهؤلاء من المؤمنين، ومن الصحابة الذين رأوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم والتقوا به، وعندنا أحاديث في الصحيحين في التقاء النبي صلى الله عليه وسلم بالجن وقراءته القرآن عليهم، إلى آخر ما أثبتته الأدلة.  إذًا القول الأقرب إلى الصواب: أن مؤمني الجن الذين آمنوا به في عصره صلى الله عليه وسلم والتقوا به وسمعوا منه القرآن ورأوه- هم من الصحابة أيضا رضي الله تعالى عن الجميع، وذكر ذلك ابن حزم في (المحلى) في كتاب (الأقضية)، وذكر ذلك غيره من العلماء، وذكره ابن حجر -كما ذكرنا- ومعظم علماء الأمة على أنهم من الصحابة.

أما الملائكة ففيهم نقاش طويل، والنقاش مبني على قضية مهمة، وهي هل كان النبي صلى الله عليه وسلم مبعوثًا إليهم أم لا؟

وقد نقل الإمام فخر الرازي في تفسيره الإجماعَ على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن مرسلًا إلى الملائكة، ونقل ابن حجر في مقدمة (الإصابة) أن الشيخ تقي الدين السبكي رجَّحَ أنه كان مرسلًا إليهم، واحتج بأشياءَ يطول شرحها.

فالمسألة خلافية، والخلاف فيها ليس خطيرًا، وهي ليست من المسائل الاعتقادية التي علينا أن نعتقد فيها اعتقادًا معينًا.

الشرط الثالث: أن يموت على الإسلام.

هناك أناس توفر فيهم الشرطان السابقان؛ توفر فيهم الإيمان به صلى الله عليه وسلم، وتوفر فيهم رؤيته له، لكنهم لم يموتوا على الإسلام -والعياذ بالله- فقد ارتدوا وماتوا على ردتهم، وهم عدد قليل.

من هؤلاء: عبيد الله بن جحش الذي كان زوج أم المؤمنين أم حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله عنها وكان قد أسلم معها، وهاجر معها إلى الحبشة، وتنصر هناك ومات على نصرانيته، والعياذ بالله.

 وعبد الله بن خطل الذي قُتِلَ وهو متعلق بأستار الكعبة. وربيعة بن أمية بن خلف، هؤلاء ارتدوا عن الإسلام وماتوا على رِدتهم، والعياذ بالله.

وهل مَن عاد إلى الإسلام بعد ردته يدخل في الصحبة؟

والجواب: أن معظم العلماء على دخوله في الصحبة؛ لماذا؟

لأنه قد توفرت فيه الشروط الثلاثة، وهي لقياه صلى الله عليه وسلم ورؤيته، هذا أولًا، ولأنه آمن به ثانيًا، ولأنه مات على الإسلام بصرف النظر عن الردة التي حدثت بين الأمرين؛ فما دام قد عاد إلى الإسلام ثبتت له الصحبة، حتى لو كانت هذه العودة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

ويذكرون على هذا مثالًا، وهو الأشعثُ بن قيس؛ لأنه ارتد وعاد إلى الإسلام في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، يعني: لم يعد إلى الإسلام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وعلماء الأمة استقروا على ذلك، وخرّجوا أحاديثه في الصحاح والمسانيد مع علمهم بما وقع منه، ولكن ذلك مبني -كما قلنا- على الأصح المختار عند العلماء الكبار من الأمة مثل: البخاري، وأحمد بن حنبل، والكثير من علماء الأمة.

وهناك بعض الأقوال الشاذة لمن يشترطون طول المجالسة، أو يشترطون روايات كثيرة، أو أن يكون قد غزا معه صلى الله عليه وسلم، أو استشهد بين يديه، أو من اشترط بلوغَ الحلم في الصحبة.

فكل ذلك على خلاف رأي الجمهور الذين عرفوا الصحابي بالتعريف المذكور، وهو أن يكون قد لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به، ومات على الإيمان.

وهناك نقاش فيمن رأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير، أي: كان صغيرًا حين رآهُ النبي صلى الله عليه وسلم، يقول ابن حجر في ذلك: نعم يصدق أن النبي صلى الله عليه وسلم رآهُ فيكون صحابيًّا من هذه الحيثية، أي: من حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي رآهُ، أما من حيث الرواية يكون تابعيًّا، يعني: إذا حددنا طبقات الرواة، فالصحابي هو الذي يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذاك الصغير الذي تشرف برؤية النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير، أو رآه النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير، فقد كان من عادة الصحابة رضي الله عنهم أن يأتوا بمواليدهم الصغار الرضع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليحنكهم، ويدعو لهم بالبركة، فبهذا المعيار وهو أنهم تشرفوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم مسهم، أو دعا لهم، أو رأوه، وهم على قدر من السن الصغير فقد ثبتت لهم الصحبة، لكن من حيث الرواية هم في طبقة التابعين؛ لأنه لا يوجد لهم سماع، ولا رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.  هذه هي أهم الأقوال في تعريف الصحابي.

error: النص محمي !!