Top
Image Alt

شبهات حول عدالة الصحابة من السنة، والرد عليها

  /  شبهات حول عدالة الصحابة من السنة، والرد عليها

شبهات حول عدالة الصحابة من السنة، والرد عليها

روى الإمام مسلم في كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: ((أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة، منصرفه من حنين، وفي ثوب بلال أموال من فضة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض منها يعطي الناس، فقال: اعدل، يا محمد. قال: ويلك ومَن يعدل إذا لم أكن أعدل، لقد خِبت وخسرتَ إن لم أكن أعدل، فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق، فقال: معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية)).

والاستشكال الذي في هذا الحديث، والذي يظن البعض منهم أنه قادح في عدالة الصحابة أنه قال: ((أني أقتل أصحابي)).

ونقول: انظروا أولًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتواضعه وعظمة شأنه، وحسن خلقه صلى الله عليه وسلم حين قال: ((ويلك، ومن يعدل إذا لم أكن أعدل)) فلم يغضب.

وفيه درس لكل الظالمين أن يتنبهوا، وأن يعملوا على إقامة العدل، فكل من لم يعدل وهو على مسئولية لا بد أن يعدل فيها فقد خاب وخسر، والعياذ بالله.

وقد حكم عمر بن الخطاب على الرجل أولًا بأنه منافق.

وهل نستطيع أن نقول: إنه قد نافق؟

والجواب: أن هذا محتمل، لكن ينبغي أن نتنبه إلى هذا الأمر وهو الحكم بالنفاق، ونعني به: النفاق العقدي المخرج من الملة، فهذا أمر لا يملكه واحد من الأمة، هذا لا يثبت إلا بالوحي؛ لأن هذا أمر عقدي، وأمر قلبي أيضًا.

فمَن الذي اطلع على قلب الرجل، وقال: إنه قد أظهر الإسلام وأبطن الكفر، فإما أن نحمل كلمة عمر على أنه قد ارتكب سلوك المنافقين، بمعنى أنه تجرأ على النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعرف قدره ولم يخاطبه بما يليق به، فيكون نفاقًا عمليًّا، ويستحق أن يعاقب بالقتل ليس لأنه خرج من الملة، وإنما لاجترائه على الرسول صلى الله عليه وسلم.

هذا وجه في فهم كلمة عمر رضي الله عنه ومع ذلك لم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، قائًلا: ((معاذ الله! أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي)).

يقولون: ما إطلاق الصحبة عليه إن كان قد نافق فعلًا؟ بمعنى أنه خرج من الملة؟

والجواب: أن هذا أمر لا نستطيع أن نقطع به إلا من خلال بقية الحديث، من خلال إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وهو ما سنذكره.

لكن التعبير بالصحبة في هذه الحالة هو التعبير بالصحبة اللغوية التي تعني الملازمة والمصاحبة لا أكثر من هذا.

فإذا فهمنا أن الرجل خرج من الإسلام فهذه الصحبة اللغوية، وإذا لم يكن قد خرج من الإسلام فهو صاحب غير أنه أخطأ، ونحن قلنا مرارًا لعله من الأعراب الجفاة، الذين لم يكونوا يستطيعون أن يتحكموا في أنفسهم، فيخاطبون النبي صلى الله عليه وسلم بشيء من الجفوة، وهذا قد ورد النهي عنه في القرآن الكريم: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُون}  [الحجرات: 4].

ولم يقل عنهم: إنهم من المنافقين، غير أنه يؤدبهم وينهاهم ويعلمهم ألا يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان المقصود النفاق المخرج من الملة فقد خرج من الصحابة، فلا يقومن الدليل أبدًا على أن مِن الصحابة مَن نافق، كما يزعم البعض.

قد نستدل ببقية الحديث على أنه ربما خرج من الملة، وهي قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن هذا وأصحابه يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية)).

((يمرقون منه)) الضمير في ((منه)) يعود على القرآن، أي: لا يفهمون القرآن، يقرءونه لكنه لا يجاوز حناجرهم، ومن ثم لا يطبقونه أيضًا بفهم صحيح، أو خرجوا من الإسلام.

الحديث ليس مشكلًا أبدًا، فلم يسجل أبدًا أن أحدًا من الصحابة قد نافق، وبالتالي سقطت عدالته، إنما الأمر إذا كان قد خرج من الإسلام وأصبح منافقًا فقد خرج من الملة، وليس من الصحابة.

ولعل الرجل راجع نفسه ورجع إلى الصواب، وهذا ليس ببعيد فقد حدث من عمر نفسه أنه قال لرسول الله – وهذا عند البخاري: “إني أحبك أكثر من كل شيء إلا من نفسي”. مع أن المطلوب في درجة الحب للنبي صلى الله عليه وسلم أن نحبه أكثر من أنفسنا، من كل شيء من أولادنا ومن آبائنا، وأمهاتنا، ومن أموالنا وأهلينا، ومن كل غال ونفيس حتى من نفوسنا التي بين جنوبنا، لكن الفاروق كأنه لم ينتبه إلى هذا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يا عمر)) كأنك لم تفهم قدري، أو لم تعرف قدر الحب أو درجة الحب التي تجب لي.

فأعاد الفاروق الأمر لنصابه، فقال: ((يا رسول الله، إني أحبك أكثر من كل شيء حتى من نفسي، فقال: الآن يا عمر))، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: الآن عرفت قدري ومنزلتي، وعرفتَ ما يجب لي من الحب الذي ينبغي أن يتجاوز كل الأحباب، وأن يعلو عليهم جميعًا من البشر وغير البشر، إلا أن يكون الله تبارك وتعالى.

ويستدل بعضهم بقول أُسيد بن حضير رضي الله عنه لسعد بن عبادة، وهذا حديث أيضًا صحيح: “إنك منافق تجادل عن المنافقين”، ويقولون: فهؤلاء البدريون منهم من قال لآخر: إنك منافق، ولم يُكَفِّر النبي صلى الله عليه وسلم لا هذا ولا ذاك.

وهذا الموقف قد حدث في قصة الإفك، والنبي صلى الله عليه وسلم صعد على المنبر، وقال: ((يا معشر المسلمين، مَن يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي)). فقام سعد بن معاذ الأنصاري، فقال: “أنا أعذرك منه يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك”.

قالت عائشة رضي الله عنها: “فقام سعد بن عبادة -وهو سيد الخزرج- وكان رجلًا صالحًا ولكن احتملته الحمية، فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضير -وهو ابن عم سعد بن معاذ- فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين”.

هذا الكلام واضح جدًّا فيه أن الموقف قد احتدم بينهم، لأنه موقف خطير، إذ هو اتهام لأطهر البيوت وأشرفها جرى على لسان المنافقين في المدينة، فارتفع النقاش وبلغت الحَمية مداها، فهذا قول وقع من أسيد على سبيل المبالغة لا يقصده أبدًا، ونحن نعلم كما قلنا: إن الاتهام بالنفاق إنما هو اطلاع على أمر قلبي، وكل الصحابة يدركون ذلك جيدًا، وإنما أراد أسيد أن يغضب لغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ونحن مرارًا وتكرارًا لم نقل: إن العدالة تعني أنهم معصومون من الذنوب أو من السهو أو من الخطأ، وأهل بدر وغيرهم قد حصلوا على وعد من الله بالمغفرة.

فإذا فهم البعض العدالة بأنها العصمة وأنهم لا يخطئون؛ فعلام تقع مغفرة الله لهم!

انظروا إلى فهم أئمة الحديث، فيرى ابن حجر أن المغفرة واقعة لهم في الآخرة، وإذا ارتكب أحدهم ما يوجب الحد في الدنيا فإنه يقام عليه.

والصحابة في نهاية الأمر كلهم عدولٌ ثقاتٌ، وقد توقفنا عند بعض الشبهات التي أثارها البعض ورددنا عليها، ونرجو أن يكون الرد موفقًا مجليًا لهذه الشبهات، مبينًا أنها أبدًا لا تنقص قدر الصحابة، ولا تطعن في عدالتهم.

وبعد، فإن الصحابة هم خير أجيال هذه الأمة، والعقيدة التي علينا أن ندين الله تعالى بها أن نعتقد أنهم أخيار ثقات عدول، وأنهم خير أجيال هذه الأمة بنص الأحاديث، وأنه لا يجوز سبهم ولا الاجتراء عليهم، ولا إسقاط عدالتهم، وأن نمسك عما شجر بينهم.

وأن نعتقد أنهم قد أخطأوا، وهذا الخطأ في بعض المواقف كان نتيجة اجتهاد خاطئ أو حمية، أو ما شاكل ذلك، لكن قدرهم وعدالتهم ومكانتهم تعود إليهم بمجرد أن ينتهي الموقف، فَهُم الذين حملوا الإسلام إلى العالمين، وهم الذين حفظوا القرآن، وهم الذين حفظوا السنة، فجزاهم الله -تبارك وتعالى- عن الإسلام وأهله خيرًا.

error: النص محمي !!