Top
Image Alt

شروط الاستثناء

  /  شروط الاستثناء

شروط الاستثناء

وقد شرطوا في الاستثناء شروطًا:

1- أن يكون المستثنى متصلًا بالمستثنى منه لفظًا:

فيشترط لصحة الاستثناء، الاتصال بالمستثنى منه لفظًا؛ بأن يعد الكلام واحدًا غير منقطع نحو: له علي عشرة إلَّا درهمًا، أو حكمًا؛ بأن يكون انفصاله وتأخيره على وجه، لا يدل على أن المتكلم قد استوفى غرضه من الكلام، كالسكوت لانقطاع نفَس، أو بلع ريق؛ فإن انفصل لا على هذا الوجه؛ لغى الاستثناء.

ونقل عن ابن عباس رضي الله عنه أنه جوّز الاستثناء المنفصل، على نحو ما جوَّزه من تأخير التخصيص عن العموم، وكذلك تأخير البيان عن المجمل، ثم اختلف عنه؛ فقيل: يجوز الاستثناء إلى شهر، وقيل: إلى سنة، وقيل: أبدًا، ثم منهم من رد هذا الكلام وقال: لم يصح هذا عن ابن عباس رضي الله عنه كإمام الحرمين والغزالي، وذلك لما يلزم منه من ارتفاع الثقة بالعهود والمواثيق؛ لإمكان تراخي الاستثناء، ويلزم منه أيضًا: أن لا يصح يمين قط، ومنهم من أوَّلَه -كالقاضي أبو بكر الباقلاني- بما إذا نوى الاستثناء متصلًا بالكلام، ثم أظهر نيته بعد الكلام؛ فإنه يديّن، أي: يحكم به ديانةًَ لا قضاءً، ومن مذهبه أنَّ ما يدين فيه العبد يقبل ظاهرًا، وقيل: يجوز بشرط أن يقول عند قوله: إلَّا زيد، أريد الاستثناء، حكاه الغزالي، وقيل: أراد به استثناءات القرآن، فيجوز في كلام الله خاصة.

وقد قال بعض الفقهاء: إن التأخير فيه غير قادح، قال إمام الحرمين: وإنما حملهم خيال تخيلوه من قول المتكلمين الصائغين، إلى أن الكلام الأزلي واحد، وإنما التركيب في جهات الوصول إلى المخاطبين لا في كلام رب العالمين، وقال المقترِح: هو باطل؛ لأنهم إن أرادوا المعنى القائم بالنفس فلا يدخله الاستثناء، وكذلك المثبت في اللوح المحفوظ؛ لأنه إنما نزل بلغة العرب، والعرب لا تجوّز الاستثناء المنفصل، وقال الإمام القرافي: المنقول عن مذهب ابن عباس إنما هو في التعليق على مشيئة الله تعالى خاصة، كمن حلف وقال: إن شاء الله وليس هو في الإخراج بـ”إلَّا” وأخواتها، قال: ونقل العلماء أن مدركه في ذلك: { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } [الكهف: 23، 24]، قالوا: المعنى إذا نسيت قول: إن شاء الله؛ فقل بعد ذلك، ولم يخصِّص.

قلت: وفي (مستدرك الحاكم)، عن ابن عباس قال: إذا حلف الرجل علي يمين فله أن يستثني إلى سنة، وإنما نزلت هذه الآية: { وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ }، قال: إذا ذكر استثنى، وقال: صحيح على شرط الشيخين، لكن قال الحافظ أبو موسى المديني: لو صح هذا عنده لاحتمل رجوعه؛ إذ علم أن ذلك خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أسند ذلك من جهة ابن عباس، وقد ذكرت طرق هذا الحديث، عن ابن عباس في كتاب: (المعتبر من تخاريج أحاديث المنهاج والمختصر)، للإمام الزركشي.

يقول الزركشي: وحكى ابن النجار في: (تاريخ بغداد)، أن أبا إسحاق الشيرازي أراد الخروج مرة من بغداد فاجتاز في بعض الطرق؛ وإذا برجل على رأسه سلة فيها بقل، وهو يحمله على ثيابه وهو يقول لآخر معه: مذهب ابن عباس في الاستثناء غير صحيح؛ إذ لو كان صحيحًا لما قال تعالى لأيوب -عليه الصلاة والسلام-: { وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ }، بل كان يقول له: استثنِ، ولا حاجة إلى هذا التحايل في البر، قال: فقال أبو إسحاق: بلدة فيها رجل يحمل البقل، وهو يرد على ابن عباس، لا تستحق أن تخرج منها.

ومثله احتجاج بعضهم بقوله تعالى: { وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ } [المائدة: 89]، فلو جاز الاستثناء من غير شرط الاتصال لم يكن لشرع الكفارة وإيجابها معنى؛ لأنه كان يستثني، وقد حكي أن الرشيد استدعى أبا يوسف القاضي -رحمه الله- وقال له: كيف مذهب ابن عباس في الاستثناء؟ فقال له القاضي أبو يوسف: إن الاستثناء المنفصل يلحق بالخطاب، ويغير حكمه ولو بعد زمان، فقال: عزمت عليك أن تفتي به ولا تخالفه، وكان أبو يوسف لطيفًا فيما يورده متأنيًا فيما يريده، فقال له: رأي ابن عباس يفسد عليك بيعتك؛ لأن من حلف لك وبايعك رجع إلى منزله واستثنى، فانتبه الرشيد وقال: إياك أن تعرّف الناس مذهب ابن عباس، فاكتمه.

وقال ابن ظفر في: (الينبوع): إذا حققت هذه المسألة ضعف أمر الخلاف فيها، وتحقيقها: أنه لا يخلو الحالف التارك للاستثناء من أحد ثلاثة أمور:

– إما أن يكون نوى الجزم وترك الاستثناء، كما أظن الخلاف يقع في مثل ذلك.

– وإما يكون نوى أن يستثني ولم ينطق بالاستثناء، ثم ذكر وتلفظ به، فلا يحسن أن يعد استثناءً له.

– وإما أن يكون ذاهلًا عن الأمرين معًا، فهذه الصورة صالحة للاختلاف، ولا يظهر فيها قول من صحح الاستثناء؛ لأن الآية الكريمة لا تشهد له من حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحلف، ولا تضمنت الآية ذكر يمين. انتهى.

يقول الزركشي: واعلم أن سبب الخلاف في هذا المسألة أن الاستثناء، هل هو حال لليمين بعد انعقادها، أو مانع للانعقاد لا حال؟ فمن قال: مانع شرط الاتصال، واختلف القائلون بأنه حال، فقيل: بالقرب، وقيل: مطلقًا من غير تأقيت بالقرب، وفي الباب قوله صلى الله عليه وسلم: ((إلَّا الإذخر))، وحديث سليمان عليه الصلاة والسلام لما قال: ((لأطوفن…)) الحديث، وقوله عليه الصلاة والسلام في صلح الحديبية: ((إلَّا سهل بن بيضاء)).

وعلى ذلك فيتحصل لنا في شرط اتصال الاستثناء بالمستثنى منه: أن العلماء بالنسبة لهذا الشرط فريقان:

الفريق الأول: يرى أنه يشترط اتصال المستثنى بالمستثنى منه لفظًا، أو في حكم الاتصال لفظًا؛ فلا بأس بقطعه من المستثنى منه للتنفس أو السعال مثلًا؛ لأن العادة في مثل هذه جارية بألَّا يعد فاصلًا بين المستثنى والمستثنى منه؛ أما إذا كان الفصل بينهما بفاصل تقضي العادة معه أن الكلام الثاني غير مرتبط بالكلام الأول فلا يجوز، والاستثناء حينئذ يعتبر لغوًا ولا يثبت له حكم.

وهذا قول جمهور العلماء، وذكر الغزالي -رحمه الله-: أن أهل اللغة أجمعوا عليه.

وقال البيضاوي -رحمه الله- وهو يتحدث عن الاستثناء: شرطه الاتصال عادة بإجماع الأدباء عامة.

ونقل البزدوي -رحمه الله- إجماع الفقهاء عليه، وإليه ذهب الأئمة الأربعة، أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد }.  

وقال ابن الحاجب: شرط الاستثناء الاتصال لفظًا أو ما في حكمه، كقطعه لتنفس، أو سعال ونحوه.

وقد استدل الجمهور على وجوب اتصال المستثنى بالمستثنى منه بأربعة أدلة، وهي:

الدليل الأول: أن الله عز وجل أرشد سيدنا أيوب عليه الصلاة والسلام بقوله سبحانه وتعالى: { وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ}، كما سبق أن ذكرنا.

ووجه الدلالة من هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى جعل طريق برِّه في يمينه، أن يأخذ ضغثًا، وليضرب به زوجه؛ ولو جاز تأخير الاستثناء، لَما أرشده الله تعالى إلى ذلك.

الدليل الثاني: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من حلف على يمين، رأي غيرها خيرًا منها فليكفِّر عن يمينه، وليأتِ الذي هو خير)).

وجه الاستدلال: من هذا الحديث الشريف أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- أرشد إلى الكفارة، فيما لو كان المحلوف عليه خيرًا، بعد التأمل والتروي من الحالف؛ وذلك لأنه سيحنث في عدم البرِّ من اليمين، ولو كان التراخي في الاستثناء طريقًا مصرحًا به شرعًا، ومباحًا ديانة؛ لأرشد إليه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم؛ لحسن وفائه بالأمة، وحرصه على تحقيق الخير لهم والتيسير عليهم؛ فالاستثناء المتراخي أسهل على المؤمن الذي حنث في يمينه من الكفارة؛ لما يلزم من هذه الكفارة من مؤنة وكلفة؛ وحيث إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرشد الأمة إلى سوى الكفارة عند الحنث، وكان هذا من باب البيان؛ فدل هذا على أن هذا هو الأسلوب الوحيد الذي ينبغي أن يتبعه المؤمن عند الحنث في اليمين، وكان هذا الأسلوب شبيهًا بالحصر للاقتصار على بيانه في الحديث الشريف.       

الدليل الثالث: أنه لو جاز الفصل في الاستثناء، لما عُلم صدق صادق ولا كذب كاذب؛ لأنه من تكلم بكلام يكون به صادقًا قد يستثني، فيكون كاذبًا، ومن تكلم بكلام يكون به كاذبًا قد يستثني، فلا يكون كاذبًا، ولا حصل وثوق بيمين قط، ولا وعد ولا وعيد، ولا حصر الجزم بصحة عقد نكاح، وبيع، وإجارة، ولا لزوم معاملة أصلًا؛ لإمكان الاستثناء المنفصل ولو بعد حين، ولا يخفى ما في ذلك من التلاعب وإبطال التصرفات الشرعية، وهو محال، قال أبو الخطاب الحنبلي -رحمه الله- في كتابه: (التمهيد): “وفي اتفاق الناس على خلاف هذا؛ دليل على بطلانه”.

الدليل الرابع: أن أهل اللغة لا يعدُّون الفصل بين المستثنى والمستثنى منه كلامًا منتظمًا، ولا معدودًا من كلام العرب، ولهذا فإنه لو قال لفلان: عليَّ عشرة دراهم، ثم قال بعد شهر، أو سنة: إلَّا درهمًا، أو قال: رأيت بني تميم، ثم قال بعد شهر: إلَّا زيدًا، فإنه لا يعدُّ استثناءً ولا كلامًا صحيحًا عند أهل اللغة، كما لو قال: رأيت زيدًا، ثم قال بعد شهر: قائمًا، فإنهم لا يعدُّون بذلك مخبرًا عن زيد بشيء، وكذلك لو قال السيد لعبده: أكرم زيدًا، ثم قال بعد شهر: إن دخل داري، فإنهم لا يعدون ذلك شرطًا؛ وذلك لأن الاستثناء غير مستقل بنفسه، وهو كالخبر مع المبتدأ، والجزاء مع الشرط، هذا هو القول الأول؛ وهو قول جمهور العلماء، بوجوب اتصال المستثنى بالمستثنى منه، وهذه هي أدلتهم على هذا القول.

القول الثاني: وهو أنه لا يشترط اتصال المستثنى بالمستثنى منه، وإنما يجوز الفصل بينهما بزمن:

وهذا -كما سبق أن قلنا- قول ابن عباس رضي الله عنه وهو أيضًا قول مجاهد وعطاء، وسعيد بن جبير، وطاوس -رحمهم الله- فكما سبق أن ذكرنا أن ابن عباس، رُوي عنه، ونَقل عنه بعض العلماء، القول بصحة الاستثناء وإن طال الزمان، وذكرنا أيضًا أنهم اختلفوا في النقل عنه، فقال بعضهم: أنه يريد صحة الاستثناء ولو بعد سنة، نقله المازري، قال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنه أنه كان يرى الاستثناء ولو بعد سنة، ذكر ذلك الحافظ ابن كثير -رحمه الله- قال الشوكاني -بعد أن ساق رواية سعيد بن منصور المذكورة-: “رجال هذا الإسناد كلهم أئمة ثقات”، وقال ابن مفلح -رحمه الله- بعد أن ذكر هذه الرواية: “الأعمش مدلس”، وقد حمل بعضهم على ابن مفلح، فقال: لا عبرة بقول ابن مفلح: “الأعمش مدلس”؛ لأن هذا لا يقدح بثقته، فالرواية عن ابن عباس رضي الله عنهما قد صحت ولكن الصواب خلاف ما قال.

ويمكن أن يوفق بين ما قاله الشوكاني -رحمه الله- وما قاله ابن النجار في هذا الكلام؛ حيث قال: نقل عن أبي موسى المديني أنه قال: “أنه لا يثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما وإن وصح”؛ فيحتمل أن المعنى: إذا نسيت الاستثناء فاستثنِ إذا ذكرت، وقد وفق العلماء بين ما قاله الشوكاني، وما قاله ابن النجار بأن نقول: لا يلزم من ذكر من روى الحديث عن ابن عباس رضي الله عنه تسليم أبي موسى المديني بذلك، فمن الجائز أن يطَّلع على من رووه؛ ولكنه لا يسلِّم بثبوت المروي، وإن سلَّم بثبوته؛ يقوم بتأويله، وقال بعضهم: إنه رضي الله عنه يجيز تأخيره إلى شهر، نقله عنه الآمدي، وابن الحاجب، وابن السبكي وغيرهم، وقال بعضهم: إنه يرى صحة تأخيره أبدًا، وقد حمل الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه وجماعة من العلماء، كلام ابن عباس رضي الله عنهما على نسيان قوله: إن شاء الله تعالى، وقال ابن جرير الطبري: “إن صح ذلك عن ابن عباس رضي اللع عنه فمحمول على أن السنة أن يقول الحالف: إن شاء الله، ولو بعد سنة”.

والحق: أن المتأمل في كلام العلماء، يجد منهم من ينكر ثبوت ذلك عن حبر الأمة رضي اللع عنه  لما يترتب على ذلك من ارتفاع الثقة بالعهود والمواثيق؛ لإمكان تراخي المستثنى، فأبو إسحاق الشيرازي -رحمه الله- يقول: فالظاهر أنه لا يصح عنه، وهو بعيد؛ لأنهم لا يستعملون الاستثناء إلَّا متصلًا بالكلام، ويقول الجويني -رحمه الله-: “والوجه اتهام الناقل، وحمل النقل على أنه خطأ أو مختلق مخترع”، ويقول الغزالي -رحمه الله-: “والوجه تكذيب الناقل، فلا يظن به ذلك، والقول: بأنه لا يشترط اتصال المستثنى بالمستثنى منه، اختاره ابن تيمية -رحمه الله- وغيره، كما ذكر ابن النجار، وروي أيضًا هذا القول عن الحسن، وعطاء، كما ذكر ابن قدامة، وقال بعض العلماء: يجوز ذلك في القرآن خاصة، وحملوا كلام ابن عباس رضي الله عنهماعليه.

واستدل هذا الفريق على جواز الفصل بين المستثنى والمستثنى منه، بثلاثة أدلة:

الدليل الأول: روي أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن عدَّة أهل الكهف، وعن مدة لبثهم فيه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ((غدًا أجيبكم))، ولم يقل: إن شاء الله، فتأخر عنه صلى الله عليه وسلم الوحي بضعة عشر يومًا، ثم نزل قوله تعالى: { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } [الكهف: 23، 24]، فقال صلى الله عليه وسلم: ((إن شاء الله))، رابطًا ذلك بقوله لليهود: ((غدًا أجيبكم))، فلو لم يكن الفصل صحيحًا ما فعله صلى الله عليه وسلم.

وأجيب على هذا الدليل، بأن قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن شاء الله))، بعد نزول الآية ليس ارتباطًا بما قاله لليهود قبل ذلك، وإنما هو امتثال لقول الله تعالى: { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ }، أو هو امتثال للأمر في قوله تعالى: { وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ }، والمعنى: إن شاء الله لا أقول: إني فاعل ذلك غدًا إلَّا مقرونًا بالمشيئة، أو إذا نسيت شيئًا فاذكر الله تعالى -إن شاء الله- وذلك كما لو قال القائل لغيره: افعل كذا، فقال: إن شاء الله، أي: أفعل إن شاء الله.

الدليل الثاني: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((والله لأغزون قريشًا))، ثم سكت، وقال بعده: ((إن شاء الله))، ولولا صحة الاستثناء بعد السكوت، لما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لكونه مقتدًى به. 

وأجيب عن هذا الدليل بأنه ليس فيه ما تقوم به الحجة؛ لأن ذلك السكوت يمكن أن يكون بسببٍ عارض يمنع عن الكلام؛ كالتنفس ونحوه، قال الأصفهاني: “إن السكوت يحتمل أن يكون لعارض لا يخل بالاتصال، ويحتمل أن يكون لغيره، فيحمل على الأول جمعًا بين الدليلين، وقال الإمام الشوكاني -رحمه الله: “وأيضًا غاية ما فيه أن يجوز له أن يستثني في اليمين بعد سكوته وقتًا يسيرًا، ولا دليل على الزيادة على ذلك.

الدليل الثالث: قياس الاستثناء على غيره من المخصِّصات، بجامع أن كلًّا منهما فيه إخراج لبعض ما دل عليه الكلام السابق، ولما كانت المخصِّصات المنفصلة لا يشترط فيها الاتصال بالمخصص، كان الاستثناء كذلك.

ونوقش هذا الدليل من وجهين:

الوجه الأول: أن هذا الدليل منقوض بالصفة والغاية؛ حيث إن كلًّا منهما مخصِّص متصل كالاستثناء، ولا يختلف اثنان في أنه يشترط فيهما الاتصال بما قبلهما، أي: أن الصفة والغاية لم يخالف أحد في أنه يشترط فيهما الاتصال بما قبل الصفة والغاية.

الوجه الثاني: قاس الاستثناء على المخصِّصات المنفصلة، وهذا قياس مع الفارق؛ وذلك لأن كل واحد من المخصِّصات المنفصلة مستقل بنفسه عن الكلام السابق، ومن هنا جاز فيه الانفصال، أما الاستثناء وغيره من المخصِّصات المتصلة فهي غير مستقلة عما قبلها، وإنما هي مرتبطة به ولا تنفك عنه؛ لذلك لا يجوز فصلها.

هذا؛ وبعد ذكر قولي العلماء حول اشتراط اتصال المستثنى بالمستثنى منه؛ يظهر لنا أن ما ذهب إليه جمهور العلماء من اشتراط الاتصال؛ هو القول الراجح المؤيد بالأدلة السالمة من أي اعتراض، ومن لطيف ما يذكر حول هذا الشرط، ما ذكره ابن النجار -رحمه الله- من القصة التي سبق أن سقناها عن الرشيد؛ أنه استدعى أبا يوسف القاضي -رحمه الله- وقال: كيف مذهب ابن عباس في الاستثناء… إلى آخر هذه القصة.

الشرط الثاني من شروط صحة الاستثناء: أن يلي الكلام بلا عاطف:

فلو ولي الجملة بحرف العطف؛ كان لغوًا باتفاق، قال العلاَّمة أبو إسحاق: “ومثله بنحو: له عندي عشرة دراهم وإلَّا درهمًا، أو فإلَّا درهمًا، فهنا قرن بـ”إلَّا”، حرف الواو؛ وهو للعطف في المثال الأول، وقرن بـ”إلَّا”، حرف الفاء؛ وهو أيضًا للعطف في المثال الثاني.

وشرط إمام الحرمين في: (النهاية)، أن يكون مسترسلًا؛ فإن كان في معين لم يصح استثناؤه؛ كما لو أشار إلى عشرة دراهم، فقال: هذه الدراهم لفلان إلَّا هذا وهذا، فلا يصح استثناؤه على الأصح؛ لأنه إذا أضاف الإقرار إلى معين اقتضى الإقرار الملك المطلق فيها، فإذا أراد الاستثناء في البعض كان راجحًا، لكن المرجَّح عند الأصحاب الصحة.

فشرط أن يلي المستثنى المستثنى منه من غير عاطف، هذا شرط معتدٌّ عند الأصوليين؛ قد جاء في: (المسودة)، لابن تيمية ما يدل على أن هذا الشرط مختلَف فيه، وأن الواو تعتبر فاصلًا عند النحويين؛ لأنها ليست من أدوات الاستثناء، بخلاف الفقهاء فيعتبرون الواو من أدوات الاستثناء في عرفهم؛ وهذا لأن الاستثناء قد يكون بمفرد -وهو الاستثناء الخاص- وقد يكون بما هو أعم منه، كالجملة -وهو كالعام- لكنْ الإمام أبو يعلى الحنبلي؛ وهو الفراء يقول: وحروف الاستثناء محصورة، وليس الواو منها، ولكن الحنابلة ردوا عليه بقولهم: بأن هذا هو الاستثناء في اصطلاح النحاة، وأما الاستثناء في عرف الفقهاء؛ فهذا منها؛ لذا لو قال: له هذه الدار، ولي منها هذا البيت، كان هذا الاستثناء عندهم صحيحًا.

فالاستثناء قد يكون بمفرد -وهو الاستثناء الخاص- وقد يكون بما هو أعم من ذلك –كالجملة- وهو العام.

وهذا الكلام يفيد اشتراط عدم الفصل بين المستثنى والمستثنى منه بالواو إذا كان الاستثناء مفردًا، كالاستفهام من العدد ونحوه، أما إذا كان الاستثناء جملة، فلا يشترط عدم الفصل بالعاطف؛ بل يعتبر هنا من أدوات الاستثناء عند الفقهاء.

وقد شرط الماوردي وغيره، كون الاستثناء من جنس الأصل؛ ليصح خروج بعضه، فإن عاد إلى غير جنسه صح عند الشافعية في المعنى دون اللفظ.

وشرط أيضًا أن يعلَّق على الاستثناء ضد حكم الأصل، فإن كان الأصل إثباتًا؛ جاء الاستثناء نفيًا، وإن كان الأصل نفيًا؛ جاء الاستثناء إثباتًا، وهذا تعبير بالضد، والمراد به: النقيض، وهو مسامحة؛ لأنه -كما هو معلوم- أن الضدين غير النقيضين في اصطلاح العلماء، فالضدان: هما الأمران الوجوديان اللذان لا يجتمعان وقد يرتفعان؛ وذلك كالسواد والبياض، والقيام والقعود، والفوقية والتحتية… إلخ، أما النقيضان: فهما الأمران اللذان أحدهما وجودي والآخر عدم، أي: أحدهما إثبات والآخر نفي، لا يجتمعان ولا يرتفعان، وذلك كالقيام وعدم القيام، وإثبات القيام ونفي القيام، لا يجتمعان في شخص واحد؛ فلا أقول: أن هذا الشخص قائم وغير قائم… ولا يرتفعان، فلا أقول: أن هذا الشخص لا قائم ولا غير قائم، بل لا بد إما أن يكون قائم أو غير قائم، وغير قائم هذا نقيض، والنقيض هنا أعم من الضد؛ لأنه يشمل جميع الأضداد، فغير القيام يشمل القعود، والإضجاع، والنوم، وغيرهم؛ فهذان هما النقيضان اللذان لا يجتمعان ولا يرتفعان. وقد يأتي ضد ولكن ينطبق عليه تعريف النقيض في أنه لا يجتمعان ولا يرتفعان؛ وينطبق عليه أيضًا تعريف الضد في أنه أمران وجوديان، فماذا نقول فيه؟ كالحركة والسكون؛ فالحركة أمر وجودي، والسكون أمر وجودي، لكن الشخص لا يرتفع عنه الحركة والسكون، ولا يجتمع فيه الحركة والسكون؛ بل لا بد أن يوصف الشخص بأنه متحرك أو ساكن، فنقول: أن هذا هو الضد الذي يساوي النقيض: أو أن هذا ضد مساوٍ للنقيض: فهو ضد من ناحية أن الأمران وجوديان، وهما نقيضان من ناحية أنهما لا يجتمعان ولا يرتفعان.

error: النص محمي !!