Top
Image Alt

ورود الخطاب مطلقًا في موضع، ومقيدًا في موضع آخر

  /  ورود الخطاب مطلقًا في موضع، ومقيدًا في موضع آخر

ورود الخطاب مطلقًا في موضع، ومقيدًا في موضع آخر

اعلم أن الخطاب إذا ورد مطلقًا لا مقيد له؛ حُمل على إطلاقه، أو مقيدًا لا مطلق له؛ حمل على تقييده، وإن ورد مطلقًا في موضع، ومقيدًا في موضع آخر، فالكلام في مقامين:

أحدهما: في المقيد، هل يجب أن يكون حاله مقصورًا على الشرط المقيد به أولا؟

والثاني: أي: المقام الثاني في المطلق، هل يجب حمله على حكم المقيد في الجنس أولا؟

أما الأول: فهو البحث في أن مفهوم الشرط والصفة حجة أولًا، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في بقية دروس المقرر، فإن قلنا: ليس بحجة؛ لم يحمل المطلق عليه، وإن قلنا حجة حُمل، ولا بد في الحمل من تقديم كون القيد شرطًا فيما قيِّد به.

والأصوليون قد أهملوا ذكره هنا؛ لوضوحه، وإنما تعرض له الماوردي، والروياني، واعتبرا معنى المقيد، فإن كان خاصًا ثبت حكم التقييد، وإن كان عامًّا يسقط حكم التقييد، فالأول كقول الله تعالى في كتابه الكريم: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [النساء: 43]، إلى آخر قوله تعالى: { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً } [النساء: 43]، فتقييد التيمم بالمرض والسفر؛ شرط في إباحته.

أما الثاني: فمثاله قوله تعالى: { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ } [النساء: 101]، إلى قوله: {إِنْ خِفْتُمْ} [النساء: 101]، فليس الخوف شرطًا في القصر، هذا إذا كان القيد خاصًّا، ثبت له حكم التقييد، أما إن كان عامًّا؛ فلا يسقط حكم التقييد.

وأما الثاني: وهو المقصود بعد ثبوت كون التقييد شرطًا في المقيد، فينقسم المطلق والمقيد إلى أقسام:

أحدها: أن يختلفا في السبب والحكم، فلا يحمل أحدهما على الآخر بالاتفاق، كتقييد الشهادة بالعدالة، وإطلاق الرقبة في الكفارة، فهنا السبب مختلف، والحكم أيضًا مختلف، والإمام الآمدي، شرط أن يكونا -أي: السبب، والحكم- ثبوتيين فإن لم يكن، كما إذا قال في كفارة الظهار: اعتق رقبة، وقال: لا تملك رقبة كافرة، فهنا ليسا ثبوتيين، وإنما أحدهما ثبوتي والآخر نفي، فلا خلاف أن المقيد هنا يوجب تقييد الرقبة المطلقة بالمسلمة في هذه الصورة.

واعلم أن الاتفاق في هذا القسم نقله القاضي أبو بكر الباقلاني، وإمام الحرمين و”الكيا الطبري”، وابن برهان، والآمدي وغيرهم، وذكر الباجي عن القاضي محمد من المالكية، أن مذهب مالك -رحمه الله- في هذا حمل المطلق على المقيد، وأخذ ذلك من رواية رويت عنه أنه قال: “عجبت من رجل عظيم من أهل العلم، يقول: إن التيمم إلى الكوعين، فقيل له: إنه حمل ذلك على آية القطع، فقال: وأين هو من آية الوضوء؟ قال الباجي: وهذا التأويل غير مسلَّم؛ لأنه يحتمل حمله عليه بقياس أو علة، وإنما الخلاف في الحمل بمقتضى اللفظ”. وسيأتي حكاية قول الإمام الشافعي، في كفارة القتل: أنه يجزئ فيها الإطعام، كما في الظهار.

يقول الزركشي: “ومن هذا كله يخرج خلاف في حمل المطلق على المقيد في هذا القسم، وينبغي التفات هذا الخلاف إلى أنه من باب القياس، أو من باب اللفظ، فإن قلنا: من باب القياس امتنع؛ لأن من شرط القياس اتحاد الحكم، والحكم هنا مختلف، حيث أُطلِق الإطعام وقُيِّد الصيام”.

القسم الثاني: أن يتفقا في السبب والحكم، فيحمل أحدهما على الآخر، كما لو قال: إن ظاهرت فأعتق رقبة، وقال في موضع آخر: إن ظاهرت فأعتق رقبة مؤمنة، ففي الأول: أطلق كلمة الرقبة، وفي الثاني: قيد الرقبة بكونها مؤمنة، وأبو حنيفة يوافق في هذا القسم، كما قاله أبو زيد الدبوسي، في: (الأسرار)، وأبو منصور الماتريدي، في تفسيره، وغيرهما؛ ولهذا حمل قوله تعالى: { فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ } [البقرة: 196]، على قراءة ابن مسعود: “متتابعات”، وكذا لو قيل له: تغدى عندي اليوم، فقال: والله لا أتغدى، حمل ذلك على اليوم، حتى لا يحنث بغيره.

وممن نقل الاتفاق في هذا القسم، القاضيان أبو بكر، والقاضي عبد الوهاب، و”ابن فُورَك”، و”إلكيا الطبري”، وغيرهم، وكإطلاق تحريم الدم في موضع، وتقييده في آخر بالدم المسفوح، وكقوله تعالى: { فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ } [المائدة: 6]، وقال في موضع آخر: { مِنْهُ }، وكقوله تعالى: { مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا } [الشورى: 20]، فإنه لو قيل: نحن نرى من يطلب الدنيا طلبًا حثيثًا ولا يحصل له شيء، قلنا له: قال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ} [الإسراء: 18]، فعلق ما يؤتيه بالمشيئة والإرادة؛ فحمل المطلق على المقيد، وكإطلاق المسح في قوله صلى الله عليه وسلم: ((يمسح المسافر ثلاثة أيام))، وتقييده بقوله: ((إذا تطهر فلبس خفين)).

وقوله: “عمن تُمَوِّنُون”، مع قوله: “على كل صغير وكبير ذكر وأنثى حر وعبد من المسلمين”، وهذا في الكلام على صدقة الفطر، فالحديث الأول أن صدقة الفطر “عمن تُمَوِّنُون”، يعني: عمن تعولون، بإطلاق، أما في الحديث الثاني قيد بكونه كل صغير وكبير، ذكر وأنثى، حر وعبد، من المسلمين، فقيد بكونه من المسلمين، فالحديث الأول يعم المسلم وغير المسلم، والحديث الثاني يختص بالمسلمين.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا نكاح إلَّا بولي))، فهنا أطلق الولي، وفي الحديث الثاني قال: ((لا نكاح إلَّا بولي مرشد))، فهنا قيد الولي بكونه مرشدًا.

قال الإمام ابن العربي المالكي، في كتابه: (المحصول): “هذه المسألة مسألة المفهوم، كقوله: ((في أربعين شاة شاة))، وهذا مطلق، وقوله: ((في الغنم السائمة الزكاة))، فهذا مقيد بالسَّوْم، فإن قلنا بالمفهوم؛ حملنا المطلق على المقيد على الخلاف، والسبب واحد؛ وهو الملك للمال الباقي، والحكم واحد وهو وجوب الزكاة، وظاهره جريان خلاف الحنفية في هذا القسم منكِرِي المفهوم، وبه صرح ابن برهان في: (الأوسط)، فقال: اختلف أصحاب أبي حنيفة في هذا القسم، فذهب بعضهم إلى أنه لا يحمل، والصحيح من مذهبهم أنه يحمل، إلَّا أنهم لم يحملوا صدقة الفطر كذلك؛ بل عملوا بالنصين”.

يقول أبو الوليد الباجي المالكي: “حمل المطلق على المقيد في هذا القسم من باب دليل الخطاب، أي: مفهوم المخالفة، وقد ذكرنا أنه ليس بدليل، فيجوز التخصيص به، قال: وقد اختلف كلام القاضي أبي بكر في ذلك في: (التقريب)، وحكى الطرسوسي الخلاف فيه عن المالكية، واستثنى بعض الحنابلة من هذا القسم، ما إذا كان المقيد آحادًا والمطلق متواترًا، قال: فينبني على مسألة الزيادة -أي: مسألة الزيادة على النص- هل هي نسخ أولا؟ وينبني أيضًا على مسألة نسخ المتواتر بالآحاد، والمنع؛ قول الحنفية، وهذا كله في المقيد مطلقًًا، فإن كانت دلالة المقيد من حيث المفهوم، فكذلك عند من قال به؛ فيقدم خاصُّه على العموم، ومن لا يقول بالمفهوم؛ فيعمل بمقتضى الإطلاق”.

يقول الإمام الزركشي: “قلت: وهكذا فعلت الحنفية في صدقة الفطر، ولم يفعلوا ذلك في كفارة اليمين، قالوا: لأنهما في الصوم وردا في حكم يستحيل وجوده بموضعين متضادين مقدِّمًا التقييد، وفي صدقة الفطر في السبب ولا مزاحمة، وإذا قلنا بالحمل فاختلفوا، فصحح ابن الحاجب وغيره، أن الحمل بيان للمطلوب، أي: دال على أنه كان المراد بالمطلق: هو المقيد، وقيل: يكون نسخًا، أي: دالًّا على نسخ حكم المطلق السابق بحكم المقيد الطارئ.

واعلم أن ظاهر إطلاقهم، أنه لا فرق في هذا القسم في الحمل، بين أن يكون المطلق متقدمًا أو متأخرًا، أو جهل السابق منهما، ولهذا قال الإمام الغزالي في كتابه: (المستصفى)، بعد تعرضه لهذا: وهذا صحيح على مذهب من لا يرى بين العام والخاص تقابل الناسخ والمنسوخ”.

والقاضي أبو بكر الباقلاني مع مصيره إلى التعارض، نقل الاتفاق على تنزيل المطلق على المقيد عند اتحاد الحكم، وفيما ذكره إشارة إلى أن من صار إلى أن العام المتأخر، لا يخصَّص بالخاص المتقدم عند التعارض، بل يحمل على النسخ؛ ينبغي ألَّا يحمل المطلق على المقيد، ويلزمه أن يقول ههنا: إن المطلق المتأخر ناسخ للمقيد المتقدم؛ لأن المطلق بمثابة العام والمقيد بمثابة الخاص، وعلى هذا يلزم الوقف والتوقف عند جهل التاريخ كما توقف هناك، كذا قاله الصفي الهندي، والأردبيلي، ويشهد له حكاية ابن الحاجب عن بعضهم، أنه إذا كان المقيد متأخرًا عن المطلق؛ يكون المقيد ناسخًا للمطلق، والإمام الأردبيلي زيف هذا القول.

والحق: أنه يتجه فيما إذا تأخر المقيد عن وقت العمل بالمطلق، وإلَّا فالحمل على النسخ مع إمكان حمله على البيان بعيد، ثم يلزمه عكسه إن رأى نسخ الخاص بالعام، وقد يقال: لا يلزم القائل في العام بالنسخ أن يقول به هنا في المطلق، والفرق أن الخاص يناقض العام في جهة مدلوله، فإن العام يدل على إثبات الحكم في جميع أفراده ظاهرًا، والخاص ينفي الحكم في بعضها، فوقع التعارض بينهما من هذا الوجه.

وأما المطلق فلا دلالة له على حكم المقيد لا بنفي ولا بإثبات، فإن الإيمان مثلًا في قوله: أعتق رقبة، مسكوت عنه، فلا يكون إثباته بقوله: أعتق رقبة مؤمنة، منافيًا لحكم الإطلاق من جهة المدلول، فيحمل المطلق على المقيد بكل حال، فصح نقل الإجماع على ذلك، ولا يخرج على الخلاف في تقابل العام المتأخر والخاص المتقدم؛ لما فيه من الجمع بين الدليلين.

القسم الثالث: أن يختلفا في السبب دون الحكم، كإطلاق الرقبة في كفارة الظهار، وتقييد الرقبة بالإيمان في كفارة القتل، فالحكم واحد وهو وجوب الإعتاق، لكن الظهار والقتل سببان مختلفان، فهذا هو موضع الخلاف بين الحنفية والشافعية، أما عكسه؛ وهو اتحاد السبب واختلاف الحكم، فظاهر إطلاقهم أنه لا خلاف فيه، لكن ابن العربي في: (المحصول) جعله من موضع الخلاف، وبه تصير الأقسام أربعة، ومثله بآية الوضوء؛ فإنه قيد فيها غسل اليدين بالمرافق، وأطلق في آية التيمم، كقوله تعالى: { وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ } [المائدة: 6]، فإن السبب واحد؛ وهو الحدث، والحكم مختلف.

وحكى أبو الخطابي -من الحنابلة- الخلاف في اتحاد السبب واختلاف الحكم، ونقل فيه روايتين عن الإمام أحمد -رحمه الله- ومثله بآية الوضوء والتيمم أيضًا، وكذا مثل بها القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابه: (التقريب).

وعلى ذلك فتكون مذاهب العلماء في حمل المطلق على المقيد إذا اختلفا في السبب دون الحكم، أي: أن العلماء اختلفوا في هذه المسألة على مذاهب:

المذهب الأول: أن المطلق يحمل على المقيد بموجب اللفظ ومقتضى اللغة من غير دليل، ما لم يقم دليل على حمله على الإطلاق، فإن تقييد أحدهما يوجب تقييد الآخر لفظًا، كقوله تعالى: { وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ } [الأحزاب: 35]، أي: والذاكرات كثيرًا أيضًا، وكما في العدالة والشهود في قوله تعالى: { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ } [البقرة: 282]، يحمل على قوله تعالى: { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } [الطلاق: 2]، أي: أن لفظ الرجال في الآية الأولى ورد مطلقًًا، سواء كانوا عدولًا أو غير عدول، أما في الآية الثانية، فقال: { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2]، فيحمل المطلق هنا على المقيد.

كذلك حمل إطلاق العتق في كفارة الظهار واليمين، على العتق المقيد في كفارة القتل، فهناك في كفارة الظهار، قال: فتحرير رقبة أيضًا في كفارة اليمين، أما في كفارة القتل، فقال: { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } [النساء: 92]، قال الماوردي، والروياني في باب القضاء: إنه ظاهر مذهب الشافعي، وقال الماوردي في باب الظهار: إن عليه جمهور أصحابنا.

وقال سليم الرازي: إنه ظاهر كلام الشافعي، وحكاه القاضي عبد الوهاب عن جمهور أصحابهم المالكية.

ونقله إمام الحرمين عن بعض الشافعية، قال: وأقرب طريق هؤلاء أن كلام الله تعالى في حكم الخطاب الواحد، وحق الخطاب الواحد أن يترتب فيه المطلق على المقيد، قال: وهذا من فنون الهذيان، فإن قضايا الألفاظ في كتاب الله مختلفة متباينة، لبعضها حكم التعلق والاختصاص، ولبعضها الآخر حكم الاستدلال والانقطاع، فمن ادعى تنزيل جهة الخطاب على حكم كلام واحد، مع العلم بأن في كتاب الله تعالى النفي والإثبات، والأمر والزجر، والأحكام المتغايرة، فقد ادعى أمرًا عظيمًا.

ولا تغني في مثل ذلك الإشارة إلى اتحاد الكلام الأزلي، ومضطرب المتكلمين في الألفاظ وقضايا الصيغ، وهي مختلفة لا مِراء في اختلافها، فسقط هذا الظن.

المذهب الثاني في حمل المطلق على المقيد: إذا اختلفا في السبب دون الحكم: أنه لا يحمل عليه بنفس اللفظ، بل لا بد من دليل من قياس أو غيره، كما يجوز تخصيص العموم بالقياس وغيره، وإن حصل قياس صحيح أو غيره من الأدلة يقتضي تقييده به؛ قُيد، وإلَّا أقر المطلق على إطلاقه، والمقيد على تقييده.

قال الإمام الآمدي: “هذا هو الأظهر من مذهب الشافعي”، وصححه هو، والإمام فخر الدين الرازي، وأتباعهما، وقد علمت أن أصحاب الشافعي، إنما نقلوا عنه الأول، وهم أعرف من الآمدي بذلك.

وفي: (مناقب الإمام الشافعي)، لابن أبي حاتم الرازي عن يونس بن عبد الأعلى قال: “سمعت الشافعي يعيب على من يقول: لا يقاس المطلق من كتاب الله على المنصوص، وقال: يلزم من قال هذا أن يجيز شهادة العبد والسفهاء؛ لأن الله عز وجل  قال: { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } [الطلاق: 2]، وقال في موضع آخر: { وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 282]، مطلقًا، ولكن المطلق هنا يقاس على المنصوص في مثل هذا، فلا يجوز في الشهادة إلَّا الشاهد العدل”.

نعم، هذا القول عليه جماعة كثيرون من الشافعية، منهم القفال الشاشي، ونقلوه عن “ابن فورك”، وصححه الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، والقاضي أبو الطيب، والشيخ أبو إسحاق، وإمام الحرمين، وابن القشيري، والغزالي، وابن برهان، وابن السمعاني.

وقال ابن دقيق العيد في: (شرح العمدة): “إنه الأقرب واختاره القاضي أبو بكر الباقلاني، ونسبه إلى المحققين، قال: لو جاز تقييد المطلق لتقييد المقيد؛ لجاز إطلاق المطلق لإطلاق المقيد، وهو لا يجوز إجماعًا، ونقله الماوردي عن أبي علي بن أبي هريرة، ثم قال: وهو قلة معرفة بلسانهم؛ لأنهم تارة يكررون الكلمة للتأكيد، وتارة يحذفونها للإيجاز، وتارة يسقطون بعضها للترخيم، ونقله القاضي عبد الوهاب، عن الجمهور من المالكية وغيرهم، ونقله الأستاذ أبو منصور، عن ابن سريج.

وحكاه الماوردي، والروياني في باب القضاء، عن بعض الشافعية، فقالا: وذهب بعض أصحابنا إلى أن حكم المطلق بعد المقيد من جنسه موقوف على الدليل، فإن قام الدليل على تقييده؛ قيد، وإن لم يقم على واحد منهما دليل؛ صار كالذي لم يرد فيه نص، فيعدل عنه إلى غيره من الأدلة، قال: وهذا قول من ذهب إلى وقف العموم حتى يقوم دليل على تخصيص أو عموم، وهذا أفسد المذاهب؛ لأن النصوص المحتملة يكون الاجتهاد فيها عائدًا إليها، ولا يعدل بالاحتمال إلى غيرها؛ ليكون النص ثابتًا بما يؤدي إليه الاجتهاد من نفي الاحتمال عنه وتعين المراد به”.  

قال الإمام الأصفهاني: “وحيث قلنا يقيد قياسًا، أردنا به سالمًا عن الفروق، أي: أنه لا فرق بينهم، وبه يندفع قولهم: إن اختلاف الأسباب يوجب اختلاف الأحكام”.           

قال ابن برهان: “كل دليل يجوز تخصيص العموم به يجوز تقييد المطلق به، وما لا فلا؛ لأن المطلق عام من حيث المعنى، فيجوز التقييد بفعله صلى الله عليه وسلم خلافًا للقاضي، ويجوز التقييد بتقريره صلى الله عليه وسلم خلافًا لبعضهم، ويجوز أيضًا التقييد بمفهوم الخطاب”.

قال “ابن فورك”، و”إلكيا الطبري”، والقاضي عبد الوهاب: “القائلون بأنه يحمل عليه من جهة القياس، اختلفوا: هل القياس مخصص للمطلق أو زائد فيه، فمنهم من قال: إنه يقتضي تخصيص المطلق لا الزيادة فيه، وقال القاضي عبد الوهاب: وهو الصحيح، ومنهم من قال: يقتضي الزيادة فيه، وجوز الزيادة بالقياس ولم يقدره نسخًا. وقال صاحب (الواضح): اختلف أبو عبد الله البصري، وعبد الجبار في أن تقييد الرقبة المطلقة بالإيمان، هل يقتضي زيادة أو تخصيصًا؟ فقال البصري: هو زيادة؛ لأن إطلاق الرقبة يقتضي إجزاء كل ما تقع عليه الرقبة، فإذا اعتبر في إجزائها الإيمان؛ كان ذلك زيادة لا محالة”. 

وقال قاضي القضاة: “هو تخصيص؛ لأن إطلاق الرقبة يقتضي إجزاء المؤمنة والكافرة، والتقييد بالإيمان يخرج الكافرة، فكان تخصيصًا لا محالة، قال: وفائدة هذا الخلاف أن من قال زيادة يمنع الحمل بالقياس؛ لأن هذه الزيادة نسخ، والنسخ بالقياس لا يجوز، ومن قال: تخصيص، جوز الحمل بالقياس وخبر الواحد، وليس هذا بخلاف في الحقيقة، فالقاضي أبو بكر أراد أن التقييد بالصفة؛ نقصان في المعنى، وأبو عبد الله أراد زيادة في اللفظ”.

وقال الإمام الغزالي في كتابه: (المنخول): “القائلون بالقياس اختلفوا فقيل: لا يجوز الاستنباط من محل التقييد، فليكن من محل آخر، وهو عدم إجزاء المرتد بالإجماع، قال: وهذا باطل، فإن المستنبط من محل التقييد إن كان محلًا صالحًا قُبل، وإلَّا فهو باطل؛ لعدم الإحالة”.

والمذهب الثالث: قال الماوردي: “وهو أولى المذاهب أنه يعتبر أغلظ حكمي المطلق والمقيد، فإن كان حكم المطلق أغلظ حُمل على إطلاقه، ولم يقيد إلَّا بدليل، وإن كان حكم المقيد أغلظ حُمل المطلق على المقيد، ولم يحمل على إطلاقه إلَّا بدليل؛ لأن التغليظ إلزام وما تضمنه الإلزام لم يسقط التزامه بالاحتمال”.

المذهب الرابع: التفصيل بين أن يكون صفة فيحمل، كالإيمان في الرقبة، أو ذاتًا فلا يحمل، كالتقييد بالمرافق في الوضوء دون التيمم؛ وهو حاصل كلام الأبهري وسيأتي الكلام فيه.

المذهب الخامس: أنه لا يحمل عليه أصلًا، لا من جهة القياس ولا من جهة اللفظ، وهو مذهب الحنفية، وحكاه القاضي عبد الوهاب في: (الملخص)، عن أكثر المالكية بعد أن قال: “الأصح عندي الثاني”. قال الإمام ابن السمعاني في كتابه: (الاصطلام): “وعلله الحنفية بأن تقييد الخطاب بشيء في موضع لا يوجب تقييد مثله في موضع آخر، كما أن تخصيص العموم في موضع لا يوجب تخصيص العموم في موضع آخر، ولو وجب حمل المطلق على المقيد بظاهر الخطاب، لم يكن ذلك بأولى من حمل المقيد على المطلق بظاهر الورود؛ وهذا لأن التقييد له حكم والإطلاق له حكم، وحمل أحدهما على صاحبه مثل حمل صاحبه عليه؛ لأن كل واحد منهما ترك الخطاب من تقييد أو إطلاق”.

أسباب الاختلاف في هذه المسألة:

الخلاف في أصل هذه المسألة يلتفت على أمور:

أحدها: أن المطلق هل هو ظاهر في الاستغراق أو نص فيه؟ فإن قلنا: ظاهر، جاز حمل المطلق على المقيد، بالقياس على الخلاف السابق في التخصيص به، وإن قلنا: نص، فلا يجوز؛ لأنه يكون نسخًا، والنسخ بالقياس لا يجوز.

قال ابن رَحَّال: “ورأيت لبعض المتأخرين مذهبًا ثالثًا، وهو أن المطلق ليس بنص في الإطلاق ولا ظاهر فيه، بل هو متناول للذات غير متعرض للقيد بنفي ولا إثبات، وعلى هذا فلا يكون تقييد المطلق من باب التأويل، بل يكون آتيًا بما لم يشعر به اللفظ الأول، وهو بمثابة إيجاب الزكاة بعد إيجاب الصلاة”.

الأمر الثاني من أسباب الاختلاف: هو أن الزيادة على النص نسخ عند الحنفية، وتخصيص عند الإمام الشافعي، كما نقله عنه في المخصوص هنا، والنسخ لا يجوز بالقياس ويجوز التخصيص به.

الأمر الثالث: القول بالمفهوم فهو يدعي أنه ليس بحجة، وعند الشافعية أنه حجة، فلذا حملناه عليه، قال إمام الحرمين: “قد تناقض الحنفية في تقييدهم رقبة الظهار باشتراط نطقها، فلا يجوز عندهم إعتاق الأخرس، وفي تقييدهم القربى بالفقراء في قوله تعالى: {وَلِذِي الْقُرْبَى} [الأنفال: 41]، اي:ولذي القربى الفقراء، ثم قال: والحق أن المطلق كالعام، فيتقيد كالتخصيص، والتخصيص تارة يكون بقصر اللفظ على بعض غير مميز بصفة، كحمل الفقراء على ثلاثة، وتارة على مميز بصفة، كحمل المشركين على الحربيين”.

error: النص محمي !!