Top
Image Alt

التخصيص بتقريره صلى الله عليه وسلم أو بإقراره

  /  التخصيص بتقريره صلى الله عليه وسلم أو بإقراره

التخصيص بتقريره صلى الله عليه وسلم أو بإقراره

فإذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا يفعل فعلًا مخالفًا للفظ العام، أو علم بأن شخصًا فعل فعلًا مخالفًا للعام؛ فسكت صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه وأقره على فعله؛ فإن هذا التقرير منه صلى الله عليه وسلم يعتبر مخصصًا للعام، بمعنى أن العام لا يكون حكمه متناولًا لهذا الشخص، وإنما يكون مرادًا به غيره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقر أحدًا على باطل ولا يسكت عليه؛ فسكوته صلى الله عليه وسلم مع علمه؛ دليل على الجواز، وإلَّا لوجب إنكاره.

لكن هل يتعدى حكم ذلك الفرد الذي خرج من العام إلى غيره، أو لا يتعدى إليه، ويكون مقصورًا على ذلك الشخص؟

اختلف العلماء في ذلك على قولين:

القول الأول: إن هذا الحكم إن وجد ما يقتضي تعديته إلى الغير، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: ((حكمي على الواحد حكمي على الجماعة))، أو كان ذلك الحكم معلل بعلة يمكن تعديتها إلى ذلك الغير وإلحاق الغير به في الحكم؛ فإن الحكم يتعدى إلى ذلك الغير، وإن لم يوجد ما يقتضي التعدية إلى الغير؛ كان قاصرًا على الشخص الذي أقره الرسول صلى الله عليه وسلم على المخالفة فقط؛ وهذا هو قول جمهور العلماء.

أما القول الثاني: وهو أنه لا يتعدى الحكم إلى غير من أقره الرسول صلى الله عليه وسلم على المخالفة؛ وذلك لأنه لا يجوز أن تكون العلة التي اقتضت المخالفة، علة قاصرة لا توجب تعدية الحكم إلى غيره؛ لعدم إمكان القياس.

أضف إلى ذلك أن ما استدل به أصحاب القول الأول منسوبًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: ((حكمي على الواحد حكمي على الجماعة))،  لم يثبت.

هذا؛ ومما ينبغي التنبيه عليه أن الحنفية لهم في مسألة التخصيص بالتقرير رأي يتفق مع المبدأ الذي ساروا عليه: وهو اشتراط مقارنة المخصص للعام؛ فيقولون: إن علم النبي صلى الله عليه وسلم، إذا كان علمه بالفعل في مجلس الذكر العام؛ كان هذا الفعل مخصصًا للعام، وإن لم يكن العلم في مجلس الذكر العام، بل كان متأخرًا عنه؛ فإنه يكون ناسخًا، ثم إن ظهرت علة مشتركة بين الفاعل وغيره؛ تعدى الحكم إلى غير الفاعل المشارك بالقياس -لمشاركة الغير إياه في المعنى- حكمه على الجماعة، وإن لم تظهر علة مشتركة بين الفاعل وغيره؛ فالمختار أنه لا يتعدى إلى غيره؛ لتعذر دليله؛ لأن التعدية من غير جامع ليست من قبيل المعقول.

والذي أراه: أن التقرير يخصص به العام مطلقًا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى الناس كافة؛ ولأنه يترتب عليه الجمع بين الدليلين والعمل بهما؛ ولأنه وقع التخصيص به فعلًا، والوقوع أكبر دليل على الجواز.

من أمثلة التخصيص بالتقرير ما يلي:

أولًا: قوله صلى الله عليه وسلم في الزكاة: ((فيما سقت السماء العشر))، أي: أن الزرع الذي يسقى بماء السماء، أو الذي يسقى بماء لا تكلفة فيه؛ فإن الزكاة تكون فيه عُشر الخارج من الأرض، وهذا عام في إيجاب الزكاة في كل ما أخرجته الأرض، وقد قال الجمهور من العلماء: أنه مخصوص بتركه صلى الله عليه وسلم أخذ الزكاة من الخضروات؛ فالخضروات كانت داخلة في قوله صلى الله عليه وسلم: ((فيما سقت السماء))، أي: كل ما سقت السماء؛ ولكن صلى الله عليه وسلم في الفعل لم يأخذ الزكاة من الخضروات، ومعنى هذا: أن العُشر إنما يجب فيما سقته السماء إذا لم يكن من الخضروات، وإذا بلغ نصابًا -كما جاء في رواية أخرى-: ((ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة))، فالرواية الثانية تدل على أن أقل من الخمسة أوسق لا صدقة فيها، سواء سقي بماء السماء، أو بغيره.

إذًا قوله صلى الله عليه وسلم: ((فيما سقت السماء العشر))، مخصوص بالخضروات، ومخصوص بأقل من الخمسة أوسق.

من أمثلة التخصيص بالتقرير ثانيًا: أن الرسول صلى الله عليه وسلم: ((العين وكاء السه؛ فمن نام فليتوضأ))، أي: أن هذا الحديث يفيد بعمومه نقض الوضوء لكل من نام؛ سواء كان متمكنًا أو غير متمكن، أي: سواء كان مرتخيًا، أو أنه جالس على الأرض متمكن من الأرض، و قال الجمهور: إن هذا العموم خص بإقراره صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء من النوم قاعدًا، فالرسول صلى الله عليه وسلم بين أن من نام قاعدًا؛ فلا ينتقض وضوؤه؛ فقد جاء في الحديث الصحيح: ((كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينامون ثم يصلون ولا يتوضئون))، ليس معنى “ينامون” في هذا الحديث: أنهم ينامون على جنوبهم، أو على ظهورهم، أو على بطونهم؛ وإنما كانوا ينامون وهم جلوس على الأرض.

وبعد أن رجحنا القول بجواز التخصيص بالتقرير، نقول: هل التخصيص وقع بنفس التقرير، أو يستدل بالتقرير على أنه قد خص العام بقول سابق؟

فيه قولان:

القول الأول: أن التقرير هو نفسه الذي وقع به التخصيص، وفي ذلك يقول “ابن فورك”، والطبري -رحمه الله-: وهو الظاهر من الحال، وكلام ابن القطان يقتضي ترجيحه.

المذهب الثاني: أنه يستدل بالتقرير على أنه صلى الله عليه وسلم قد نصه بقول سابق؛ إذ لا يجوز عليهم أن يتركوا ذلك إلَّا بأمر صريح صحيح منه صلى الله عليه وسلم؛ وعليه فيكون المخصص هو دليل على التقرير الذي قاله الرسول صلى الله عليه وسلم.

يقول الإمام الزركشي -رحمه الله- في كتابه: (البحر المحيط): “إن تقرير النبي صلى الله عليه وسلم واحدًا من المكلفين على خلاف مقتضى العام؛ هل يكون مخصصًا؟ إذا وجدت شرائط التقرير بعد الإنكار في حق الفاعل”.

ويجدر بنا هنا أن نبين أن التقرير له شروط اعتبرها العلماء؛ وهما شرطان:

الشرط الأول: أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قادرًا على الإنكار؛ فإن منعه من الإنكار مانع؛ لم يعتبر هذا التقرير وهذا الإقرار.

الشرط الثاني: ألَّا يعلم صلى الله عليه وسلم من الفاعل الإصرار على ذلك الفعل؛ لاعتقاده إباحته كتردد اليهود على أماكن عبادتهم؛ فإن سكوته صلى الله عليه وسلم عن ذلك لا يقتضي إباحته؛ لأن السكوت قد ظهرت له فائدة غير معرفة الحكم، وهذه الفائدة هي أن الإنكار لا فائدة فيه؛ لعدم امتثال الفاعل.

إذًا إذا وجدت شرائط التقرير بعد الإنكار في حق ذلك الفاعل؛ هل يكون مخصصًا؟

اختلف فيه العلماء، كما يقول الإمام الزركشي -رحمه الله- يقول أيضًا: “وقد مثله الأستاذ أبو منصور، بأن قوله: ((فيما سقت السماء العشر))، مخصوص بتركه أخذ الزكاة من الخضروات -كما سبق أن قلنا- وكذا قال ابن القطان، وكذا تركه أخذ الزكاة في النواضح، وإقراره ترك الوضوء من النوم قاعدًا، وإذ قلنا بالتخصيص بالتقرير؛ فهل نقول: وقع التخصيص بنفس التقرير؛ أو يستدل بذلك على أنه خص بقول سابق؟ فيه وجهان، ذكرناهما آنفًا.

الخطاب إذا علم خصوصه ولم يدري ما خصه كيف يعمل به؟

يقول الإمام “ابن فورك”: من يقول: إن البيان لا يتأخر فيحيل هذا؛ لأنه يؤدي إلى تأخير البيان، أي: أن الكلام في هذه الحالة يؤدي إلى تأخير البيان عن وقت الحاجة، ومعلوم أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز؛ ومن الشافعية من يقول: يجوز هذا، ويعتبر فيه العموم إلَّا موضعًا خص، غير أنه إذا جاء بأمر يشتمل على العموم أمضيناه فيه؛ لأنه لو كان فيه خصوص لخصَّه، ومن الشافعية من يقف في مثل هذا القول، ويتوقف فيه؛ لورود الدليل الراجح.

error: النص محمي !!