Top
Image Alt

دلالة العموم على الأفراد: هل هي قطعية أوظنية؟

  /  دلالة العموم على الأفراد: هل هي قطعية أوظنية؟

دلالة العموم على الأفراد: هل هي قطعية أوظنية؟

إذا ثبت دلالة العموم على الأفراد فاختلفوا هل هي قطعية أو ظنية؟ والثاني: هو المشهور عند الشافعية، والأول: قول جمهور الحنفية، قال صاحب (اللباب) من الحنفية، وأبو زيد الدبوسي في (التقويم): دلالة العام على أفراده قطعية، أي: أنها توجب الحكم بعمومه قطعًا وإحاطته، كالخاص إذا كان النص مقطوعًا به، وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه: لا توجب العلم، ولهذا قلنا: إن الخاص ينسخ العام، والعام الخاص؛ لاستوائهما رتبة، وعنده يجوز نسخ العام بالخاص ويمتنع نسخ الخاص بالعام، ولهذا قال الشافعية فيمن أوصى لزيد بالخاتم، ثم لعمرو بفصه في كلام مفصول -أي: بكلام فصل بينه وبين الكلام الأول- بالحلقة للأول على الخصوص، والفص بينهما؛ لأن الأول استحق الفص بوصية عامة للفص والخاتم، والثاني استحق الفص بوصية خاصة فزاحمه بالمشاركة معه.   

وأطلق الأستاذ أبو منصور النقل عن الشافعي، ومالك وأبي حنفية، بأن دلالته على أفراده قطعية، وكذلك نقله الغزالي في كتابه: (المنخول)، عن الشافعي أيضًا، قال إمام الحرمين وابن القشيري: الذي صح عندنا من مذهب الشافعي أن الصيغة إذا تجردت عن القرائن، فهي نص في الاستغراق، وإن لم يقطع بانتفاء القرائن فالتردد باق، وجرى عليه الأبياري في (شرح البرهان)، وزاد حكاية ذلك المذهب عن المعتزلة، قال: والمأخذ مختلف، فالمعتزلة تلقوه من استحالة تأخير البيان عن الخطاب، فلو كان المراد به غير ما هو ظاهر لكان تأخير البيان، وتأخير البيان محال، والشافعي كأنه يرى أن التخصيص إنما يكون وارد على كلام المتكلم؛ لاقتران اللفظة المختصة به عند الإطلاق، قال: وهذا بحث لغوي يفتقر إلى النقل، وقد رأيت من ينكر على الأبياري هذا النقل عن الشافعي ظنًّا منه تفرده بهذا، نعم؛ قد أنكره الإمام أبو الحسن الطبري المعروف بالكيا فقال في كتابه: (التلويح): نقل عن الشافعي أن الألفاظ إذا تعرت عن القرائن المخصصة كانت نصًّا في الاستغراق لا يتطرق إليها احتمال، وهذا لم يصح عنه، وإن صح عنه فالحق غيره، فإن المسميات النادرة يجوز ألَّا تراد بلفظ عام، ويفهم منه أن التخصيص إذا ورد في موضع آخر كان نسخًا، وذلك خلاف رأي الإمام الشافعي -رحمه الله.

ولعل إمام الحرمين في نقله عن الشافعي كونه قطعية، أخذه من قوله: إنها نص، وهذا الكلام فيه نظر، فإن الشافعي يسمي الظواهر نصوصًا، كما نقله الإمام في (البرهان)، عنه في موضع آخر، وهذا هو الحق، وإليه يشير كلام ابن السمعاني في (القواطع)، فإنه قال: وعن بعض الحنفية أن العموم نص فيما يتناوله من المسميات، وقد سمى الشافعي الظواهر نصوصًا في مجاري كلامه، والأصل أنه لا يسمى العموم نصًّا؛ لأنه يحتمل الخصوص؛ ولأن العموم فيما يدخل فيه من المسميات ليس بأرفع وجوه البيان، ولكن العموم ظاهر في الاستيعاب؛ لأنه يبتدر إلى الفهم ذلك، مع أنه يحتمل غيره، وهو الخصوص.

يقول ابن برهان في الكلام على أن السبب لا يخصص: يجوز أن يكون العام نصًّا في بعض المسميات دون بعض، ولهذا المعنى قال الشافعية: يجوز أن يكون اللفظ الواحد نصًّا في بعض المسميات، وهي الظاهرة التي يقطع بكونها مقصودة صاحب الشرع، ولا يجوز تخصيصها واستخراجها عن مقتضى العام، ويكون ظاهرًا في البعض فيحتمل أن يكون مقصود الشرع، ويحتمل ألَّا يقصده الشرع، فحينئذٍ تقول: شمله العام، ويدخله التخصيص.

وفرق إمام الحرمين بين أدوات الشرط وغيرها، فرأى: أن أدوات الشرط تدل دلالة قطعية، وإنما نقل التخصيص بناء على القرائن، ورأى أن جمع الكثرة يدل ظاهرًا لا قطعًا، واختار الغزالي في (المنخول)، أنه نص في نقل الجمع، ظاهر فيما زاد على ذلك، وخص المازري الخلاف بما زاد على أقل الجمع، أما ما دونه فدلالته عليه قطعية، والمختار الذي عليه أكثر الشافعية أن دلالته عليه بطريق الظهور، اي:دلالة العام على جميع الأفراد بطريق الظهور، وإلَّا لما جاز تأكيد الصيغ العامة؛ إذ لا فائدة فيه، وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: { فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } [الحجر: 30] فهنا جاز تأكيد الصيغة العامة، فـ{ الْمَلَائِكَةُ } عامة، و{ كُلُّهُمْ } تأكيد للملائكة، و{أَجْمَعُونَ } تأكيد للتأكيد أيضًا. 

وهذه المسألة -وهي مسألة دلالة العام على أفراده هل هي قطعية أولا؟- يتفرع عليها مسائل؛ منها: وجوب اعتقاد عموم العام قبل البحث عن المخصص.

ومنها أيضًا: تخصيص العموم بالقياس والخبر الواحد الظنيين ابتداءً، وأيضًا تخصيص العام بالخاص، وأن الخاص يصير منسوخًا بالعام خلافًا لأبي حنيفة.

فمن هنا نقول: هل يجب اعتقاد العموم قبل البحث عن المخصص، إذا ورد لفظ عام هل يجب علي أن أعمل باللفظ العام قبل أن أبحث عن مخصصه، أويجب علي أولًا أن أبحث عن المخصص؟ أيضًا بناء على هذه المسألة هل يجوز تخصيص العموم بالقياس وخبر الواحد؟ العموم إذا كان نصًّا فيكون قطعي الثبوت، لكن القياس والخبر الواحد ظنيين الثبوت، فهل يجوز تخصيص المقطوع بالمظنون؟ أيضًا الخاص هل يصير منسوخًا بالعام؟ فيه خلاف بين الشافعية والحنفية، ومن ثم رجح الإمام الشافعي -رحمه الله- خبر العرايا على خبر التمر كيلًا بكيلٍ، اي:أن الرسول صلى الله عليه وسلم ورد عنه خبرين:

الخبر الأول: وهو أنه سئل عن بيع الرطب بالتمر؛ فقال: ((أينقص الرطب إذا جف؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: فلا إذًا))، ثم بعد ذلك رخص في العرايا، وهي بيع ما في رءوس النخل رطبًا بمثله تمرًا للتفكه، أي: أنه يكون بمقدار لا يزيد عن هذا المقدار يكون ذلك للتفكه، فهنا رخص الرسول صلى الله عليه وسلم في بيع الرطب بالتمر، فالإمام الشافعي رجح خبر العرايا الذي هو خاص بالتفكه، على خبر التمر بالتمر كيلًا بكيلٍ، قولهم: العام ظني الدلالة، والخاص قطعي الدلالة، لا يريدون به أن دلالة اللفظ فيه قطعية، بل إن العام يحتمل التخصيص، والخاص لا يحتمل التخصيص.

error: النص محمي !!