Top
Image Alt

فضل اتباع الصحابة، والعمل بسنتهم، والاقتداء بهم

  /  فضل اتباع الصحابة، والعمل بسنتهم، والاقتداء بهم

فضل اتباع الصحابة، والعمل بسنتهم، والاقتداء بهم

ترك الصحابة لنا أمورًا هي من السنن التي أمرنا باتباعها، وأن نسير على دربها على رغم أنف الممانعين.

فالصحابة قد تبوءوا هذه المكانة؛ لأن عندهم المؤهلات الشرعية والعلمية التي تؤهلهم لهذه المنزلة، ويكفيهم أنهم تلاميذ سيد الخلق، الذين تخرجوا في مدرسته وتلقوا عنه بشكل مباشر، ولو لم يكن لهم إلا ذلك لكفاهم هذا، وهم أصحاب اللسان العربي، فهم عرب فصحاء لم تتغير ألسنتهم، ولم تتأثر بثقافات واردة من هنا أو هناك، وهم أفهم الناس للقرآن الكريم والسنة.

وهم الذين ساهموا في الوقائع وفي النوازل، وهم الذين جاهدوا في الله حق جهاده، وهم الذين نزلت فيهم الآيات، وهم الذين شهدوا ورأوا وسمعوا فهم النبي صلى الله عليه وسلم للآيات، وتطبيقه العملي لها، إلى آخر كل هذه الأمور التي تمتع بها الصحابة، ولم توجد عند غيرهم، وعليه فالصحابة إذا أجمعوا على أمر فهو سنة.

وقد وردت عبارات من جملة من علماء السابقين والمحدثين كلها تنبئ أن الصحابة إذا نقل عنهم إجماع أو ترجيح لأمر، فإن العمل به كالعمل بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي أمرنا بذلك: ((فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)).

والشاطبي -رحمه الله- في (الاعتصام) وفي (الموافقات) يقول: “فيصح أن يطلق على الصحابة أنهم خير أمة بإطلاق، وأنهم وسط -أي: عدول- بإطلاق، وإذا كان كذلك فقولهم معتبر، وعملهم مقتدى به”.

ثم شرع الشاطبي -رحمه الله تعالى- بعد ذلك يسوق الأدلة على هذا، وذكر منها قوله صلى الله عليه وسلم: ((فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ)).

وأيضًا جمهور علماء الأمة قدموا الصحابة عند ترجيح الأقاويل، وبعض العلماء جعل قول أبي بكر وعمر حجة ودليلًا، وبعضهم ضم إليه قول الخلفاء الأربعة، وبعضهم يعد قول الصحابي على الإطلاق -حتى لو كان واحدًا- حجة ودليلًا.

والجمهور يكاد يجمع على أن الصحابة إذا أجمعوا على أمر فهو حجة بلا خلاف.

واختلفت نظرتهم في: هل يكفي قول المشاهير منهم، أم يكفي قول الخلفاء الأربعة؟

لكن كلهم مجمعون على أن قول الصحابي أو عمله سنة، وقد وردت كلمات عن علماء الأمة بذلك، فمثلًا كلمة ابن مسعود -رحمه الله تعالى- المشهورة والتي خرِّجت في أكثر من مصدر من مصادرنا الصحيحة: ابن عبد البر في (جامع بيان العلم)، وابن القيم في (أعلام الموقعين)، والبغوي في (شرح السنة) في كتاب الإيمان: قال ابن مسعود رضي الله عنه: “من كان مستنًّا فليستن بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإنهم كانوا أبرَّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأقومها هديًا، وأحسنها حالًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم”.

وحقيقة هذه كلمة تكتب بماء الذهب، وينبغي على كل مسلم أن يجعلها جزءًا من معتقده.

وكذلك أيضًا كلمة عمر بن عبد العزيز، وهو من أئمة الهدى -رحمه الله تعالى- وقد ذكرها البخاري وغيره في صحيحه: “سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر بعده سننًا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، من عمل بها فهو مهتد، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا”. وفي رواية بعض الزيادات يقول: “ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها”. أي: لا يمكن لأحد أن يغيرها أو أن يبدلها. أو  أن ينظر في رأي خالفها.

ولذلك يقول الشاطبي رحمه الله: “وأما بيان الصحابة؛ فإن أجمعوا على ما بينوه فلا إشكال في صحته أيضًا”. كما أجمعوا مثلًا على الغسل من التقاء الختانين؛ لقوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ} [المائدة: 6].

وهذا الإجماع حجة موجبة للعلم، ولا يعتد بخلاف من خالفهم، كما حكاه مجموعة من علماء الأصول. أما ما لم يجمعوا عليه؛ فإنه يترجح الاعتماد عليه من عدة وجوه، وهذا ما ينبغي أن ندين الله -تبارك وتعالى- به.

وبعض العلماء المحدثين مثل المستشار الدكتور علي جريشة يبين أن سنة الصحابة مصدر للأحكام الدستورية باللغة العصرية، أي: يصح أن تستمد منها القواعد الدستورية التي تبني الأمة عليها مواقفها ودساتيرها وقوانينها التي تحكم العلاقة بين أفرادها.

فالذي ندين الله -تبارك وتعالى- به، ونعتقده اعتقادًا جازمًا أن الصحابة كلهم عدول وثقات، وأنهم مأمونون وصادقون في الإخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مدحهم الله عز وجل في قرآنه، ومدحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته.

فنحن نعتقد عدالتهم بالمعنى الذي ذكرناه، وندين الله -تبارك وتعالى- بذلك، ونقر بهذه العدالة لكل من ثبتت صحبته على ما اصطلح عليه العلماء -رحمهم الله تعالى- في تعريفهم للصحابي، ونُجَرِّم ونؤثِّم من اجترأ على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأقل اجتراء وبأقل الهفوات، فضلًا عمن بالغ وسبَّهم، أو اعتقد كفرهم، والعياذ بالله، أو ما شاكل ذلك.

أيضًا من جملة ما نعتقده في الصحابة أن إجماعهم حجة، وأن أقوالهم في التفسير وفي الفقه هي المقدمة على غيرها، وحين تتعدد آراؤهم فللعلماء مناهج في التفضيل بينها.

أيضًا نمسك عما شجر بينهم من خلاف، ولا نجترئ أبدًا عليهم بسبب هذا الخلاف أو بغيره، لا تصريحًا ولا تلميحًا، وإنما نقول: غفر الله لهم، هم اجتهدوا؛ فبعضهم أصاب، وبعضهم أخطأ، والكل مأجور.

يقول ابن عباس -رضي الله تعالى- ممثلًا لرأي أهل السنة والجماعة الذي ننبه إليه الآن: “لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فإن الله قد أمر بالاستغفار لهم، وقد علم أنهم سيقتتلون”.

يشير رضي الله عنهما إلى قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيم} [الحشر: 10].

error: النص محمي !!