Top
Image Alt

هل المفهوم مستفاد من دلالة العقل أو من اللفظ؟

  /  هل المفهوم مستفاد من دلالة العقل أو من اللفظ؟

هل المفهوم مستفاد من دلالة العقل أو من اللفظ؟

والمفهوم، هل هو مستفاد من دلالة العقل من جهة التخصيص بالذكر، أو هو مستفاد من اللفظ؟ قولان، وكونه مستفادًا من اللفظ؛ قطع به إمام الحرمين في: (البرهان)، ورده الكرخي في نكته، بأن اللفظ لا يشعر بذاته، وإنما دلالته بالوضع، ولا شك أن العرب لم تضع اللفظ دالًّا على شيء مسكوت عنه، فإن اللفظ إما أن يُشعر بطريق الحقيقة أو بطريق المجاز، وليس المفهوم واحدًا منهما، وبنى على هذا أنه لا يصح الاستدلال بكون أهل العربية صاروا إلى المفهوم، فإنهم إنما أخذوه بطريق الاستدلال بالعقل، وقد يخطئون فيكون إذًا نسبتهم كنسبة غيرهم من المخالفين، وهو إما أن يلزم عن مفرد أو مركب، واللازم عن المفرد إما أن يتوقف الصدق، أو الصحة العقلية أو الشرعية عليه، أو لا.

والثاني: أن يقترن بحكم لو لم يكن اقترانه به لتعليله، كان اللفظ به قصدًا من الشارع، فيبينه إيماء كما سبق، والأول يسمى: دلالة الاقتضاء، أي: يتوقف تحقق دلالة ذلك المفرد عليه؛ إما لوجوب صدق المتكلم، كقوله: ((رفع عن أمتي الخطأ))، اي:حكم ذلك أو المؤاخذة؛ لأن عين الخطأ والنسيان موجود؛ وإما لاستحالة المنطوق به عقلًا، كقوله تعالى: { وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ } [يوسف: 82]، فإن العقل يحيل سؤال الجدران؛ فالتقدير: أهل؛ وإما للصحة الشرعية، كقوله: أعتق عبدك عني؛ لاستدعاء تقدير المِلك، إذ العتق لا يحصل إلَّا في مِلك كما سبق أن ذكرنا، وما ذكرناه من جعل الاقتضاء بأقسامه من فن المفهوم، هو الذي صرح به الإمام الغزالي في: (المستصفى)، وجرى عليه الإمام البيضاوي وغيره، وأما الآمدي، وابن الحاجب؛ فجعله من فن المنطوق وهو الإشارة، مع تفسيرهما المنطوق لدلالة اللفظ في محل النطق، وفسروا المفهوم أيضًا؛ بدلالة اللفظ لا في محل النطق.

وهذا بعيد من التوجيه، مخالف لما ذكره أئمة الأصول، فإنهم قالوا: سمي المفهوم مفهومًا؛ لأنه فهم من غير التصريح بالتعبير عنه، وهذا المعنى شامل للاقتضاء، أي: شامل لدلالة الاقتضاء؛ التي هي تنقسم إلى الأقسام الثلاثة، الذي سبق أن ذكرناها، وشامل أيضًا لدلالة التضمن ودلالة الالتزام، وأيضًا شامل للإيماء والإشارة، فتكون هذه الأقسام من قبيل المفهوم لا من قبيل المنطوق، أي: أن الاقتضاء، والإيماء، والإشارة، من قبيل المفهوم وليس منطوقًا، ويمكن أن يُجعل واسطة بين المنطوق والمفهوم؛ ولهذا اعترف بها من أنكر المفهوم.

وقد وقع البحث في كلام ابن الحاجب هنا بين الشيخين: علاء الدين القَوْنَوِي، وشمس الدين الأصفهاني، وكتبا فيها رسالتين، وانتصر الأصفهاني لابن الحاجب؛ بأن فسر المنطوق: بما دل عليه اللفظ في محل النطق؛ فلزم منه جعل الثلاثة منطوقًا؛ لأنها من قبيل ما دل عليه اللفظ في محل النطق، وإن لم يوضع اللفظ بها بخلاف المفهوم، فليراجع كلامهما من أراد، والإمام ابن الحاجب -رحمه الله- جعل دلالة الإشارة ألَّا يقصد وهو في محل النطق.

ومثلها الحنفية، بقوله تعالى: { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ } [الحشر: 8]؛ فإنه يدل على أن الكفار يملكون أموال المسلمين بالاستيلاء، وهذا بطريق الإشارة إليه، فاللهسبحانه وتعالى عندما قال: { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ } [الحشر: 8]، دل على أن هؤلاء المهاجرين، استولى الكفار على أموالهم بطريق القوة والغلبة.

فهذه الآية تدل على أن الكفار يملكون أموال المسلمين بالاستيلاء بطريق الإشارة إليه، أي: بطريق التبعية من غير قصد إلى بيانه؛ لأن الآية سيقت هنا لبيان استحقاق الفقراء من المهاجرين سهمًا من الغنيمة، فالآية لم يكن الغرض من سوقها، هو بيان أن الكفار يملكون أموال المسلمين بالاستيلاء؛ بل كان الغرض أنها تبين أن الفقراء من المهاجرين يستحقون سهمًا من الغنائم.

ولكن وقعت الإشارة إلى أن الكفار يملكون أموال المسلمين بالاستيلاء، من حيث إن الله تعالى سماهم فقراء، مع إضافة الأموال إليهم، والفقير: اسم لعديم المال، لا لمن تصل يده إليه مع كونه مالكًا له، فلو كانت أموالهم باقية على ملكهم؛ لكانت التسمية المذكورة مجازًا، وكما نعلم أن المجاز خلاف الأصل، لكن هذا قد ضُعف بأن التسمية -وإن دلت على ما ذكروه- لكن إضافة الأموال إليهم تدل على بقاء مِلكهم؛ إذ الأصل في الإضافة المِلك، فليس حملهم للإضافة على التجوز، وإجراء التسمية المذكورة على الحقيقة أولى من العكس.

هناك بعض التنبيهات التي ذكرها الإمام الزركشي -رحمه الله- في كتابه: (البحر المحيط)، فقال: “تنبيهات:

الأول: ذكر إمام الحرمين -رحمه الله- في كتابه: (البرهان)، في كتاب القياس، وأشار إلى أن الخلاف لفظي، وليس كذلك، اي: أن الخلاف في المفهوم، هل هو من قبيل اللفظ أو هو من قبيل القياس؟ ذكر أن الخلاف في هذا لفظي؛ بل نقول -هذا ما يقوله الإمام الزركشي-: الأمر ليس كذلك، بل إن الخلاف معنوي، ومن فوائده أنه هل يجوز النسخ به، وإن قلنا: إن دلالة المفهوم لفظية جاز، وإلَّا فلا، وسيأتي في النسخ، ومنها ما حكيناه عن صاحب: (الكشف) أيضًا”.

وقال الغزالي في باب القياس من: (المنخول): “قالوا فائدة الخلاف فيه أنه إن كان قياسًا قُدم عليه الخبر، وإلَّا فلا”.

وقال الأستاذ أبو إسحاق: “هو قياس ولكن لا يُقدم على الخبر، وهذا ما يعتقده في منع التقديم، والخلاف بعده يرجع إلى عبارة انتهى”.

ويقول الزركشي: “سيأتي تقديمه على القياس عند التعارض؛ لأنه أقوى منه، نعم، لو كان القياس علته منصوصة، فالظاهر تقدم القياس عليه؛ لأنه بمنزلة النص”. 

ويقول الإمام ابن التلمساني -رحمه الله-: “من قال مستنده التنبيه بالأدنى على الأعلى، قال: لا فرق بين أن تكون الفحوى قطعية أو ظنية”.

error: النص محمي !!