Top
Image Alt

العوامل التي أثرت في الأدب، والنقد في عصر بني أمية

  /  العوامل التي أثرت في الأدب، والنقد في عصر بني أمية

العوامل التي أثرت في الأدب، والنقد في عصر بني أمية

قبل أن نخوض في تفاصيل هذا الدرس ننبه إلى أن العصور الأدبية متداخلة، أي: ليس هناك فروق حاسمة وحازمة فيما يتعلق بالثقافة والآداب والعلوم الإنسانية بصفة عامة، ومنها النقد الأدبي، فلا توجد فروق فاصلة حاسمة وحازمة تبعًا لتغير العصور؛ لأن المؤثرات التي تحدث في عصر من العصور يمتد تأثيرها إلى العصور التالية، والثقافة والأدب يمكن أن ننظر إليهما على أن المعلومات والمؤثرات فيهما تتراكم.

فالذي حدث في العصر الجاهلي يؤثّر فيما بعده، والعصر الإسلامي له تأثير على العصر الأموي، وما كان في العصر الأموي فله تأثير في العصر العباسي وهكذا؛ لأن الأمم فيما يتعلق بثقافتها وآدابها لا تعرف قطيعة عصر عن عصر، وإنما العصور متداخلة، لكن هناك سمات واضحة تبرز وهي التي يقف عندها الراصدون والباحثون، ويعدّونها علامات أو مميزات تميز عصرًا عن عصر، أو بيئة عن بيئة.

فمثلًا: نستطيع أن نقول: إن النقد الأدبي في العصر الجاهلي كانت السمات الواضحة التي تميزه: أنه نقد يعتمد على الذوق الفطري الخالص، ويجنح إلى التعميم في الأحكام، ويتسم بالإيجاز والتركيز.

ثم عندما ننتقل إلى العصر الإسلامي، نجد هناك مؤثرات حدثت في هذا العصر، وأدت إلى أن تكون هناك سمات واضحة في النقد الأدبي في العصر الإسلامي، من هذه السمات أن النقد في العصر الإسلامي تأثر كثيرًا بتعاليم الإسلام؛ ولذلك وجدنا النقد الأدبي في تقويمه للعمل الأدبي يراعي مبادئ الدين الجديد، ويُعلي من شأن الاتجاه الخلقي.

ثم وجدنا هذا النقد متأثرًا أيضًا بأسلوب القرآن الكريم وبأسلوب الرسولصلى الله عليه وسلم ويُؤْثِر الأسلوب السهل في الشعر البعيد عن التعقيد والتكلف، ورأينا هذا النقد يميل إلى الأدب الذي يتسم بالرقة وحسن التلطف، ولكننا نجد التركيز والإيجاز أيضًا سمة من سمات هذا النقد، وهي سمة موجودة في العصر الجاهلي.

وكذلك كانت الموازنة بين شعر وشعر أو بين شاعر وشاعر في الإسلام أكثر، ووجدنا أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه جعل شروطًا لأن تكون الموازنة بين شاعرين، وهذه الشروط: أن يجمع الشاعرين عصر واحد، وأن يكون الشاعران قد خضعا لمؤثرات متشابهة، وأن يكون الشعر الذي يوازن بينه يكون متحد الغرض، وهكذا نجد أن العصور يؤثر بعضها في بعض.

أيضًا سنجد مؤثرات العصر الإسلامي -مؤثرات القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف- تمتد إلى العصر الأموي، وتمتد إلى ما بعد ذلك من عصور، لكن الذي جَدّ في العصر الأموي وأثر على الحياة السياسية والثقافية والأدبية في هذا العصر، شيء مهم وخطير؛ فقد ظهرت الدولة الأموية، وعرف المسلمون والعرب نظامًا جديدًا في الحكم وتقاليد جديدة في السياسة، وظهرت عوامل اجتماعية جديدة في ظل الدولة الأموية أثرت على الحياة الثقافية بعامة، وأثرت على الحياة الأدبية بخاصة، وكان للنقد حظه من التأثر أيضًا بهذه العوامل الجديدة.

فبعد أن استتبّ الأمر للأمويين، ونشطت حركة الفتوح الإسلامية، واتسعت رقعة الدولة العربية، وتعددت مواردها الاقتصادية؛ ظهرت مظاهر الترف والثراء والعيش الرغيد على أصحاب السلطان ومن حولهم، وتحولت الخلافة على أيدي الأمويين إلى ملك وراثي، على نحو لم يكن المسلمون يعرفونه في عهد الخلفاء الراشدين، وفي عهد الرسول صلى الله عليه وسلمولكي يحافظ الأمويون على هذا السلطان، ويضمنوا بقاء الأمور في أيديهم، استنُّوا طرقًا ليُشغلوا بها العامة عن أمر الحكم، وليتمكنوا من إحكام قبضتهم على الأمور.

من هذه الأمور مثلًا: أنهم أحيوا العصبية القبلية من جديد، وقد كان الإسلام نهاهم عن هذه العصبية وحذّرهم من آثارها، ثم إنهم أحيوا ما يمكن أن نسميه الطبائع البدوية، واستخدموا الدهاء والمال والقوة والترهيب والترغيب في استمالتهم للناس، أو في إرغامهم على الخضوع لهم؛ ومن هنا اتسعت رحاب مجالس خلفاء بني أمية وأمرائهم لكثير من الأدباء والشعراء والخطباء، وفتحوا لهم أبواب دورهم وقصورهم، وفتحوا لهم كذلك خزائنهم، وأشعلوا فيما بينهم روح المنافسة في التفاخر والتنافر والتهاجي، وشغلوا الناس جميعًا بأمر هؤلاء الشعراء، الذين أخذوا يعيدون إلى الأذهان هذه العصبية القبلية القديمة، عندما يفتخرون بأنسابهم وأحسابهم، ويشيدون بمآثر آبائهم وأجدادهم؛ ومن هنا ازدادت أهمية الشعر جدًّا، وأصبح سلاحًا في أيدي أصحاب السلطة والنفوذ، عن طريق شعرائهم الذين قربوهم منهم.

كان الشعر ذا أثر في معركة الإسلام مع المشركين -كما ذكرنا في الدرس السابق- وزادت رقعة الشعر هنا؛ لأن الأمويين كان لهم خصوم كثيرون، فلم يكن الأمر بالنسبة للأمويين سهلًا ولم يكن خالصًا، وإنما كان هناك منافسون ينافسون الأمويين في الدعوة لأنفسهم، وبأنهم أحق بالخلافة منهم، من أولئك: الهاشميون والخوارج والشيعة والزبيريون، وكان لكل حزب من هذه الأحزاب شعراؤه وخطباؤه ومناظروه، واعتُبر العصر الأموي عصرًا مزدهرًا بالشعر والخطابة حقًّا، وسايرت حركة النقد الأدبي هذه النهضة الأدبية وأفادت منها وأثّرت فيها، وتهيأت للنقد في العصر الأموي -كما تهيأ للأدب فيه- مجموعة من العوامل والمؤثرات، التي أثّرت في الأدب وأثرت في النقد على حدٍّ سواء.

أما تأثيرها في النقد فإنها وسّعت مجرى هذا النقد وعمّقته، ورأينا الآراء الشعرية أو الآراء النقدية بالأحرى، التي تتعلق بالشعر وتتعلق بنقده قد كثُرت وزادت، وامتازت بالتوسع في التعليل والتفسير، واكتسبت الموازنات الشعرية صفات لم تكن لها من قبل؛ لكننا نعود إلى هذه العوامل التي أثّرت في الحياة الأدبية وأثرت في النقد الأدبي كذلك، فنذكر من هذه العوامل ما يلي:

أولًا: الصراع السياسي بما خلفه من أحزاب وفِرَق، أخذت تتنافس فيما بينها على تولّي السلطة والحفاظ عليها.

وقد سبق أن أشرنا إلى أن الأمويين لما استولوا على الأمور، اختطّوا لأنفسهم خطة تجعلهم قادرين على المحافظة على ملكهم؛ فأحيوا العصبية القبلية، وشجعوا التهاجي والتنافر والتفاخر بين الشعراء.

ثانيًا: جهود الخلفاء والأمراء من بني أمية، وما أبدوه من اهتمام خاص بالشعر والنقد عن طريق الممارسة؛ فقد كان منهم شعراء وقد كان منهم نقاد، وعن طريق تشجيع الشعراء والأدباء والخطباء والنقاد، الذين قرّبوهم من مجالسهم وشجعوهم على التنافس فيما بينهم، وشغل الناس بما يدور في مجالسهم من مناورات وإنشاد ونقد.

وكانوا يجزلون العطاء لمن يستجيدون شعره أو يستجيدون رأيه، فعاد كل ذلك على حركة الأدب وعلى حركة النقد بالكثير من الفوائد والغنى والثراء.

ثالثًا: تعدد البيئات الأدبية والنقدية، ما بين بيئة بدوية وأخرى متحضرة، وما ترتب على ذلك من اختلاف في النظرة إلى الأدب، والنزعة التي فضلها هؤلاء الشعراء البدويون أو أولئك المتحضرون.

أما هذه البيئات فكانت بيئة دمشق وبيئة العراق، ولكل من هاتين البيئتين نشاط وسمات، صبغت الحياة الأدبية والنقدية فيها، كما كانت الحجاز أيضًا بيئة نشيطة للنشاط الأدبي والنقدي.

أما دمشق فقد تجلت فيها مظاهر الملك وتمثلت عظمته، إذ جعلها الأمويون عاصمة لدولتهم، وسَرَتْ روح الحضارة في جوانبها، واقتنى الخلفاء والأمراء والوزراء في هذه العاصمة الدور والقصور والضياع، وأقاموا الحُجّاب والحراس، وأحيوا كثيرًا من الشمائل العربية التي تعصبوا لها وتشددوا في تطبيقها؛ بهدف دعم سيطرتهم على الملك وتوطيد نظامهم السياسي، فزادوا في الأعطيات وتفنّنوا في منح الجوائز والهبات.

ونشأ مجتمع أدبي محيط بالأمراء والخلفاء والوزراء، كان من أهم مظاهر هذا المجتمع الالتفاف حول المُلك، والاحتشاد بساحته والمفاخرة بالمآثر القبلية، والتعصب لما هو عربي، وأخذت الوفود تتوافد على مقر الخلافة وعاصمة الدولة، ومع هذه الوفود الشعراء والخطباء، وفي مجالس الخليفة أو في مجالس الأمير تدور المناظرات والمحاضرات، وتتم الموازنة بين قول وقول وشاعر وآخر.

أما في العراق فقد حاول الأمويون صرف الناس عن التطلع إلى الملك والسياسة؛ بإثارة التهاجي وتشجيع فن ازدهر في العصر الأموي، وإن كان قد بدأ في العصر الإسلامي، هذا الفن هو فن النقائض بين الشعراء؛ مما كان له أثره الواضح في انتشار الهجاء، ورواج التفاخر بالأمجاد القديمة والآباء والأجداد.

ومن ثَمَّ اتجهت حركة النقد إلى الموازنة بين هؤلاء الشعراء، الذين كانوا يتنافسون في حلبة النقائض، والذين كان من أشهرهم جرير والفرزدق والأخطل، واتجهت أنظار كثير من هؤلاء الشعراء والنقاد والرواة وعلماء اللغة وفرسان البيان إلى البصرة وإلى الكوفة؛ حيث تنعقد المناظرات، وحيث تتم المنافسة بين هؤلاء الشعراء الكبار، حيث أصبح لكل واحد من هؤلاء الشعراء مناصرون يعجبون بشعره، وأحيانا يتعصبون له.

وأما بيئة الحجاز فقد حاول الأمويون أن يغروا أهلها بسلاح النعيم، وأن يغرقوهم في الترف، وأن يحولوا بينهم وبين الهجرة من بيئتهم الحجازية إلى غيرها؛ حتى لا يكون لهؤلاء الحجازيين أثر في الناس، أو دعوتهم إلى التمرد على بني أمية، وظلت مكة المكرمة مقصدًا للعلماء والشعراء والأدباء أيضًا، وظلت المدينة المنورة كذلك مقصدًا للشعراء والأدباء والعلماء، خاصة في مواسم الحج، لكن المقيمين في هذه البيئة من الشعراء والأدباء تأثروا بما أغراهم به الأمويون، واستجابوا لما أراده الأميون منهم؛ إذ شاع في هذه البيئة الركون إلى الترف، والركون إلى اللهو والغناء.

وكثر في هذه البيئة المعجبون بالشعر والغناء والطرب، وظهر فيهم كثير من شعراء الغزل، وقد ترتب على ذلك أن ينشأ في هذه البيئة أيضًا حركة نقدية موازية لهذه الحركة الأدبية؛ إذ اشتغل الذواقون وأصحاب الميل الأدبي بالموازنة بين شاعر وشاعر في تلك البيئة، وبين قول وقول.

وترتب على نشاط الأدب والنقد وازدهارهما في هذه البيئات، التي أشرنا إليها -بيئة الشام أو دمشق والبيئة العراقية وبيئة الحجاز- ظهور ثلاث مدارس أدبية ونقدية مهمة، هذه المدارس هي:

المدرسة الأولى: المدرسة الحجازية: التي اشتُهرت بشعر الغزل، واتسم فيها النقد الأدبي بطابع الذوق الفني المرهف والإحساس الجمالي، والميل إلى الرقة والسهولة، وكان هذا كله تابعًا لأدب هذه البيئة، وما شاع فيها من الترف والثراء، وما شاع فيها من الميل إلى تمثل الجمال، والميل إلى الأساليب التي تعبر عن هذا الجمال.

وقد كان الحجازيون مفطورين على رقة الطبع ودقة الإحساس وسلامة الذوق، وكانوا من أكثر الناس إحساسًا بطبيعة الشعر وتذوقًا لجماله وإدراكًا لمعانيه.

المدرسة الثانية: هي المدرسة الشامية: وقد شاع شعر المدح -كما أشرنا- وشعر التفاخر في هذه البيئة، وحَوْل شعر المدح الذي قيل في الخلفاء الأمويين وأمرائهم ووزرائهم، قامت حركة نقدية نشيطة في مجالس الخلفاء وأنديتهم ومجالس سمرهم.

وقد اعتمدت حركة النقد في هذه المدرسة على الذوق الفطري الذي صقلته الدُّرْبَة، وكثرة النظر في فنون القول ومجالات الإبداع، وشاع في نقد هذه المدرسة الميل إلى الروح القبلية التي أحيا الأمويون التعصب لها، وشاع فيها كذلك الميل إلى كل ما هو عربي قديم، فما وافق منهج القدماء في الأساليب وطرائق التفكير كان هو المفضل في هذه المدرسة.

المدرسة الثالثة: المدرسة العراقية: التي ازدهرت في كل من البصرة والكوفة، وكان فن النقائض في هذه البيئة هو الفن الغالب، فقد كان النقد مشغولًا في هذه المدرسة بالموازنة بين شعراء النقائض: الفرزدق وجرير والأخطل، وكثيرًا ما كانت تنشأ الخصومة حول أي هؤلاء أشعر، وكان بعض النقاد يفضلون الفرزدق وبعضهم يفضلون جريرًا.

وأحيانًا يتم التفضيل على التخصيص، فيفضلون هذا الشاعر في غرض، والشاعر الآخر في غرض آخر، ولأن كثيرًا من علماء اللغة ورواة الشعر قصدوا هذه المدرسة؛ فإن النقد العلمي والنقد اللغوي شاع عند النقاد الذين كانوا أقطابًا في هذه المدرسة.

رابعًا: ما كان يعقده بعض الوجهاء من المجالس الخاصة، حيث كانوا يعقدون هذه المجالس لتناشد الأشعار والنظر فيها -كما سنعرف فيما بعد من نماذج وأمثلة- حيث نجد من هؤلاء الوجهاء مثلًا السيدة سكينة بنت الحسين -رحمها الله- حيث كانت تنظر في شعر الشعراء، وتسألهم وتحكم بينهم أحيانًا.

خامسًا: كان لازدهار حركة الشعر وحركة الخطابة في العصر الإسلامي وفي العصر الأموي أثر في مد هذه الحياة النقدية بمادة وفيرة، يتدارسها النقاد ويحكمون عليها، فقد أصبح هؤلاء الشعراء يمثلون نزعات مختلفة ومذاهب متعددة، ومن هنا كانت أشعارهم مجالًا خصبًا لهذا النقد الذي اتخذ منها موضوعًا له.

سادسًا: وفي العصر الأموي أيضًا جد مؤثر جديد لم يكن موجودًا من قبل، هذا المؤثر هو أن كثيرًا من الناس الذين لم يكونوا عربًا دخلوا الإسلام، وأصبح هؤلاء مطالبين أمام أنفسهم بتعلم اللغة العربية، فبعدت السليقة عن طبعها الأول بطبيعة الحال؛ بسبب اختلاط هؤلاء الأعاجم بالعرب، وأصبحت ملكة الأدب عند هؤلاء -وكذلك ملكة النقد- تُكتسبان اكتسابًا، وكلما بعد العهد بالجاهلية قوي الحرص على تنظيم اللغة العربية، وحمايتها مما يمكن أن يلحقها بسبب أولئك الذين يكتسبونها تعلمًا، ولم تكن عندهم فطرة أو سليقة، وإلا كثر الدرس والبحث في مفردات هذه اللغة وتراكيبها، وما يتعلق بشعرها وأدبها ووضعت القواعد.

وكان القرن الثاني حافلًا بتدوين العلوم، واستقرار ما شاع من المعارف، وكانت البصرة والكوفة أحفل المدن بالعلماء وأغزرها ثقافة، وأبعدها أثرًا في تأسيس العربية ووضع قياسها وتوضيح سبلها، وكانتا أسبق المدن عناية بكلام العرب ولغاتها وغريبها، وكل ما عَلِمَتْ في الجاهلية والإسلام، وكان للنقد الأدبي نصيب كبير من تلك العناية.

وكما يقول الأستاذ طه أحمد إبراهيم في كتابه (تاريخ النقد الأدبي عند العرب): “فلأول مرة نجد نوعًا من النقد يراد به العلم، وتراد به خدمة الفن الشعري وخدمة تاريخ الأدب، نجده عند اللغويين في هذين المِصْرَين -يعني: البصرة والكوفة- وعند كثير من النحاة، فلا عصبية ولا هوى جائرًا، ولا تأثرًا حاضرًا ولا انحرافًا عن الحق رغبة أو رهبة، وإنما هو الشعور الهادئ والتحليل والدليل، وقرع الحجة بالحجة وذكر الأسباب، وهذا النقد متشعب فسيح، يمس الأداة العربية كلها، ويحلل النصوص من جميع نواحيها ضبطًا وبنية وتركيبًا وفنًّا.

من هذا النقد ما يقوم على الأصول الفنية التي قُررت في اللغة وفي النحو وفي العَرُوض، ومنه ما يقوم على الأصول الفنية التي قررت في تقرير الأدب، وقد يكون غير النقد الأدبي مما ليس في باب الموضوع، ولكن الإلمام به يوقفنا على ضروب جديدة من النقد في اللغة العربية، ويحدد لنا تحديدًا قويًّا مظاهر النقد الأدبي عند اللغويين والنحاة، والأسباب التي دعت إلى تنظيم النقد الأدبي منذ أواخر القرن الأول هي عين الأسباب التي دعت إلى تدوين اللغة ووضع العلوم اللسانية المختلفة، فقد كان الفتح الإسلامي جليل الخطر بعيد الأثر في اللغة العربية، كان بعيد الأثر في انتشارها واتساع رقعتها، وكثرة عدد المتكلمين بها، وكان بعيد الأثر في تسرب الفساد إليها وتطرق اللحن والتحريف.

فهذه اللغة التي كانت مقصورة في الجاهلية على شبه جزيرة العرب وما يكتنفها من كثب، جاوزت الآن حدودها القديمة، وسرت إلى أقطار عدة في المشرق والمغرب، وهؤلاء العرب الذين لم يرحلوا إلى أبعد من الشام والحيرة واليمن، أصبحوا وقد انتشروا في الأرض، ورحلت منهم قبائل إلى البلاد المفتوحة وأقامت فيها، وهذه الأمم الأجنبية التي دخلت في الإسلام حرص كثير من أبنائها على تعلم لغة الفاتحين، واتخاذها أداة للتفكير والتعبير؛ تزلفًا للعرب وجلبًا للمنافع والأرزاق.

وهذه الأمور مجتمعة أوجدت في اللغة أعراضًا خطيرة، فالعربي في خراسان مثلًا بعيد عن قومه، بعيد عن قرارة لغته، وهو إن استطاع أن يتحفظ من الزلل، وأن يظل على سليقته في الإبانة والإفصاح، فإن أبناءه الناشئين في تلك البلاد لا يمكنهم أن يحتفظوا بسليقتهم، وأن يتكلموا دائمًا على الوجه المرضيّ الصحيح، والأجانب الذين أخذوا أنفسهم بتعلم العربية وعاشوا في بلادهم، أو في مدينة كالبصرة مثلًا فيها العربي والفارسي، هؤلاء الأجانب لا يتأتى لهم أن يصححوا كل ما ينطقون، وأن يعصموا أنفسهم من الزيغ والالتواء.

من ذلك نشأ اللحن؛ نشأ من العرب أنفسهم، ونشأ من الموالي الذين يقيمون بين العرب، وذلك هو سر وضع النحو ومبعث الإقبال على تعلمه من العرب والموالي معًا، أراد العرب منه أن يصونوا ألسنتهم من الزلل واللحن المعيب، أرادوا منه دفع مضارّ واتقاء مزالق، وقصد به الموالي وضع أصول تحلل لهم تراكيب اللغة، وتربي فيهم ملكة الإبانة، وتهوِّن عليهم ضبط أواخر الكلمات، قصدوا به ما نقصده نحن من دراسته اليوم.

ونما هذا العلم الجديد وكثرت مسائله، وتنوعت فيه وجوه الرأي، ووجد فيه مذهبان؛ مذهب أهل البصرة ومذهب أهل الكوفة، وكانت فيه طبقات متعاقبة من رجال المذهبين -هو هنا يتحدث عن علم النحو- فمن متقدمي نحاة البصرة: عنبسة الفيل، وعبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، وعيسى بن عمر الثقفي، والخليل بن أحمد، وسيبويه، وحماد بن سلمة، والنضر بن شُميل، ومن متقدمي نحاة الكوفة: الرؤاسي أستاذهم في النحو، ومعاذ الهراء، والكسائي، والفراء.

كان هؤلاء النحاة يتتبعون كلام العرب؛ ليستنبطوا منه قواعد النحو، أو وجوه الاشتقاق أو الأعاريض التي جاء الشعر عليها، وهذا الاستنباط يجرهم بالضرورة إلى نقد الشعر، لا من حيث عذوبته أو رقته أو جماله الفني، بل من حيث مخالفته للأصول التي هداهم استقراؤهم إليها في إعراب أو وزن أو قافية، فأظهروا بعض ما وقع فيه شعراء الجاهلية من الخطأ في الصياغة” انتهى كلامه.

وقد أدى هذا إلى وجود عصبية من نوع جديد غير العصبية القبلية، فوُجدت عصبية للعرب أو عصبية ضد العرب في ظاهرة أطلق عليها ظاهرة الشعوبية.

على أية حال، ظهرت اتجاهات عامة للنقد بسبب هذه العوامل وبسبب هذه المؤثرات، وتتسم هذه الاتجاهات العامة في النقد في العصر الأموي بالوضوح، وتمتاز بالأصالة الفنية، والعمق في فهم النصوص على هدي من الذوق المرهف، والتعليل العلمي الذي يعد جديدًا في باب النقد الأدبي في هذا العصر، والاتجاهات النقدية التي ذكرها علماء النقد ومؤرخوه، والتي ظهرت في العصر الأموي تتمثل في اتجاهات ثلاثة.

فقد اختلفت النظرة إلى الشعر حينئذ اختلافًا شديدًا، ولم تلتق الآراء في الاستمتاع به عند وجهة واحدة، بحيث تجتمع لديها الأذواق والأهواء والأفكار، فاتجه كل فريق إلى غايته في الاستحسان والاستهجان.

ويذكر الدكتور عبد الرحمن عثمان أنه يلاحظ أمرين مهمين في هذا المقام:

الأمر الأول: هو اعتداد العلماء من النحاة واللغويين بآرائهم النقدية؛ لاتصالها بالقواعد المقررة لديهم، فقد قال الخليل بن أحمد لابن مُنَاذِل الشاعر وهو يعرض عليه شعره: “إنما أنتم معاشر الشعراء تبع لي، وأنا كراكب السفينة إن قررتكم ورضيت قولكم نفقتم -أي: قَبِل الناس منكم شعركم- وإلا كسدتم”.

الأمر الثاني: اتخاذ الجودة الفنية وحدها أساسًا في تقويم الشعر، فلم ينظروا إلى دين الشاعر أو لون حياته الخاصة وهم يحكمون على فنه، وإنما فصلوا ذلك عن النقد فصلًا كاملًا.

يقول الأصمعي في صدد الحديث عن أخلاق الحطيئة ونسبه وشعره: “كان الحطيئة جشعًا سئولًا، مُلحًّا، دنيء النفس، كثير الشر، قليل الخير، بخيلًا، قبيح المنظر، رَثّ الهيئة، مغموز البيت، فاسد الدين، وما تشاء أن تقول في شاعر من عيب إلا وجدته، وقلما نجد ذلك في شعره، ونراهم لم يغمطوا حق الأخطل النصراني لدينه”.

إذًا هذا نص من كلام الأصمعي يدل على ملمح مهم في النقد في العصر الأموي، فهم عندما كانوا يُقوِّمون الكلام كانوا يقومونه في حد ذاته، دون أن يدخلوا في هذا النقد، أو في هذا التقويم صفات صاحبه أو عقيدته، وهذا سَبْق يجب التنويه به.

error: النص محمي !!