Top
Image Alt

العوامل التي تجزم فعلًا واحدًا

  /  العوامل التي تجزم فعلًا واحدًا

العوامل التي تجزم فعلًا واحدًا

ثانيًا: جزم المضارع بعد عوامل الجزم:

ذكرنا -فيما تقدم- أن جزم المضارع حالة لا يكون فيها المضارع المعرب مرفوعًا ولا منصوبًا، وأن علامة الجزم فيه قد تكون هي السكون، أو حذف النون، أو حذف لامه المعتلة.

والنحويون يعرفون الجزم في الاصطلاح على القول: بأن الإعراب لفظي بأنه السكون أو ما ينوب عنه، وعلى القول: بأن الإعراب معنوي؛ بأنه تغيير مخصوص علامته السكون، أو ما ينوب عنه.

وعوامل الجزم نوعان:

1. نوع يجزم فعلًا واحدًا “كلام” الأمر، و”لَمْ”.

2. ونوع يجزم فعلين “كإن” الشرطية.

وتسمى هذه العوامل بالجوازم؛ لأن الجزم في اللغة: القطع، وهذه العوامل تقطع مِن الفعل حركةً إن كان صحيحَ الآخر، وتقطع منه حرفَ علة إن كان معتل الآخر، أو حرفًا شبيهًا بحرف العلة -وهو النون- التي جُعلت علامة للرفع في الأفعال الخمسة. والسر في عمل هذه الجوازم الجازمة هو أن أصل الجوازم هو إنْ الشرطية؛ لاعتبارها أم أدوات الشرط، وقد عملت الجزم؛ لأنه لما طال ما تقتضيه من الشرط والجزاء اقتضَى الجزاء تخفيفه بالجزم الذي هو إسقاط وتخفيف، وحملت لَمْ على “إنْ” في عمل الجزم؛ لما بينهما من التشابه، حيث إنَّ “لَمْ” تنقل الفعل إلى المضي، و”إنْ” تنقله إلى الاستقبال، وكذلك الشأن في “لَمَّا”. وأما لام الأمر نحو: لتضربْ، فقد جزمت بالحمل على فعل الأمر للمخاطب نحو: اضرب، للاتفاق في المعنى، وحملت “لا” الناهية على “لام” الأمر من حيث كانت نظيرة لها في الطلب؛ لأنها لطلب الترك، واللام لطلب الفعل، وكذلك حمل بقية أدوات الشرط الجازمة على إنْ؛ لاتفاقهما في الدلالة على الشرط، وهو تعليق حصول مضمون جملة على حصول مضمون جملةٍِ أخرى في المستقبل، وأما نحو: إذا، وكيف، ولو، من أدوات الشرط غير الجازمة فلمخالفتها لبقية أدوات الشرط، سُلِبَ منها ما أعطِيَ لهذه الأدوات، وهو الجزم.

النوع الأول: ما يجزم فعلًا واحدًا:

قد جمع ابن مالك الحروفَ التي تجزم فعلًا واحدًا في قوله:

بِلاَ وَلاَمٍ طَالِبًا ضَع جَزمَا

*فِي الفِعلِ هَكذَا بِلَم وَلمَّا

فهذه أربعة أحرف تجزم فعلًا واحدًا، وهي لا الطلبية، ولام الطلب، ولَمْ، ولمَّا.

وفيما يلي حديث مفصل عن كل حرف من هذه الأحرف:

أولًا: لا الطلبية:

هي الحرف الموضوع في الأصل لطلب ترك الفعل، وتكون للنهي، نحو قوله تعالى: {يَبُنَيّ لاَ تُشْرِكْ بِاللّهِ} [لقمان: 13] وقوله سبحانه: {وَلاَ تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحاً} [الإسراء: 37] وقوله: {لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ كَذِباً} [طه: 61] وتكون للدعاء كما في قوله تعالى: {رَبّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] وتكون للالتماس كقولك لنظيرك: لا تترك عملَ اليوم إلى الغد. والفرق بين النهي والدعاء والالتماس؛ أن النهي: طلب ترك يَصْدر من الأعلى للأدنى، والدعاء: طلب ترك يَصْدر من الأدنى للأعلى، والالتماس: طلب ترك يَصْدر من مساوٍ لمساويه من غير استعلاء.

وتسميتها لا الطلبية أجودُ من تسميتها لا الناهية؛ لأن الطلبية تشمل النهي والدعاءَ والالتماس، وإذا خَرَجتْ “لا” عن الطلب واستُعملت في غيره كالتهديد على سبيل المجاز، كانت جازمةً أيضًا، كما في قول السيد لغلامه: لا تطعني، وتقييد “لا” الجازمة بكونها طلبيةً يُخرج لا النافية ولا الزائدة، فكلاهما لا يعمل شيئًا في المضارع، وقد حكى الفراء عن العربي جزمَ الفعل المضارع بعد لا النافية التي يصلح قبلها “كي” وذلك في قولهم: ربط الفرسَ لا ينفلت، حكاه بضم التاء وسكون التاء، وذلك لا يصلح حجةً لمجيء لا النافية جازمةً؛ لأن هذا الكلام مبني على توهم وتقدير شرط، وتقدير الشرط: إن أربطه لا ينفلت.

وكذلك ما حكى من قولهم: جئته لا يكن علي حجة، فهو على تقدير: إن أجِئْه لا يكن له علي حجة، وقال الرضي في هذا: لا مانع أن يُجعل لا في مثله للنهي.

الخلاف في أصل “لا” والجزم بها:

جمهور النحاة على أن لا الطلبية حرف بسيط عامل بنفسه في المضارع، وهذا هو الراجح، وفيها قولان آخران:

أولهما -لبعض النحويين-: يزعم أن لا أصلها لام الأمر زِيدة عليها ألف، فانفتحت، وحدث لها بذلك معنًى جديد وهو طلب الكف.

والثاني -للسهيلي-: يزعم أن لا الطلبية هي لا النافية، وأن الجزم بعدها بلام أمر مقدرة قبلها، ليتصلَّت الأمر على النفي فيصير نهيًا، وقد حذفت لام الأمر؛ كراهةَ اجتماع لامين في اللفظ.

والقول الأول دعوة بلا دليل، والقول الثاني كذلك، مع ضعفه من وجه آخر وهو أن النهي إنما هو طلب الكف لا طلب النفي بمعنى الانتفاء.

الأفعال التي تدخل عليها لا الطلبية:

1. المضارع المبني للمفعول يكثر دخول لا الطلبية عليه، سواء أكان لمتكلم نحو: لا أخرج، ولا نخرج، أن كان لمخاطب نحو: لا تخرج، لا تخرجَا، لا تخرجوا، أن كان لغائب نحو: لا يخرج، لا يخرجَا، لا يخرجوا.

2. المضارع المبني للفاعل يكثر دخول لا الطلبية عليه إذا كان مسندًا إلى المخاطب، نحو: لا تخرج يا فلان، لا تخرجَا، لا تخرجوا، أو إلى الغائب نحو: لا يخرج فلان، لا يخرجَا، لا يخرجوا، وإنما كثر دخولها على المضارع في هذه الأحوال؛ لاختلاف الناهي والمنهي فيها؛ فالناهي هو المتكلم والمنهي في المضارع المبني للمفعول هو الفاعل المحذوف، لأن الأصل في أمثلته قبل البناء للمفعول: لا يخرجني أحد، ولا يخرجنَا أحد، ولا يخرجك أحد، ولا يخرجوكما أحد، ولا يخرجكم أحد، ولا يخرجه أحد، ولا يخرجهما أحد، ولا يخرجهم أحد، فالنهي في ذلك كله موجه من المتكلم إلى الفاعل وهو أحد الذي حذف عند البناء للمفعول وأنيب عنه المفعول، واقتضى ذلك جعل حرف المضارعة همزةً مع المتكلم ونونًا مع جماعة المتكلمين وتاءً مع المخاطب، وكذلك الشأن في المضارع المبني للفاعل، فالناهي فيه هو المتكلم، والمنهي هو المخاطب أو الغائب.

وأما المضارع المبني للفاعل المسند إلى المتكلم مفردًا أو جماعةً، فَمَن النادر دخول لا الطلبية عليه وجزمه بها؛ لأن المتعارف أن الإنسان لا ينهَى نفسَه على سبيل الحقيقة، بل ينزل نفسه منزلة الأجنبي، وفي ذلك ما فيه من التكلف، أو يجعل المسبب مكانَ السبب، كما في قولهم: لا أرينك ها هنا، بمعنى: لا تنزل بهذا المكان فإنك إنْ نزلتَ به رأيتك. وكذلك قول النابغة:

لا أعرفن ربربًا حورًا مدامعها

*مردفاتٍ علَى أعْقَابِ أكواري

معناه: لا تتعرضوا لحِمَى الحارث الغساني فيسبي نساءكم، فأراهن خلف الرجال أسيراتٍ، أقام المسبب وهو “أعرفن” مقامَ السبب وهو “تعرضهم لحمى الملك”.

ومثله قول الوليد بن عقبة:

إذا ما خرجنا من دمشق فلا

*نعد لها أبدًا ما دام فيها الجُرادم

“الجُرادم”: الواسع البطن، والشاهد فيه قوله: “فلا نعد” حيث دخلت لا الطلبية على فعل الفاعل المسند إلى المتكلم، وذلك نادر.

هل يجوز الفصلُ بين لا الطلبية وبين الفعل المجزوم بها؟

لا يجوز الفصل بين لا الطلبية وبين المضارع المجزوم بها إلا في ضرورة الشعر. ومما ورد من ذلك قول الشاعر:

وَقالوا أَخَانَا لا تخَشَّع لِظالِمٍ

*عَزيزٍ وَلا ذا حَق قَومِكَ تَظلِمِ

فقد فصل الشاعر هنا بين لا ومجزومها “تظلم” بفاصلين هما: المنادَى “ذا” والمفعول المقدم “حق قومك” وأصل التركيب: ولا تظلم يا هذا حق قومك. وأجاز بعض النحويين الفصلَ بينهما في قليل من النثر لكن بالظرف أو الجار والمجرور، نحو: لا اليوم تخرج، ولا في غد تسافر.

ثانيًا: لام الطلب:

هي حرف موضوع في الأصل لطلب الفعل، وهذا الطلب يكون أمرًا من الأعلى للأدنى، نحو قوله تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مّن سَعَتِهِ} [الطلاق: 7] ويكون دعاءً من الأدنى للأعلى كما في قوله تعالى: {لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبّكَ} [الزخرف: 77] ويكون التماسًا من المساوي للمساوي، نحو قولك لصديقك: لتفعل كذا وكذا.

وتسميتها بلام الطلب أولى وأجودُ من تسميتها بلام الأمر؛ ليشمل الطلب هذه الأنواع الثلاثة: الأمر، والدعاء، والالتماس. وإذا خرجت لامُ الطلب عن الطلب إلى غيره لم يؤثر ذلك في عملها، بل تظل جازمةً؛ فمن ذلك: أنها يُراد بها وبمصحوبها الخبر في قوله تعالى: {قُلْ مَن كَانَ فِي الضّلاَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرّحْمَـَنُ مَدّاً} [مريم: 75] ويراد بهما التهديد في قوله تعالى: {وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] ومع ذلك ظل الجزم بها باقيًا.

حركة لام الطلب:

قال المصرح: أصل لام الأمر السكون؛ لأن الأصل عدم الحركة، لكن منع منه أنه قد تكون في الابتداء، والابتداء بالساكن متعذر فكُسرت، وقال المرادي: لهذه اللام الأصالة في السكون من وجهين:

أحدهما: مشترك وهو كون السكون مقدمًا على الحركة.

والثاني: مختص، وهو أن يكون لفظها مشاكلًا لعملها كما فعل بباء الجر.

وهي في الكسر محمولة على باء الجر ولامه؛ لأنها أختهما في الاختصاص بنوع وعملها فيه، وقد تفتح هذه اللام على لغة “سُليم” فيقولون: ليقم زيد، ذكر ذلك الفراء في معانيه.

وقيده بعضهم: بأن يكون حرف المضارعة بعدها مفتوحًا كما في المثال المذكور، بخلاف نحو: لتكرم زيدًا، وإذا وقعت هذه اللام بعد الواو أو الفاء أو ثم، رجعت إلى سكونها الأصلي غالبًا كما في قوله تعالى: {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186] وقوله تعالى: {ثُمّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ وَلْيَطّوّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29] وتسكين هذه اللام بعد الواو والفاء أكثرُ من تحريكها؛ لشدة اتصال كل واحدة منهما لِمَا بعدها لكونها على حرف واحد، فتصير معه بمنزلة كلمةٍ واحدةٍ، فتُخفف بحذف الكسرة منها كما يخفف نحو: كتف، وفخذ -بتسكين الوسط- وأما ثم: فالكسر بعدها أكثر؛ لكونها على ثلاثة أحرف، وإنما جاز تسكين اللام بعدها؛ حملًا على الواو والفاء، فلا تكون مثلهما فيه، وقد وصفه ابن مالك بأنه قليل.

قال في (شرح التسهيل): “إذا وقعت لامُ الأمر بعد الفاء والواو وثُم جاز تسكينُها؛ حملًا على “فَعِلْ” وإجراءً للمنفصل مجرَى المتصل؛ لكثرة الاستعمال، وهو مع الواو والفاء أعرف من التحريك. ثم قال: وأما تسكينُ اللام بعد ثم فقليل، ومنه قراءة أبي عمرو وغيره: “ثم ليقضوا تفثهم”[الحج: 29]”.

وقال المرادي عن تسكين اللام بعد ثم: وليس بضعيف ولا مخصوص بالضرورة، خلافًا لزاعم ذلك، وبه قرأ الكوفيون، وقالون، والبَزي: “ثم ليقطع”[الحج:15].

الأفعالُ التي تدخل عليها لام الطلب:

1. المضارع المبني للمفعول يكثر دخول لام الطلب عليه، سواء أكان لمتكلم نحو: لأكرَم، ولنكرم، أم لمخاطب نحو: لتكرم يا زيد، ولتكرمَا يا زيدان، ولتكرموا يا زيدون، أم لغائب نحو: ليكرم زيد، وليكرمَا، وليكرموا.

2. المضارع المبني للفاعل يكثر دخول لام الطلب عليه إذا أسند إلى الغائب وحده، نحو: ليكرم زيدا عمرَا، ومنه الحديث: ((مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرِمْ ضيفَه)) وإنما كثر دخول لام الطلب على ما تقدم؛ لاختلاف الآمر والمأمور فيه، فإن الآمر هو المتكلم، والمأمور في المضارع المبني للمفعول هو “أحد” الذي كان فاعلًا قبل بناء الفعل للمفعول، والأصل في “لأكرم”: ليكرمني أحدٌ، وفي “لتكرم”: ليكرمك أحد، وفي “ليكرم”: ليكرميه أحد، والمأمور في المضارع المبني للفاعل هو الفاعل المذكور.

3. أما المضارع المبني للفاعل المسند إلى المتكلم نحو: لأضرب، ولنضرب، فدخول لام الطلب عليه قليل؛ لأن المتكلم لا يأمر نفسَه إلا على سبيل المجاز، وهو مع قلته جائزٌ في السعة والاختيار؛ لورود السماع به. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((قوموا، فليصل لكم)) في رواية حذف الياء، قال ابن مالك في (شواهد التوضيح): “واللام عند حذف الياء لام الأمر، ويجوز فتحُها على لغة “سُليم” وتسكينها بعد الواو والفاء وثم على لغة “قريش” وحذف الياء علامة الجزم، وأَمْر المتكلم نفسه بفعل مقرون باللام فصيح قليلٌ في الاستعمال”.

ومن ذلك أيضًا: قوله عز وجل: {وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} [العنكبوت: 12] فإن كان مسندًا إلى المخاطب نحو: لتضرب، ولتضربَا، ولتضربوا، فدخول لام الطلب عليه أقل من دخولها على المسند إلى المتكلم عند الجمهور، حيث قالوا: الأكثر الاستغناء عن ذلك بفعل الأمر نحو: اضرب، واضربَا، واضربوا، لكن وصف الزجاجي ذلك بأنه لغة جيدة، حيث قال في (الجمل): “وإذا كان الأمر للمخاطب باللام كان مجزومًا بها كقولك: لتخرج يا زيد، ولتركبْ يا عمرو، وهي لغة جيدة. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: “فبِذَلك فَلْتفرحُوا” [يونس: 58] ومما ورد من ذلك أيضًا قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: ((لتأخذوا مصافكم)) وقول الشاعر:

لتقم أنتَ يا ابنَ خير قريش

*فلتقض حوائجَ المسلمين

وإنما حكم بعض النحويين على هذه اللغة بأنها ردئية؛ لأن صيغةَ الأمر تغني عنها، وهي أخف منها وأكثر استعمالًا”.

هل تُحذف لام الطلب ويبقَى عملها؟

للنحويين في ذلك ثلاثة مذاهب:

المذهب الأول: وهو مذهب الجمهور: أنه لا يجوز حذفُها مع بقاء عملها إلا في الشعر خاصةً؛ لأن الشعر محل ضرورة، ومما ورد من ذلك قول الشاعر:

مُحَمَّد تَفدِ نَفسَكَ كُلُّ نَفسٍ

*إِذا ما خِفتَ مِن أمر تَبالا

 

والشاهد فيه قوله: “تفدي” فإنه فعل مجزوم بلام محذوفة، والأصل: لتفدي، فحُذفت اللام وبقي عملها للضرورة.

ومنه أيضًا قول الشاعر:

فلا تستطٍلْ مني بقائي ومددتي

*ولكن يكن للخير منك نصيب

والشاهد فيه قوله: “يكن” فإنه مجزوم بلام أمر محذوفة، والأصل: ليكن، فحذفت اللام وبقي عملها في ضرورة الشعر.

المذهب الثاني: مذهب المبرد: وهو أنه لا يجوز حذفها مع بقاء عملها لا في شعر ولا في نثر، وقال عن البيت الأول: إنه لا يعرف قائله، وقال غيره: يحتمل البيت أن يكون دعاءً بلفظ الخبر، وأصله: تفدي، كما تقول: يغفر الله لك، فحذفت الياء؛ تخفيفًا واجتزاءً عنها بالكسرة. وأما البيت الثاني فلم يتعرض له المبرد، وأجاز فيه الدّمامني أن يكون تسكين نونه لأجل الإدغام الجائز، والأصل فيه الرفع، ولكن يكون، فأبدل النون لامًا وأدغم، فالتقت الواو الساكنة مع اللام المدغمة فحذفت للضرورة لا لالتقاء الساكنين؛ لأن التقاءَ الساكنين في ذلك ونحوه على الحد المغتفر.

المذهب الثالث: مذهب الكسائي ومن وافقه: وهو أنه يجوز حذفها وبقاء عملها في النثر، بشرط تقدم قول بصيغة الأمر، كما في قوله تعالى: {قُل لّعِبَادِيَ الّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصّلاَةَ} [إبراهيم: 31] فالأصل عنده: “ليقيموا” فحذفت لام الطلب وبقي عملها في الاختيار؛ لتقدم قول بصيغة الأمر عليها، وتبع ابن مالك الكسائي في (شرح الكافية) على إيجازة ذلك في النثر، وذكر أنه على ثلاثة أضرب:

الأول: كثير مضطرد، وهو حذف اللام بعد قولٍ بصيغة الأمر كما في الآية.

والثاني: قليل جائز في الاختيار، وهو حذفها بعد قول غير أمر كما في قول منصور بن مرثد الأسدي:

قلت لبواب لديه دارها

*تِيْذن فإني حمؤها وجارها

قال ابن مالك: الأصل “لتأذن” فحذف اللامَ وكسر حرف المضارعة، وليس الشارع مضطرًّا إلى الحذف لتمكنه من أن يقول: ائذن، وقوله: “وليس الشاعر مضطرًّا”: أراد به دفع الاعتراض؛ لأنه لا يصح الاستشهادُ بالشعر على جواز وقوع شيء في الاختيار، ومعناه: أن حَذْف اللام مع بقاء الجزم بها في البيت ليس ضرورةً شعريةً؛ لأن الضرورة عنده ما ليس بالشاعر عنه مندوحة، والشاعر هنا له مندوحة عما فعل لتمكنه من أن يقول “ائذَنْ” بفعل الأمر دون أن يخل بالمعنى أو الوزن.

ثم قال ابن مالك: وليس لقائل أن يقول: إن هذا من تسكين المتحرك على أن يكون الفعل مستحقًّا للرفع فسُكِّن اضطرارًا؛ لأن الراجز لو قصد الرفع لتوصل إليه مستغنيًا عن الفاء، فكان يقول: تأذن إني. وقوله: “مستحقًّا للرفع” معناه: أن يُجعل هذا الفعل مجردًا من الناصب والجازم. وما ذهب إليه في تحديد الضرورة الشعرية يقابله قول القائلين: بأن الضرورة الشعرية هي كل ما وقع في الشعر مما لا يقع مثلُه في النثر. وعلى هذا القول يكون الفعل “تيذن” مرفوعًا؛ لتجرده من الناصب والجازم، وسكن للضرورة الشعرية.

والثالث: قليل مخصوص بالضرورة وهو حذف اللام مع بقاء عملها دون تقدم قول بصيغة أمر، ولا بخلافها. ومن شواهد ذلك البيتان اللذان استشهد بهما الجمهور في المذهب الأول.

ثالثًا، ورابعًا: جزم المضارع بـ”لَمْ” وجزمه بـ”لَمَّا”:

مثال الجزم بلَمْ: قوله تعالى: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لّهُ كُفُواً أَحَدٌ} [الإخلاص:3- 4] ومثال الجزم بلَمَّا قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنّةَ وَلَمّا يَأْتِكُم مّثَلُ الّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم} [البقرة: 214].

وهذان الحرفان يشتركان في ست صفات، وتنفرد “لم” عن أختها بخمس صفات، وتنفرد عنها أختُها “لَمَّا” بأربع صفات. وفيما يلي تفصيل ذلك:

الصفات المشتركة بين لَمْ ولَمَّا:

تتفق لم ولما في أنَّ كلًّا منهما حرف يختص بالمضارع ويجزمه، وينفي معناه، ويقلب زمنَه إلى المضي، ويجوز أن تدخل عليه همزة الاستفهام مع بقاء الجزم به. فهذه ست صفات.

ومن شواهد دخول همزة الاستفهام عليهما مع بقاء الجزم بهما: قوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشرح: 1].

وقول النابغة الذبياني:

عَلى حينَ عاتَبتُ المَشيبَ عَلى الصِبا

*وَقُلتُ أَلَمّا أَصحُ وَالشَيبُ وازِعُ

وأصله في البيت مضارع صحا من باب: نصر، وهو مجزوم “بلمَّا” المسبوقة بهمزة الاستفهام، وعلامة جزمه حذف الواو.

 الصفات التي تنفرد بها لم:

هي خمس صفات؛ إيجازها:

  • جواز مصاحبتها بالشرط.
  • جواز انقطاع نفي منفيها.
  • وجواز الفصل بينها وبين مجزومها في الضرورة.
  • وجواز إلغاؤها وعدم الجزم بها.
  • وجواز النصب بها عند بعض العرب.

وفيما يلي تفصيل ذلك:

1. جواز مصاحبة “لَمْ” للشرط كما في قوله تعالى: {وَإِن لّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67] ولا يجوز: إن لما تفعل. وذكر النحويون في تعليل ذلك أمرين:

أولهما: أن لَمْ لنفي فعل، ولما لنفي قد فعل، فحُمل منفي كل على مثبته، فلما كان مثبت لم يفعل -وهو فعل- يصحب أداة الشرط نحو: إن فعل كذا حدَثَ كذا، جاز أن يقال: إن لم يفعل، ولما كان مثبت لَمَّا يفعل -وهو قد فعل- لا يصحب أداةَ الشرط؛ لأنه لا يقال: إن قد فعل لَمْ يجز أن يقال: إن لما يفعل، وإنما لم يجز: إن قد فعل؛ لأن “قد” تقتضي تحققَ وقوع الفعل وقرب زمنه من الحال، وأداة الشرط تقتضي احتمال وقوع الفعل وعدم وقوعه في المستقبل، فلما تنافيَا لم يجتمعَا.

الأمر الثاني: ذكره العلامة الرضي، وهو أن لَمَّا فاصل قوي بين إنْ الشرطية وشبهها، وبين فعل الشرط الذي تدخل عليه لمَّا، بخلاف لَمْ فهي فاصل غير قوي.

وكلام الرضي في هذا التعليل مبني على أمرين:

أولهما: أن “لما” حرف مركب من لم وما، فلهذا كانت فاصلًا قويًّا.

والثاني: أن عامل الجزم في نحو: {وَإِن لّمْ تَفْعَلْ} هو أداة الشرط لسبقها وقوتها، فلهذا كانت “لمَّا” فاصلًا قويًّا بين العامل ومعموله.

وجدير بالتنويه أن بعض النحويين يذهب إلى أن “لَمَّا” حرف بسيط لا مركب، وأن بعضهم يرى: أن عامل الجزم في نحو: {وَإِن لّمْ تَفْعَلْ} هو لم؛ لأنها أولى بالعمل فيه؛ لقربها منه واتصالها به، ولقوتها باختصاصها بالدخول على المضارع، ولكونها هي الجازمة في نحو: إذا لم تهمل في واجبك فأنتَ من الفائزين، مع أنها في ذلك بطَلَ تأثيرها في قلب المضارع إلى الماضي، كما هو الحال مع إنْ ونحوها.

2. جواز انقطاع نفي منفي لَمْ، كما في قوله تعالى: {لَمْ يَكُن شَيْئاً مّذْكُوراً} [الإنسان: 1] فالمعنى: لم يكن شيئًا مذكورًا فيما مضى، وقد كان شيئًا مذكورًا بعد ذلك، وتقول: لم يغادر زيد بلدَه حتى أتم الأربعينَ، وهذا معناه: انقطاع نفي المغادرة بعد ذلك، وذلك لا يجوز مع لمَّا؛ لأن نفي منفيها يستمر إلى زمن التكلم، تقول: قَرُبَ الامتحان ولمَّا أذاكر، ومعناه: انتفاء المذاكرة حتى زمن التكلم، فلا يجوز فيها انقطاعُ نفي منفيها.

ومن شواهد لما قول الممزق العبدي:

فَإِن كُنتُ مَأْكولًا فَكُن خَيرَ آكِلٍ

*وَإِلَّا فَأَدرِكني وَلَمّا أُمَزِّقِ

وهذا معناه: انتفاء تمزيقه إلى زمن التكلم، فالنفي في منفي “لَمَّا” متصل بحال النطق. ولهذا الفرق أجاز النحويون أن تقول: لم يكن ثُم كان؛ لجواز انقطاع نفي المنفي بلَمْ، ولم يجيزوا: لَمَّا يكن ثم كان؛ لأن المنفي بلَمَّا لا ينقطع نفيه حتى زمن التكلم. والصواب مع لَمَّا أن يقال: لَمَّا يكن وقد يكون.

3. جواز الفصل بين لم ومجزومها في ضرورة الشعر: ومن شواهد ذلك قول ذو الرمة:

فأَضحَتْ مَغَانِيهَا قِفارًا رُسومُها

*كَأَن لَم سِوى أَهلٍ مِنَ الوَحشِ تُؤهِلِ

فـ”تؤهل” مجزوم بلم، وقد فُصِلَ بينهما بقوله: “سِوى أهل من الوحش” ولا يجوز ذلك مع لمَّا.

4. قد تلغَى لم فلا يُجزم بها؛ حَمْلًا على ما التي تنفي الماضي كثيرًا. وأنشد الأخفش على ذلك قول الشاعر:

لولا فوارسُ من ذُهل وأسرتِهم

*يومَ الصليفاءِ لَمْ يوفونَ بالجارِ

ولم يخص ذلك ابن مالك بالضرورة، وخصه ابنُ عصفور بها، وذلك لا يحدث مع لَمَّا مطلقًا.

5. “لم” قد ينصب بها المضارع كما حَكَى ذلك اللحياني عن بعض العرب، ويحتمل ذلك قراءة أبي جعفر المنصور: “ألم نشرحَ لك صدرك” [الشرح: 1] وقول الراجز:

 في أي يوميّ من الموتَ أفر

*أيوم لم يُقدر أم يوم قُدِر

والجمهور على أن الفعل في الموضعين مؤكد بالنون الخفيفة، وأنه فُتِحَ لها ما قبلها، ثم حُذفت ونويت، والأصل: “ألم نشرحن” و”لم يقدرن” وهذا معناه: أنهم لم يعتدوا بما حكاه اللحياني.

error: النص محمي !!