Top
Image Alt

الغرض من الخطبة

  /  الغرض من الخطبة

الغرض من الخطبة

إن الخطبة الدينية -كما سبق بيانه- وسيلة من أهم وسائل الدعوة إلى الله عز وجل والدعوة إلى الله تعالى تعني الدعوة إلى الدخول في الدين الذي ارتضاه وهو الإسلام كما قال تعالى: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة: 3]، وقال سبحانه: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} [آل عمران: 19]، وقال سبحانه: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين} [آل عمران: 85].

ومن خصائص الإسلام الشمول، فالإسلام عقيدة وعبادة، وأخلاق ومعاملة عرف الناس بفاطرهم وبارئهم وأسمائه وصفاته، وعرفهم ما لله عليهم والطريقة التي توصلهم إليه، وما لهم إذا سلكوها ومالهم إذا حادوا عنها، كما شرع الإسلام شرائع تشمل كل نواحي الحياة من حيث السياسة، والاجتماع، والاقتصاد، ونظم العلاقات بين جميع الأفراد العلاقات الأسرية والعائلية والاجتماعية، والدولية، وأمر الله تعالى عباده المؤمنين بقبول كل ما شرع لهم، والدخول في الدين كافة، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين} [البقرة: 208].

قال جماعة من السلف: { ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً } أي: ادخلوا في الإسلام جميعه وكله، ولا تتركوا منه شيئًا، واقبلوا كل ما شرع لكم من العقيدة والعبادة، والأخلاق والمعاملات، والجهاد والاتصال والسياسة والاجتماع، وغير ذلك من كل ما شرع الله -تبارك وتعالى- لكم، ولقد أنكر الله تعالى على الذين فرقوا دينه، وقبلوا بعضه ورفضوا بعضه، فقال عز وجل: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون} [البقرة: 85].

فهذه هي حقيقة الدين، والخطبة إنما هي دعوتهم إلى الدين فستكون إذًا متنوعة بحسب ما يقتضيه المقام، فتارة يتكلم الخطيب في العقيدة فيبين لهم أركان الإسلام والإيمان، ويبين لهم أن التوحيد حق الله على العبيد، وأن التوحيد ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.

وتارة يتكلم عن العبادات، وأحكامها من صلاة، وصيام، وزكاة، وحج ويراعي الأوقات المناسبة لكل منها، وتارة يتكلم في النكاح، ويبين لجمهوره أهم ما يحتاجون إليه من فقه النكاح، وتارة يتكلم في البيوع، وما يحتاج الناس إلى معرفته من أحكامها، وتارة يتكلم عن الإحسان إلى أفراد المجتمع من الوالدين والأقربين، والجيران واليتامى والمساكين، وهكذا تتنوع الخطب، وتتعدد أغراضها وفق الموضوع الذي يختاره الخطيب، وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون يفعلون.

يقول ابن القيم -رحمه الله-: “كان صلى الله عليه وسلم يأمرهم بمقتضى الحال في خطبته، فإذا رأى منهم ذا فاقة وحاجة أمرهم بالصدقة وحضهم عليها، وكان يعلمه أصحابه في خطبته قواعد الإسلام وشرائعه، وكان يأمرهم وينهاهم في خطبته إذا عرض له أمر، أو نهي كما الداخل أن يخطب أن يصلي ركعتين”.

يقول الدكتور صالح بن حميد: “وخطب الجمعة المنبرية خطب أسبوعية دورية تتخذ أغراض عدة، وترمي إلى مقاصد متنوعة يشير في هذا التعريف إلى نماذج منها إذ من المعلوم أن هذه المقاصد والأغراض تتجدد، وتتنوع حسب حاجات الناس، وتغير الأحوال وتقلب الظروف، ودواعي التذكير من هذه الأغراض:

أولًا: تثبيت العقيدة، وتقوية الإيمان.

ثانيًا: الدعوة إلى الإسلام، والدفاع عنه، وبيان مزاياه.

ثالثًا: خطب الإصلاح، ومحاربة المنكرات.

رابعًا: خطب ذات موضوع خاص، أو مسألة مفردة من مسائل الإسلام كالصلاة والصوم وحقوق الوالدين والجوار وحرمة الزنا والخمر والسرقة، ونحو ذلك مما نقصده التذكير والوعظ والتعليم ونحو ذلك.

خامسًا: معالجة القضايا المستجدة بنظرة شرعية دقيقة.

وكذلك كانت خطب النبي صلى الله عليه وسلم يقول ابن القيم -رحمه الله-: “كان خطبته صلى الله عليه وسلم تقريرًا لأصول الإيمان من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، ولقائه وذكر الجنة والنار، وما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته، وما أعد لأعدائه وأهل معصيته، فيملئ القلوب بالخطبة إيمانًا وتوحيدًا، ومعرفة بالله وأيامه لا كخطب غيره إنما تفيد أمور مشتركة بين الخلائق، وهي النوح على الحياة والتخويف بالموت، فإن هذا أمر لا يحصل في القلب إيمانًا بالله، ولا توحيدًا له، ولا معرفة خاصة به، ولا تذكيرًا بأيامه، ولا بعثًا للنفوس على محبته والشوق إلى لقائه، فيخرج السامعون ولم يستفيدوا فائدة غير أنهم يموتون وتقسم أموالهم، ويبلي التراب أجسامهم، فيا ليت شعري أي إيمان حصل بهذا وأي توحيد ومعرفة وعلم نافع حصل به”.

ثم يقول -رحمه الله-: “ومن تأمل خطب النبي صلى الله عليه وسلم وخطب أصحابه وجدها كفيلة ببيان الهدى والتوحيد، وذكر صفات الرب جل جلاله وأصول الإيمان الكلية، والدعوة إلى الله وذكر آلائه تعالى التي تحببه إلى خلقه، وأيامه التي تخوفهم من بأسه، والأمر بذكره وشكره الذي يحببهم إليه؛ فيذكرون من عظمة الله وصفاته وأسمائه ما يحببه إلى خلقه، ويأمرون من طاعته وشكره وذكره ما يحببه إليهم، فينصرفون السامعون، وقد أحبوه وأحبهم، ثم طال العهد وخفي نور النبوة، وصارت الشرائع والأوامر رسوم تقام من غير مراعاة حقائقها ومقاصدها، فأعطوها صورها وزينوها بما زينوها به فجعلوا الرسوم والأوضاع سنن لا ينبغي الإخلال بها، وأخلوا بالمقاصد التي لا ينبغي الإخلال بها، فرصعوا الخطب بالتسجيع والفقر وعلم البديع فنقص بل عدم حظ القلوب منها وفات المقصود بها”.

فمما حفظ من خطبه صلى الله عليه وسلم أنه كان يكثر أن يخطب بالقرآن، وسورة “ق”، قالت أم هشام بنت الحارث بن النعمان: ((ما حفظت “ق” إلا من في رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يخطب بها على المنبر)). فعلى الخطيب أن يحسن اختيار موضوعه، وأن يحدد الهدف منه والأغراض التي يريد أن يخرج بها هو وجمهوره من هذه الخطبة.

error: النص محمي !!