Top
Image Alt

الفتنة بعد مقتل عثمان وتولية علي رضي الله عنهما

  /  الفتنة بعد مقتل عثمان وتولية علي رضي الله عنهما

الفتنة بعد مقتل عثمان وتولية علي رضي الله عنهما

أطلت الفتنة برأسها مرة أخرى حين أصر أهل الشام على عدم مبايعة علي رضي الله عنه حتى يَقْتُل قتلة عثمان، أو يسلمهم لهم، وما استطاع علي أن يسلمهم قتلة عثمان، ولا أن يقتلهم في الوقت الراهن، وكانت هناك رسائل بين علي ومعاوية، وزوّرت الرسائل بين الفريقين من قبل السبئيين لإثارة الحقد والبغضاء في النفوس.

ووجدت طائفة من أتباع بن سبأ، وزعوا أدوارهم ووزعوا أنفسهم بين جيش علي وجيش معاوية، ومنهم نشأت فتنة الخوارج الذين كفروا عليًّا وعثمان ومعاوية معًا رضي الله عنهم أجمعين- لأنه لم يكن همهم إسقاط خلافة عثمان، ولا تحريض الناس عليه بل كان كل ما يقصدون هو القضاء على دولة الإسلام، وسدّ باب فتوحاتهم وغزواتهم، ولذلك عندما نجحوا في إيقاع الفتنة بين المسلمين، وتأليبهم على خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، وتفريق كلمة المؤمنين وتشتيتهم تألَّبوا على علي رضي الله عنه، كما تألبوا على عثمان رضي الله عنه من قبل. وهذا مما لا ينكره إلا مكابر أو مجادل بلا حق ولا علم ولا بصيرة.

ثم ثبت علي على موقفه، وثبت معاوية على موقفه بعد أن دارت ببينهما رسائل كثيرة واقترعوا كذلك، وباءت كل المحاولات بالفشل؛ لأن عليًّا لا يرى جواز وجود خليفتين في وقت واحد، وأن معاوية شقَّ جماعة المسلمين، وفرَّق كلمتهم وأبى السمع والطاعة، ومعاوية رضي الله عنه يقول: والله إني لأعلم أنه خير مني وأفضل، وأحق بالأمر مني؛ ولكن ألستم تعملون أن عثمان قُتل مظلومًا وأنا ابن عمه أطالب بدمه، وأمره إليّ، فقولوا له: فليسلم إليّ قتلة عثمان وأنا أسلم له أمره. ومع عدم اقتناع الفريقين بوجهة نظر الآخر، فضلًا عن تداخل قتلة عثمان في الأمر، وإثارتهم القلائل.

بهذا دارت الحرب بين علي رضي الله عنه ومعاوية رضي الله عنه مع فئتين عظيمتين من المسلمين دعواهما واحدة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يمدح الحسن بن علي رضي الله عنهما: ((إن ابني هذا سيد، ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من أمتي دعواهما واحدة)) وهذه الدعوة الواحدة تمثّلت في وحدة الدين والإيمان، وطلب الحق؛ فلم يكن بين القوم خلاف ديني يرجع إلى الكفر والإسلام، أو الاتهام بالنفاق أو نحوه، ولكن الخلاف بينهما في جانب سياسي محض طائفة ترى أن عليًّا خليفة صاحب حق شرعي؛ حيث انعقدت الخلافة له بمشورة أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار، وعلى معاوية أن يبايعه ولا ينازعه الخلافة وإلا جاز له قتاله.

طائفة رأوا أن أحق الناس بها معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما حيث إنه يريد القصاص لدم الإمام المظلوم صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخليفته للمسلمين، والذي أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعة المشهورة للأخذ بثأره يوم الحديبية، وسُمّيت فيما بعدُ -أي: هذه البيعة- ببيعة الرضوان؛ حيث أنزل الله رضاه لكل من بايع لأجله. فالخلاف مبني على الاجتهاد لكل واحد منهما وجهة نظره التي يرى صوابها وأحقيتها مع اعتراف كل منهما بالفضل للآخر، والشهادة له بالإسلام.

فهذا علي رضي الله عنه قال مخاطبًا جنده عن معاوية ومن معه: أوصيكم عباد الله بتقوى الله فإنها خير ما تواصى به العباد، وخير عواقب الأمور عند الله، وقد فُتح باب الحرب بينكم وبين أهل القبلة، هذا، وقد زاد علي رضي الله عنه المسألة وضوحًا وبيانًا في كتاب له كتبه لأهل الأمصار يوضح فيه ما جرى بينه وبين أهل صفّين، ويبين فيه حكم ما ناضلوه وقاتلوه وموقفه منهم فقال: وكان بدء أمرنا أنا التقينا والقوم من أهل الشام، والظاهر أن ربنا واحد، ونبينا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله، ولا يستزيدوننا، الأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن منه بَراء، ولأجل ذلك منع أصحابه من سبّ أهل الشام وأنصار معاوية، وشتمهم إيَّاهم أيام حربهم بصفين، فقال: إني أكره لكم أن تكونوا سبابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم؛ كان أصوب في القول وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم: اللهم احقن دمائنا ودمائهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم.

وبهذا ندرك أن عليًّا رضي الله عنه لم يكن يعدّ محاربيه كفارًا، ولقد أقرّ بذلك الشيعة أنفسهم؛ حيث أوردوا نفس الرواية التي أوردها أهل السنة في كتبهم عن جعفر عن أبيه أن عليًّا عليه السلام كان يقول لأهل حربه: إنا لم نقاتلهم على التكفير لهم، ولم يقاتلونا على التكفير لنا، ولكنا رأينا أنا على حق، ورأوا أنهم على حق، وفي رواية عن جعفر أن أبيه محمد الباقر أن عليًّا لم يكن ينسب أحد من أهل حربه إلى الشرك، ولا إلى النفاق، ولكن يقول: هم إخواننا بغوا علينا.

ومن طريف ما ذُكر أن أبا العالية وهو تابعي مشهور، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وهو شاب، ولكنه لم يسلم إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في عهد أبي بكر رضي الله عنه فإنه روى عنه أبو خلدة أنه قال: قال أبو العالية: “لما كان زمان علي ومعاوية، وإني لشاب القتال أحبّ إليّ من الطعام الطيب، فجُهزت بجهاز حسن حتى أتيتهم، فإذا صفان ما يُرى طرفاهما إذا كبَّر هؤلاء كبر هؤلاء، وإذا هلل هؤلاء هلل هؤلاء، فراجعت نفسي أيُّ الفريقين أُنزله كافرًا، ومن أكرهني على هذا، قال: فما أمسيت حتى رجعت وتركتهم” فالخلاف الذي وقع بين علي ومعاوية رضي الله عنهما لم يؤدِّ إلى التكفير والتفسيق فيما بينهم، ولا المقاطعة الدائمة والمباغضة الأبدية والهجران والقطيعة، كما تصوَّره القوم في العصور المتأخرة، وكما وُضعت الأساطير والقصص، بل كل واحد من الحزبين كانا يعتقد بإيمان الآخر وإسلامه كما أشرنا، ويحب الإصلاح بينهما ويسعى إلى التوافق والتصالح، وعلى ذلك صالح الحسن بن علي معاوية –رضي الله عنهما أجمعين- وبايعه، ولو كان يظنه كافرًا خارجًا عن الإسلام أو فاسقًا لما اتفق معه ولم يصالحه ولم يبايعه، ولم يأمر أخاه الحسين ولا قائد جيشه قيس بن سعد أن يبايعه.

كما ثبت ذلك حتى في كتب الشيعة أنفسهم، وجعل الحسن بن علي أحد شروط الصلح مع معاوية رضي الله عنه أن يكون متبعًا لسيرة الخلفاء الراشدين، ولم يكن هؤلاء إلا أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا –رضي الله عنهما أجمعين- وقبول معاوية رضي الله عنه هذا الشرط، وهو العمل بسيرة هؤلاء لا يكون إلا لحسن الظن فيهم، واعتقاده الخير منهم، والإيمان بتقواهم وطهارتهم زيادة على إيمانهم وإسلامهم الصحيح الخالص؛ ولذلك فكلّ الذين كانوا على رأي علي رضي الله عنه أصبحوا بعد استشهاد علي وتنازل الحسن عن الخلافة مطاوعين لمعاوية أيضًا، ومبايعين له كما حصل مع إمامهم الحسن وأخيه الحسين، وقائد عسكره قيس بن سعد؛ ولم يكن بينهم خلاف ديني ولا نزاع قبلي، ولا عصبية الحسب والنسب.

وكانوا يفيضون على الحكام، ويصلون خلفهم كما كان الحسن والحسين رضي الله عنهما وهما ابنا علي رضي الله عنه وفاطمة رضي الله عنها وسبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم يفيدان على معاوية رضي الله عنه ولما استقرت الخلافة لمعاوية رضي الله عنه كان الحسن يتردّد إليه مع أخيه الحسين فيكرمهما معاوية إكرامًا زائدًا ويقول لهما: مرحبًا وأهلًا ويعطيها عطاء جزيلًا، وقد أطلق لهما في يوم واحد مائتي ألف، وقال: خذاها وأنا ابن هند، والله لا يعطيكماهما أحد قبلي ولا بعدي، فقال الحسين: والله لن تعطي أنت ولا أحد قبلك ولا بعدك رجلًا أفضل منا، ولما توفي الحسن كان الحسين يفد إلى معاوية في كل عام فيعطيه ويكرمه.

هذا؛ وخلاصة الحكم على نحو ما نعتقده، نحن أهل السنة والجماعة، أقول -وبالله التوفيق: لقد كان من مصلحة الإسلام ألَّا تنشب حرب صفين بين الفريقين مع علمنا أن حرب البصرة التي هي موقعة الجمل ناشئة عن إنشاب قتلة عثمان الحرب بين الفريقين، وكانت يدهم في ذلك ظاهرة، وأما في صفين فهي لا تخفى أيضًا مهما كانت خفية، ونعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكر الفتن وأشار إلى أنها تدور رحى الإسلام بعد خمس وثلاثين عامًا، ونعذر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فالمطالبون بإقامة حد الله على قتلة عثمان معذورون؛ لأنهم يطالبون بحق؛ سواء كانوا من أصحاب الجمل أو من أهل الشام، وتقصير علي في إقامة حد الله عليهم كان عن ضرورة قائمة ومعلومة، ولكن عليًّا رضي الله عنه أولى بالحق من معاوية رضي الله عنه، وإن كان كلاهما على حق، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم وقد أنذر الخوارج: ((تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق))، وفي (صحيح مسلم) من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال صلى الله عليه وسلم: ((تمرق مارقةٌ عند فُرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتان بالحق)).

فبين صلى الله عليه وسلم أن كل طائفة منهما تتعلق بالحق، ولكن طائفة علي أدنى إليه، ووجه ذلك أن معاوية وهو يطالب بدم عثمان لا يصح أن يحكم؛ إذ تهمة الطالب للقاضي لا توجب عليه أن يخرج عليه؛ بل يطلب الحق عنده، فإن ظهر له قضاء وإلا سكت وصبر. فكم من حق يحكم الله فيه وإن لم يكن له دين، فحينئذٍ يخرج عليه فيقوم له عذر في الدنيا، كما قال تعالى: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىَ الاُخْرَىَ فَقَاتِلُواْ الّتِي تَبْغِي حَتّىَ تَفِيَءَ إِلَىَ أَمْرِ اللّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوَاْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9]، فانظر -رحمك الله- لم يخرجهم عن الإيمان بالبغي بالتأويل، ولا سلبهم اسم الأخوة لقوله بعدها: {إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتّقُواْ اللّهَ لَعَلّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10].

فنحن أهل السنة والجماعة ندين لله عز وجل بأن عليًّا ومعاوية ومن معهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم كانوا جميعًا من أهل الحق، وكانوا مخلصين في ذلك، والذي اختلفوا فيه إنما اختلفوا عن اجتهاد، كما يختلف المجتهدون في كل ما يختلفون فيه، وهم لإخلاصهم في اجتهادهم يُثابون عليه في حالتي الإصابة والخطأ، وثواب المصيب ضعف ثواب المخطئ، وليس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرٌ معصوم عن أن يُخطئ، وقد يخطئ بعضهم في أمور ويصيب في أخرى، وكذلك الآخرون، ومن مرق عن الحق في إثارة الفتنة الأولى على عثمان لا يُعدّ من إحدى الطائفتين اللتين على الحق، وإن قاتل معهما والتحق بهما؛ لأن الذين تلوثت أيديهم ونياتهم وقلوبهم بالبغي الظالم على أمير المؤمنين عثمان كائنًا من كان؛ استحق إقامة الحد الشرعي عليهم، سواء استطاع ولي الأمر أن يقيم عليهم هذا الحد أو لم يستطع. وفي حالة عدم استطاعته فإن مواصلتهم تسعير القتال بين صالح المسلمين، كلما أحسوا منهم بالعزم على الإصلاح والتآخي، كما فعلوا في وقعة الجمل وما بعدها، يُعدّ إصرار منهم على استمرارهم في الإجرام ما داموا على ذلك.

فإن قلنا: إن الطائفتين كانتا من أهل الحق، فإنما نريد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانوا من الطائفتين، ومن سار معهم على سنته صلى الله عليه وسلم من التابعين، ونرى أن عليًّا المبشر بالجنة أعلى مقامًا عند الله ومن معاوية خال المؤمنين، وصاحب رسول رب العالمين، وكلاهما من أهل الخير، وإذا اندسَّ فيهم طوائف من أهل الشر {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرّةٍ خَيْراً يَرَهُ}(7) {وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرّةٍ شَرّاً يَرَهُ} [الزلزلة: 7، 8].

أما قوله صلى الله عليه وسلم في عمار: ((تقتله الفئة الباغية)) فقد كان معاوية يعرف من نفسه أنه لم يكن منه البغي في حرب صفين؛ لأنه لم يردها ولم يبتدئها، ولم يأتِ لها إلا بعد أن خرج علي من الكوفة، وضرب معسكره في المخيلة ليسير إلى الشام، ولذلك لما قتل عمار قال معاوية: إنما قتله من أخرجه، وإن لم يكن الأمر كذلك، فإنا نعتقد كل من قتل من المسلمين بأيد المسلمين منذ قتل عثمان؛ فإنما إثمه على قتلة عثمان فهم البُغاة، وهم الفئة الباغية؛ لأنهم فتحوا باب الفتنة، ولأنهم واصلوا تسعير نارها، ولأنهم الذين أوغروا صدور المسلمين بعضهم على بعض، فكما كانوا قتلة عثمان فإنهم كانوا قاتلين لكل من قُتل بعده، ومنهم عمار رضي الله عنه ومن هُم أفضل من عمار كطلحة والزبير رضي الله عنهم أجمعين- إلى أن انتهت فتنتهم بقتلهم عليًّا رضي الله عنه نفسه، وقد كانوا من جنده، وفي الطائفة التي كان قائمًا عليها.

فالحديث إذا من أعلام النبوة والطائفتان المتقاتلتان في صفين كانتا طائفتين من المؤمنين، وأما الذين قتلوا عمار فهم الفئة الباغية من السبئيين ومن كان على شاكلتهم. وكما ذكر ابن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الشعباني قاضي أفريقيا المتوفى سنة مائة وست وخمسين من الهجرة، وكان رجلًا صالحًا من الآمرين بالمعروف، ذكر أهل صفين فقال: كانوا عربًا يعرف بعضهم بعضًا في الجاهلية، فالتقوا في الإسلام معهم على الحميَّة وسنة الإسلام، فتصابروا، واستحيوا من الفرار، وكانوا إذا تحاجزوا دخل هؤلاء في عسكر هؤلاء، وهؤلاء في عسكر هؤلاء فيستخرجون قتلاهم ويدفنونهم. وقال الشعبي: “هم أهل الجنة لقي بعضهم بعضًا فلم يفر أحد من أحد”، ولذلك فإن هذه الحرب على الرغم من كونها من الفتن كانت حربًا مثالية، وكانت الحرب الإنسانية الأولى في التاريخ التي جرى فيها المتحاربان على مبادئ الفضائل التي يتمنى حكماء الغرب لو يُعمل بها في حروبهم، ولو في القرن الحادي والعشرين.

وإن كثيرًا من قواعد فقه الحرب في الإسلام لم تكن لتُعلم وتدون لولا وقوع هذه الحرب، ولله في كل أمر حكمة، وكل ما وقع من الفتن فإثمه على الذين أثاروا الفتنة وأشعلوا نار الحرب؛ لأنهم السبب الأول فيها، فهم الفئة الباغية التي قُتل بسببها كل مقتول في وقعتي الجمل وصفين، وما تفرع عنهما. وعلى الجملة نقول: لقد كان الصواب ألا يكون قتال، وكان ترك القتال خيرًا للطائفتين، فليس في الاقتتال صواب، ولكن علي كان أقرب للحق من معاوية وأفضل منه، وكلاهما صحابي جليل، والقتال قتال فتنة ليس بواجب ولا مستحب، وهذا قول أحمد وأكثر أهل الحديث وأكثر أئمة الفقهاء، وهو قول أكابر الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وهو قول عمران بن حصين رضي الله عنه الذي كان ينهى عن بيع السلاح في ذلك القتال، وهو يقول: هو بيع السلاح في الفتنة، وهو قول أسامة بن زيد، ومحمد بن مسلمة، وعبد الله بن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وأكثر من بقي من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم أجمعين.

ولهذا كان من مذهب أهل السنة الإمساك عما شجر بين الصحابة، فإنه قد ثبتت فضائلهم ووجبت موالاتهم ومحبتهم، وعدم إيذائهم، أو سبهم، فنقول كما قال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-: قد برأ الله أيدينا من دمائهم، فلنبرئ ألسنتنا من الخوض في أعراضهم، كما قال: تلك فتنة طهَّر الله منها يدي، فلا أخوض فيها بلساني، ثم قرأ قول الله تعالى: {تِلْكَ أُمّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 134]. هذا والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، اللهم اهدنا لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، آمين.

error: النص محمي !!