Top
Image Alt

الفرق النصرانية المعاصرة: نشأتها، ومميزاتها العامة

  /  الفرق النصرانية المعاصرة: نشأتها، ومميزاتها العامة

الفرق النصرانية المعاصرة: نشأتها، ومميزاتها العامة

لكن هذه الفرق القديمة تغيرت أسماؤها في العصر الحديث، عَدَا عن المارونية هذه التي أشرت إليها، فصارت المسيحية في العصر الحديث بأسماء أخرى؛ حيث انقسمت إلى طوائف عديدة، وتسمت بهذه الأسماء.

الطائفة الأولى: الأرثوذكس، يُسَمِّي أتباع هذه الكنيسة كنيسَتَهُم بكنيسة الروم الأرثوذكسية، أو الكنيسة الشرقية أو اليونانية؛ لأن أكثر أتباعها من الروم الشرقيين الموجودين في البلاد الشرقية عَامَّةً؛ كروسيا، والبلقان، واليونان، وكان مقرها الأصلي القسطنطينية، وقد فُصِلَتْ عن الكنيسة الكاثوليكية أيام “ميخائيل كارولاريوس” بطريرك القسطنطينية سنة 1054 من الميلاد، وهي الآن مؤلفة من عدة كنائس مستقلة، هي كنائس الإسكندرية التي تلي في المنزلة كنيسة القسطنطينية، وبعدها تأتي كنيسة أنطاكية، ثم كنيسة أورشليم، ثم الكنيسة الروسية، ثم أسقفية أثينا، ثم أسقفية قبرص.

وقد سبق أن ذكرنا السبب الذي من أجله انقسمت الكنيسة المسيحية إلى غربية وشرقية، ونزيد هذا الموضوع وضوحًا، فنقول: كان هناك تضاد ينمو باستمرار بين كنيسة روما وكنيسة القسطنطينية، وأسباب ذلك ترجع إلى عدة عوامل أهمها:

الأول: تأثرت كنيسة روما بالدم الألماني ونشر المسيحية بين الوثنيين، أما كنائس الشرق فقد تأثرت بالتفكير الشرقي ونشر المسيحية بين قوم قديمي عهد بالأديان، وقد بدأ بذلك الخلاف بين الكنيستين، ثم أخذ ينمو ويزداد حينما تساهلت كنيسة روما؛ لتجذب لها الجرمان واللادينيين، فأحلت أكل الدم المخنوق، وأباحت للرهبان أكلَ دهن الخنزير، وغير ذلك مما لم تقبله الكنائس الشرقية.

الثاني: انقسام الإمبراطورية الرومانية إلى جزأين شرقي وغربي، أتاح للمسيحية مركزين للسلطة والنفوذ، وأخذت العاصمة الجديدة القسطنطينية المكان المنافس لمدينة روما.

الثالث: سقوط الإمبراطورية الغربية أعطى فرصةً لكنيسة روما، فأصبح لها سلطان سياسي بالإضافة إلى سلطانها الديني، فادعت أن من حقها أن تحكم المسيحيين في جميع بِقاع العالم، ولم تقبل أن تقتسم النفوذ مع كنيسة القسطنطينية، وأعلنت أن رئيسها هو الحبر الأعظم والرئيس الروحي للجميع، ولم تقبل عاصمة الإمبراطورية الشرقية ذلك، وإن كانت فيما بعد تساهلت بعض التساهل فاعترفت بتقديمه لا برياسته.

الرابع: قالت الكنيسة الغربية: إن روح القدس نشأ عن الله الأب، والله الابن معًا، وأصرت الكنيسة الشرقية على أن روح القدس نشأ عن الله الأب فقط.

الخامس: قالت الكنيسة الشرقية: بأفضلية الإله الأب عن الإله الابن، وقالت الكنيسة الغربية: بالمساواة الكاملة بين الاثنين.

السادس: قالت الكنيسة الشرقية: بأن المسيح طبيعة واحدة ومشيئة واحدة، وقالت الكنيسة الغربية: بأنه طبيعتان ومشيئتان.

ولا تزال الأسباب الثلاثة الأخيرة هي قمة الخلاف بين الكنيستين.

وقد سبق أن أشرنا إلى أن الكنائس الغربية ظلت محتفظة بوحدتها بزعامة كنيسة روما، لكن الكنائس الشرقية انقسمت إلى وَحدات كل واحدة منها مستقلة عن غيرها، ولها نظام خاص بها، وإن اتفقت جميعًا في المشرب والاتجاه، والكنيسة الأرثوذكسية تتبع نظام الكرلوس، ويبدأ من البطريرك ويليه في الرتبة المطارنة، ثم الأساقفة، ثم القساوسة أصحاب الامتياز، ويسمونه القمامصة، ثم القساوسة العاديون يسمون القساوسة فقط، وهؤلاء جميعًا أصحاب الرأي، والكلمة في كل ما يدور حول الكنيسة.

أما الطائفة الثانية: فهم الكاثوليك، وكنيستهم تسمى الكنيسة الكاثوليكية أو الغربية أو اللاتينية أو البطرسية أو الرسولية، ومعنى الكاثوليكية أي: العامة؛ لأنها تدعي أنها أم الكنائس ومعلمتها؛ ولأنها وحدها التي تنشر المسيحية في العالم في نظر أصحابها، وسميت غربية أو لاتينيةً لامتداد نفوذها إلى الغرب اللاتيني خاصةً، أي: إلى بلاد إيطاليا، وبلجيكا، وفرنسا، وأسبانيا، والبرتغال، وكان لها أتباع فيما عَدَا ذلك من البلدان. وسميت الكنيسة البطرسية أو الرسولية؛ لأن أتباعها يدَّعون أن مؤسسها الأول هو بطرس الرسول كبير الحواريين ورئيسهم، والبابوات في روما من بعده هم خلفاؤه.

والكنيسة الكاثوليكية تتبع النظام البابوي ويرأسه البابا والكرادلة، وهم أصحاب الحق الأول والأخير في تنظيم الكنيسة؛ إذ يتكون منهم المَجمع الكنائسي الذي يُصدِر إرادات بابوية سامية ويعتبرونها إرادات إلهية؛ لأن البابا هو تلميذ المسيح الأكبر على الأرض، فهو يمثل الله، ومن هنا كانت إرادته لا تقبل الجدل أو المناقشة، أي: فيما يعرف بـ”عصمة البابوات”.

أما الطائفة الثالثة: فهم البروتستانت، طائفة البروتستانت هي أحدث طوائف المسيحيين ظهرت مع حركة الإصلاح الديني في أوربا، وتُعد هذه الطائفة نتيجة طبيعية لحركة الإصلاح الديني التي ظهرت في أوربا في القرون الوسطى، وصاحبت حركة النهضة والتنوير.

والكلام حول هذه الطائفة يدور حول هذه الأمور:

أولًا: أسباب القيام بحركة الإصلاح وظهور البروتستانت:

يرجع سبب ظهور حركة الإصلاح إلى ما يلي:

– قسوة الكنيسة مع الناس والعلماء: حيث فرضت الكنيسة الكاثوليكية آراءَها على الناس بالقوة، وأهملت اعتراض الناس وعلى رأسهم العلماء، وكانت تتهم كل من يعارضها بالزندقة والكفر، وكانت تنزل به أشد العقاب، ولم تكتفِ الكنيسة بقتل مَن يجهرون بآراء تخالف آراءها، بل أخذت تنقب على القلوب وتستكنه خبايا النفوس، وتكشف عن سرائر الناس بما أسماه التاريخ “محاكم التفتيش” التي دنست تاريخ الأديان بما ارتكبت من آثام، وما أزهقت من أرواح، وما سفكت من دماء، وما عذبت من أحياء. وإن جهر رجل من رجال الدين بالدعوة إلى الإصلاح داعيًا رجال الكنيسة إلى أخذ الناس برفق وحاثًّا رجال الدين على الأخذ بهديه، كان عقابه الحرمان والقتل.

حدث في أوائل القرن الخامس عشر أنْ أحسَّ أساقفةُ فرنسا بوجوب إصلاح حال البابوات، فانعقد لذلك مَجمعٌ مؤلفٌ من مائة وخمسين أسقفًا، وألف وثمانمائة من رجال الدين، ولكن هذا المجمع انتهى في قراراته بالأمر بإحراق “يوحنا هاوس” مُصلِح كنيسة بوهيميا، ورفيقه “جيروم”، ولقد حُرِّق وَعُذِّبَ في هذا السبيل علماءٌ قتلوا في سبيل العلم بسبب مظالم تلك الكنيسة، وضيق صدر القوَّامين عليها. ومما يُذكر في هذا أن أحد العلماء واسمه “إبلارد” كان له رأيٌ في تكفير المسيح عن خطيئة آدم خالف به رأي الكنيسة، فقال: ليست حياة المسيحِ وَصَلْبِهِ وما لاقَى في ذلك من تعذيب سبيلًا لإرضاء الله وإنزال عفوه عن خطيئة الإنسان، فعفو الله أيسر من ذلك وأقرب، وإنما لاقى المسيح ما لاقى إعلانًا لما يُكِنُّهُ قلبه من حبِّ الله، وعسى أن يثير في الناس عاطفة الشكر وعرفان الجميل فيعيدهم إلى طاعة الله. ولكنه ما إن قال ذلك القول حتى انعقد مجلسٌ لمحاكمته، فكان نصيب كتبه التحريق، ونصيبه هو السجن الدائم حتى وافته منيته. و”جاليليو” يرى رأيًا في الكون فيسجن لذلك الرأي مع أن رأيه ليس من أمور الدين في شيء.

الأمر الثاني من أسباب ظهور القيام بحركة الإصلاح هذه: فرض رأي الكنيسة على الملوك؛ حيث بلغت الكنيسة الكاثوليكية في فرض آرائها على الملوك والأمراء وصار السلطان كله في يد البابا، ولا شيء للملوك، وجعلت الكنيسة للبابا كل شيء؛ لأنه في رأيها خليفة بطرس الرسول الذي أقامه المسيح رئيسًا للحواريين، وبذلك يكون البابا خليفةً للمسيح، ينطق باسمه ويتكلم كخليفته، وينفذ سلطانه، ومَن يخرج على البابا فكأنه خرج على المسيح؛ ولذلك أصدرت الكنيسة قرارات بحرمان بعض الملوك وجردتهم مما لهم من مهابة عند الناس، بسبب معارضتهم لبعض آراء الكنيسة.

وأما السبب الثالث: الاستئثار بفهم الكتاب المقدس: حيث قررت الكنيسة الكاثوليكية أن لها وحدها الحق في تفسير الكتاب المقدس، وعلى الجميع أن يتقبلوا رأيها بلا مناقشة أو معارضة؛ سواء وافق العقل أو عارضه، وذهبت الكنيسة إلى أن البابا معصوم من الخطأ، وأنه يستقبل الإلهام والوحي من يسوع المسيح، وبذلك فسائر قرارات البابا مقدسة.

أما الأمر الرابع: فهو ما يسمى بالعشاء الرباني؛ حيث لم يرتضِ العلماء ما قيل في العشاء الرباني من أن الخبز هو جسد المسيح، وأن الخمر هي دم المسيح، وتساءلوا في دهشة: كيف يتحول المسيحي بهذا العشاء إلى مسيحي جديد لحمًا ودمًا ودينًا؟ وكيف نتصور لحم المسيح ودمه طعامًا وخمرًا؟ وكيف تُحول لقيمات وكوب شراب الجسد كله إلى جسد آخر؟ وكيف يتساوى الآكلون الشاربون بعد التناول مع أن منهم الكذبة ومنهم الصادقون؟ وهكذا. كثر السؤال بلا جواب، ولم تقبل الكنيسة الكاثوليكية أي نقاش في هذا الموضوع، بل بالغت فيه، وقررت أن الفطير بما يحويه مثل الخبز المكسور يصلح للعشاء الرباني.

وأما الأمر الخامس: فهو صكوك الغفران وبيع الصكوك؛ حيث تذهب الكنيسة وفق قرار المجمع الثاني عشر إلى أنها تملك حق مغفرة الذنوب، ورفعها عن العصاة إذا أقدموا إلى الكنيسة واعترفوا بذنوبهم، ودفعوا ما يقرر عليهم من مال، كانوا يمنحون ما يتقدم إليهم صكًّا لإثبات المغفرة وبراءة المذنبين مما فعلوا، ووضعوا في الصك صورة ثابتة يكتبونها لكل مشتر لها، وهذا نص صك الغفران:

“ربنا يسوع المسيح يرحمك يا فلان، ويحلك باستحقاقات آلامه الكلية القداسة، وأنا بالسلطان الرسولي المعطَى لي أحلك من جميع القصاصات والأحكام، والطائلات الكنسية التي استوجبتها، وأيضًا من جميع الأفراط، والخطايا والذنوب التي ارتكبتها مهما كانت عظيمة وضليعة، ومن كل علة، وإن كانت محفوظة لأبينا الأقدس البابا والكرسي الرسولي، وأمحو جميع أقدار المذنب، وكل علامات الملامة التي ربما جلبتها على نفسك في هذه الفرصة، وأرفع القصاصات التي كنت تلتزم بمكابدتها في المطهر، وأردك حديثًا إلى الشركة في أسرار الكنيسة، وأقرنك في شركة القديسين، وأردك ثانية إلى الطهارة والبر اللذين كانَا عند معموديتك، حتى إنه ساعة الموت يغلق أمامك الباب الذي يدخل منه الخطاة إلى محل العذاب والعقاب، ويفتح الباب الذي يؤدي إلى فردوس الفرح، وإن لم تمت سنين مستطيلة، فهذه النعمة تبقى غير متغيرة، حتى تأتي ساعتك الأخيرة باسم الأب والابن والروح القدس”.

وهكذا تسابق العامة في أوربا إلى شراء صكوك الغفران، وأصبح هذا الباب بابًا مفتوحًا للغنى والثراء، وقد تبع هذه الصكوك تقرير الضرائب على حاملي الصكوك، وإلا حرموهم من صكوكهم التي اشتروها. والأرثوذكس ينتقدون نظام صكوك الغفران ولا يرتضونه ويرفضونه رفضًا قاطعًا، والحق معهم؛ لأن المسيح قد خلص الخطاة بصلبه -كما يقولون- وليس لأصحاب الذنوب والآثام مخلص آخر.

وبهذا يتناقض القول بالمسيح المُخَلِّصِ مع القول بالصَّكِّ المُخَلِّصِ.

والأمر السادس: الاعتراف، كرسي الاعتراف وأخطاء رجال الكنيسة؛ حيث ابتدعت الكنيسة الكاثوليكية نظامًا للغفران، فقالت بضرورة الاعتراف أمام القسس، بشرط أن يكون هذا الاعتراف في خلوة بعيدًا عن الناس؛ سواء أكان المعترف رجلًا أو امرأةً، وقد ترتب على هذه الخلوة فضائح عديدة، بينت أخطاء هؤلاء القسس الذين كانوا يعملون لغفران الذنوب، وتحولت أسرار العباد بين يدي مَن يماثلهم في البشرية.

أما الأمر السابع: فهو انتشار ظاهرة الهرطقة، ويراد بالهرطقة إعلان الكنيسة كفرَ كل من يخالفها الرأي، وإنزال أقصى العقوبة به، وقد طبقت الكنيسة هذا النظام بكل قسوة، فاستعملت الحرق والقتل ومحاكم التفتيش.

ثانيًا: ظهور دعائم الإصلاح:

ثار العلماء والملوك ضد موقف الكنيسة المتعسر، وتحملوا أي أذى يلحق بهم، وسجلوا في هذا المجال صورًا مشرقة لأنصار الحرية ومحبي الإصلاح، فقد تم حرق العالمين “جيروم” و”هووس” حين وجها نقدهما لنظام الاعتراف، مؤمنين بعلم الله تعالى، فهو وحده الذي يرحم ويغفر، وبدأت إرهاصات الإصلاح في الظهور.

وأخذت هذه الإرهاصات تتحرك في محورين متتابعين:

المحور الأول: الدعوة الهادئة:

تتسم الدعوة الهادئة بمخاطبة رجال الكنيسة الكاثوليكية بالحسنَى مع تجنب العنف والشدة، ومن قيادات الدعوة الهادئة “أرزوم”، عاش بين سنة 1465 إلى 1536 من الميلاد، وأخذ يدعو الناس إلى قراءة الكتاب المقدس بفهم ووعي، وإلى تنمية الفكر والإدراك، وقد وجه “أرزوم” دعوته إلى الحكام ورجال الكنيسة، وطالب رجال الدين أن يقوموا بإصلاح الكنيسة على أن يعاونهم الحكام، ورفض بشدة الإصلاح العنيف.

ومن الدعاة الهادئين “توماس مور”، المولود سنة 1478 والمتوفى 1535 من الميلاد، والذي ظهر في انجلترا ودعا إلى إصلاح الكنيسة بالطريق السلمي.

أما المحور الثاني: فهو الدعوة العنيفة:

حيث لم تجدِ الدعوة الهادئة إلى الإصلاح وتم اضطهاد المنادين بها، كما أدت إلى تعصب القائمين على شأن الكنيسة؛ حفاظًا على وضعهم، الأمر الذي أدى إلى ظهور دعاة أقوياء نادوا بضرورة استعمال العنف، واللجوء إلى القوة في مقابلة طغيان الكنيسة، وعلى رأس هؤلاء الدعاة “مارتن لوثر”؛ حيث ولد “مارتن لوثر” عام 1482 من الميلاد، ولما عجز عن إتمام دراسة القانون اتجه إلى دراسة اللاهوت، وتميز برقة المشاعر ونقده لنفسه، وميله لإصلاح الكنيسة والمسيحية. عمل مدرسًا للفلسفة وسافر إلى روما؛ لينال بركة البابا، ويشاهد الزهد والتدين الصحيح في مدينة روما حيث البابوية الكبرى، لكنه فوجئ بمدينة لاهية عابثة، فسد فيها الجميع في مقدمتهم رجال الدين، اندهش “لوثر” من هول ما رأى فعاد إلى ألمانيا مُنْكِرًا لكل ما رأى، وأخذ ينادي بالتوبة والصلاح؛ لأنها طريق الخلاص الوحيد، وكان “لوثر” يعمل بهدوء في البداية إلا أنه فوجئ برجال الدين المسيحي يَفِدُوْنَ إلى ألمانيا؛ لبيع صكوك الغفران ليجمعوا الأموال التي تكفي لبناء كنيسة القديس بطرس في روما.

ثار “لوثر” لهذا التصرف وكتب مقالًا يهاجم صكوك الغفران، وعلقه على باب الكنيسة، الأمر الذي تأثر به العديد من الناس، وأصدر البابا قرارًا بحرمان “لوثر” وإحالته إلى محكمة التفتيش، فاشتد “لوثر” في المقاومة، وحدث انقسام حول “لوثر” بين القسس والأمراء، وبدأت دعوة “لوثر” مرتبطة بالسياسة؛ حيث اجتمع أنصار “لوثر” واحتجوا على مواقف الكنيسة من “لوثر”، ومن هنا عُرِفُوا بالمحتجين -أي: البروتستانت-، وبعد موت “لوثر” أنزل الإمبراطور بأتباعه أقصى ألوان التعذيب إلا أن الدعوة استمرت في مسارها الإصلاحي.

أما الرجل الثاني بعد “لوثر” فهو “زونجلي”، وولد “زونجلي” في سويسرا عام 1484 من الميلاد، وعاش حتى سنة 1531 من الميلاد، وقد دعا إلى مثل ما دعا إليه “لوثر” إلا أن الدعوتين بقيتا منفصلتين جغرافيًّا؛ حيث عاشت كل دعوة في إقليم بعيدة عن الأخرى، إلا أن دعوة “لوثر” كانت أوسع انتشارًا.

والرجل الثالث “كلفن”، ولد “كلفن” بفرنسا عام 1509 من الميلاد، وعاش حتى عام 1564 من الميلاد، وقد نشأ بفرنسا أول حياته إلا أنه فَرَّ إلى سويسرا وأعلن آراءَه، وفي سويسرا ألف ونشر وأعلن مبادئ البروتستانتية، ونظمها ودعا إلى ظهور هذه الطائفة وفق النظم التي وضعها.

ثالثًا: ظهور البروتستانتينية:

استمر المصلحون في دعوتهم ونشاطهم حتى أعلنوا الكنيسة البروتستانتينية على أساس مبادئ الإصلاح والقضاء على مثالب الكنائس الأخرى.

وأهم مبادئ البروتستانتينية ما يلي:

– جعل الكتاب المقدس المصدرَ الوحيدَ للمسيحية، ورد كل الأحكام التي لم ترد فيه كتلك التي تستند إلى رأي البابوات، أو إلى العلم الخاص الذي قيل أنهم يتوارثونه الواحد عن الآخر.

– من حق كل مسيحي قادر أن يقرأ الكتاب المقدس وأن يفسره.

– ليس لكنائس البروتستانتينية رئاسة عامة، فلكل كنيسة رئاستها، وعمل الرئاسة هو الإرشاد وتوجيه مَن لا يستطيع أن يستقل وحده بفهم الكتاب المقدس.

– ليس للكنيسة حق غفران السيئات.

– ترجمة الكتاب المقدس للغات المختلفة ضرورة، حتى يقرأه الناس على اختلاف لغاتهم، وحتى تكون صلاتهم ودعاؤهم بلغة يعرفونها.

– لا عَلاقةَ للعشاء الرباني بجسم المسيح ودمه، وليس هو إلا تذكيرًا بما حدث للمسيح عليه السلام.

– عدم الاعتراف بالرهبنة، وإباحة الزواج لرجال الدين.

– عدم اتخاذ الصور والتماثيل في الكنائس، وعدم السجود لها، فذلك للوثنية أقرب.

– عدم ألوهية أم المسيح مريم.

ويبقى السؤال: هل نجحت حركات الإصلاح؟

يرى كثير من الباحثين أن الحركة نجحت، وأن من دلائل نجاحها بقاءها وكثرة أتباعها، وانتشارها في عدة مسارات، وقد قامت حركات إصلاحية من قبل كحركة “آريوس” و”نسطور” وغيرهما، ولكنها فشلت واندثرت، ولم يبقَ لها إلا ظلال قليلة إن كانت لها ظلال في ثنايا التاريخ أو في تفكير الأذكياء الموهوبين الشجعان، أما حركة “لوثر” فقد ساعدها الزمن الذي كان قد تطور والحرية التي كانت قد بدأت تنتعش، ثم ساعد بعد ذلك على انتشارها أنها صادفت اكتشاف أمريكا، فدخلت إلى هذه البلاد مع أتباعها مع الإنجليز وغيرهم، وهناك قوي عودها واستقرت، فاتخذت لها في الدنيا الجديدة كما اتخذت في الدنيا القديمة مراكزَ قوية.

ولكن إذا ذهبنا نتعمق في فهم هذه الحركات الإصلاحية نجد أنها فشلت من ناحيتين:

أولًا: لم تستطع تقويم الكنائس التي كانت قائمة، ولم تفلح في التغلب على البابا وأفكاره وأتباعه، فقنعت بإنشاء كنائس مستقلة تظهر فيها المبادئ الإصلاحية التي اعتنقها الإصلاحيون، وتركت آلاف الكنائس الأخرى تسير على النحو الذي كانت تسير عليه من قبل برغم المساوئ والعيوب التي كانت فيها، ونتج عن ذلك تثبيت الانقسام بين الكنائس المختلفة، وكأن كل واحدة تمثل دينًا خاصًّا بها.

ثانيًا: كانت الحركة إصلاحًا للكنيسة لا إصلاحًا للمسيحية، والفرق بين الموضوعين كبير، ومعنى هذا: أن ما أثار “لوثر” ومعاصريه هو أفعال الكنيسة في ذلك العهد، أما البحث في الأشياء الهامة التي دخلت على المسيحية الأصيلة، فلم يكن موضوع إصلاح عند “لوثر” ومعاصريه، فلقد تلقى “لوثر” ومعاصروه المسيحية من الأجيال السابقة، واعتنقوها تقريبًا كما هي، ولم يثوروا إلا على ما ابتدعته الكنيسة في عهدها الأخير، كغفران السيئات، والاستحالة، وحق تفسير الكتاب المقدس، والمسيحية غير المكتوبة التي يتوارثها البابوات. وعلى هذا بقيت موضوعات ضخمة لم يتطرق لها الإصلاح، وذلك مثل التثليث والمراد منه، صلب المسيح للتكفير عن خطيئة البشر، تحديد حقيقة الكتاب المقدس، وبيان من هم مؤلفوه، وتوضيح الصلة بين الأناجيل ومؤلفيها، والبحث عن إنجيل عيسى عليه السلام، وبيان مدى سلطة المجامع في اتخاذ قرارات تتعلق بأسس الدين.

وبهذا نعتقد أنه كان نجاح الحركة الإصلاحية محدودًا للغاية، وبقي أن نقول: إن الكاثوليك يقولون: إن “لوثر” من أصحاب البدع والأضاليل، وأنه هو وأمثاله زاغوا عن طريق الإيمان ولم يأبه البروتستانت بما وُجِّه لهم من اتهامات، وظلوا على أفكارهم، وأقاموا كنيستهم على مبادئهم، وأصبح لهم نشاطها الخاص، واستمر الأمر على ما هم عليه حتى يومنا هذا، حتى صرنا نعرف أن الفِرق الكبيرة عبارة عن كاثوليك، أرثوذكس، بروتستانت، مع الإشارة إلى المارون أو غيرهم من الفرق الصغيرة في الوقت المعاصر.

فكانت هذه هي الفرق النصرانية المعاصرة: كاثوليك، الأرثوذكس، البروتسانت، لها نشأتها الخاصة ومميزاتها العامة، ولها ما لها وعليها ما عليها.

وبعد انعقاد المجمع الثامن سنة 879 من الميلاد انقسمت الكنائس إلى قسمين رئيسين:

– الكنيسة الغربية اللاتينية البطرسية ورئيسها البابا بروما.

– الكنيسة الشرقية اليونانية الأرثوذكسية ورئيسها بطريرك القسطنطينية.

وسبب الانقسام هو السؤال التالي: هل الروح القدس منبثق عن الأب، وهذا رأي الكنيسة الشرقية؟ أم أن الروح القدس منبثق عن الأب والابن معًا، وهذا رأي الكنيسة الغربية؟ واجتمعوا في معتقداتهم على الألوهية والتثليث؛ حيث يعتقدون بوجود إله خالق عظيم؛ لأنهم كتابيون أصلًا، لكنهم يشركون معه الابن عيسى والروح القدس جبريل. وبين الكنائس تفاوت عجيب في تقرير هذه المفاهيم وربط بعضها مع بعض، مما يسمونه الأقانيم الثلاثة، ويفسرونه بأنه وحدانية في التثليث، ويعتقدون الدينونة؛ حيث يؤمنون بأن الحساب في الآخرة سيكون موكولًا لعيسى ابن مريم؛ لأن فيه شيئًا من جنس البشر مما يعينه على محاسبة الناس على أعمالهم.

كما اعتقدوا بالصلب؛ حيث إن المسيح في نظرهم مات مصلوبًا؛ فداءً عن الخليقة، ذلك لشدة حب الله للبشر من ناحية ولعدالته من ناحية أخرى، فقد أرسل ابنه وحيده ليخلص العالم من خطيئة آدم حينما أكل من الشجرة المحرمة، وأن عيسى قد صلب عن رضا تام، فتغلب بذلك على الخطيئة، وأنه دفن بعد صلبه، وأنه قام بعد ثلاثة أيام متغلبًا على الموت، ثم ارتفع إلى السماء؛ ولذلك قدسوا الصليب واعتبروه شعارًا لهم، وهو موضع تقديس الأكثرين، وجعلوه علامةً على أنهم من أتباع المسيح، وبهذا كانت الحملات الصليبية ترفع الصليب.

وعرفنا الصوم وهو الامتناع عن الطعام الدسم، وما فيه شيء من الحيوان أو مشتقاته، مقتصرين على أكل البقول، وتختلف مدته وكيفيته من فرقة إلى أخرى، وأما الصلاة فليس لها عدد معلوم مع التركيز على صلاتي الصباح والمساء، وهي عبارة عن أدعية وتسابيح وإنشاد، كما أن الانتظام في الصوم والصلاة إنما هو تصرف اختياري لا إجباري، وأما التعميد الذي يعني الارتماس في الماء أو الرش به باسم الأب والابن والروح القدس، تعبير عن تطهير النفس من الخطايا والذنوب، والاعتراف هو الإفضاء إلى رجل الدين بكل ما يقترفه المرء من آثام وذنوب، وهذا الاعتراف يسقط عن الإنسان العقوبة، بل يطهره من الذنب؛ إذ يدعون بأن رجل الدين هذا هو الذي يقوم بطلب الغفران له من الله.

والعشاء الرباني: يتمثل في أن المسيح قد جمع الحواريين في الليلة التي سبقت صلبه، وأنه قد وزع عليهم خمرًا وخبزًا كسره بينهم ليأكلوه؛ إذ إن الخمر يشير إلى دمه والخبز يشير إلى جسده، والاستحالة: من أكل الخبز وشرب الخمر من الكنيسة في يوم الفصح، فإن ذلك يستحيل فيه، وكأنه قد أدخل في جوفه لحمَ المسيح ودمه، وأنه قد امتزج في تعاليمه بذلك.

ويحلون أكل لحم الخنزير مع أنه محرم في التوراة، ويحرمون الختان مع وجوده في شريعتهم أصلًا، وأباحوا كذلك الربا وشرب الخمر، ولقد قصروا التحريم في الزنا، وأكل المخنوق، وأكل الدم، وأكل ما ذبح للأوثان، والأصل في ديانتهم الرهبانية وهو العزوف عن الزواج، لكنهم قصروه على رجال الدين، وسمح للناس بزوجة واحدة مع منع التعدد الذي كان جائزًا في مطلع المسيحية، والطلاق لا يجوز للرجل أن يطلق زوجته إلا في حالة الزنا، وهنا لا يجوز للزوجين الزواج بعدهما مرة أخرى.

أما الفراق الناشئ عن الموت فإنه يجيز للحي منهما أن يتزوج مرة أخرى كما يجوز التفريق إذا كان أحد الزوجين غير نصراني.

ومن حيث التكاثر والنسل يحثونهم جماعتهم من النصارى على التكاثر، ويصبح ذلك أكثر وجوبًا في المناطق التي لا يكونون فيها أكثرية، وأما النواحي الروحية فلقد جاءت النصرانية في الأصل لتربية الوجدان وتنمية النواحي العاطفية، داعيةً إلى الزهد وعدم محاولة الثأر، مستنكرةً انخراط اليهود في المادية المغرقة؛ حيث يقول إنجيلهم: “مَن ضربك على خدك الأيمن فأدر له الآخر، ومن أخذ رداءك فلا تمنعه ثوبك”. لوقا إصحاح (6) الفقرة (28). لكن تاريخهم مليء بالقتل وسفك الدماء.

ومن حيث الكلام عن صكوك الغفران وهو صك يغفر لمشتريه جميع ذنوبه ما تقدم منها وما تأخر، وهو يباع كأسهم الشركات، وقد يمنح الشخص بناء على هذا الصك أمتارًا في الجنة على حسب مقدار المبلغ الذي يقدمه للكنيسة.

أما الهرطقة ومحاربتها فلقد حاربت الكنيسة العلوم والاكتشافات والمحاولات الجديدة لفهم الكتاب المقدس، وصوَّبت سهامها إلى كل نقد ورمت ذلك كله بالهرطقة، ومحاربة هذه الاتجاهات بمنتهى العنف والقسوة.

وقد علمنا أن للكنيسة طقوسًا وأسرارًا، فأما طقوسها فهي مجموع الصلوات والابتهالات التي تتم في الاحتفالات الكنسية، والتي يقوم بها الكاهن مع الذين يساعدونه في أداء الأسرار المقدسة، ومن هذه الطقوس السجود أمام الهيكل بمجرد دخول الكنيسة والبخور والقرابين، وأداء الصلوات السبع التي فرضتها الكنيسة، وهي صلاة البكور، وصلاة الساعة الثالثة، والسادسة، والتاسعة، والحادية عشر، والثانية عشر، ثم صلاة منتصف الليل.

أما أسرار الكنيسة فهي سبعة: سر المعمودية، وسر المسح بالميرون المقدس، وسر العشاء الرباني، وسر التوبة والاعتراف، وسر الكهنوت، وهو السر الذي يختار به رجال الدين ويعينون في مناصبه الكهنوتية، وسر المسح على المريض ليشفى جسميًّا وروحيًّا، وسر الزواج للربط بين الزوجين رباطًا مقدسًا دائمًا.

ومما يتصل بالحديث عن النصرانية وفرقها وكنائسها الحديث عن الرهبنة والأديرة، فلقد عانى المسيحيون في عهود الاضطهاد صنوفًا من التعسف والقسوة، مما جعلهم يميلون إلى الرهبنة أو يتخذون أديرةً يعيشون فيها ويبتعدون فيها عن ضجيج الحياة، ويعانون فيها الحرمان وتعذيب الجسم بالجوع والعطش، وخشن الثياب، والتبتل وعدم الزواج، والعكوف على العبادة؛ تقديرًا للسيد المسيح الذي بذل نفسه من أجل البشر، بخاصة أنهم أدركوا بطلان هذا العالم وخداع مظهره الخلاب.

ومرت الرهبنة بمراحل كثيرة يدين بها النصارى، وهي رهبانية ابتدعوها، لم تكن من صُلْبِ رسالة المسيح عليه السلام، ومن أُسُسِ الرهبنة: عدم الزواج -أي: التبتل-، وفيها التقشف والفقر، وتعذيب الأبدان بالجوع والعطش، وكذلك الطاعة التامة التي يدين بها الرهبان لرؤسائهم.

وأما عن انحرافات الأديرة فحدث عن هذا ولا حرج، ولا أريد أن أشير إلى هذا من قريب أو من بعيد.

ومما ينبغي الإشارة إليه الحديث عن سلطة البابا، تلك السلطة التي حصل عليها البابا والتي منحتها له المجامع، والتي منحتها له الظروف أيضًا، وقد رأينا أن مجمع روما المنعقد سنة ثمان وتسع وستين من الميلاد، قرر أن الفصل في المسائل الدينية من اختصاص كنيسة روما، وأن المسيحيين جميعًا يخضعون لقرارات رئيس هذه الكنيسة، ورأينا أن مجمع روما المنعقد سنة 1215 من الميلاد يقرر أن الكنيسة البابوية تملك حق الغفران وتمنحه لمن تشاء، وطبيعي أن مَن يملك حق الغفران يملك حق الحرمان.

أما السلطة التي منحتها الظروف للبابا فمرجعها إلى الانقسام السياسي الذي حصل في الدولة الرومانية، وإلى الصراع الذي جاء عقب ذلك، وفي وسط هذا الانقسام وذلك الصراع استقل البابا استقلالًا تامًّا ولم يعد تابعًا لأي من الملوك والأمراء، وقد اعترف الجميع له بالاستقلال؛ تخلصًا من التنافس على السيطرة على الكنيسة، ومن ثم سار تعيين البابوات بطريق المجامع لا بطريق الأباطرة، وهذا أيضًا قَوَّى سلطان البابا، وفي الوقت الذي لم يعد البابا تابعًا لأي من الملوك، كان الملوك بحكم أنهم مسيحيون تابعين للبابا وخاضعين له تبعًا لقرار مجمع روما الذي جعل كل المسيحيين ملزمين بطاعة البابا، وخاضعين له، وصدق ربنا العظيم إذ يقول: {اتّخَذُوَاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوَاْ إِلاّ لِيَعْبُدُوَاْ إِلَـَهاً وَاحِداً لاّ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31].

error: النص محمي !!