Top
Image Alt

الفرق بين التورية والكناية

  /  الفرق بين التورية والكناية

الفرق بين التورية والكناية

 فالكناية -كما نعلم- عبارة عن لفظ أطلق وأريد به لازم معناه، مع جواز إرادة المعنى الحقيقي، نجد هذا المعنى في قول مَن يصف راعي إبل أو غنم:

ضعيف العصا بادي العُروق ترى له

*عليها إذا ما أجدب الناس إصبعا

يريد أنه مشفق على غنمه، لا يقصد من حمل العصا أن يوجعها بالضرب من غير فائدة، فهو يتخير ما لَانَ من العصا، فقوله: “ضعيف العصا”، لفظ أطلق ولم يرد به حقيقةَ معناه، وإنما أراد معنًى آخرَ، هو لازمه وتاليه في الوجود، وهو الرفق واللين. العلاقة إذًا بين التورية والكناية واضحة، وهي أن كليهما لفظ له معنيان والمراد أحدهما، إلا أن الأمر في التورية على أن المعنيين يفهمان من اللفظ دون وساطة من أحدهما لفهم الآخر -كما سبق أن أشرنا- أما في الكناية فإن المعنى الثاني يكون لازمًا للمعنى الأول، وردفًا له، فضعف العصا -في المثال السابق- يلزمه الرفق واللين. وفرق آخر يتصل بقرينة كل من الكناية والتورية: فإن قرينة الكناية -كما سبق أن أشرنا في المجاز- ينبغي أن تكون ظاهرة لا خفاء فيها ولا غموض، وهذا واضح من المثال السابق. بينما قرينة التورية شرطها أن تكون خفية غير ظاهرة. ولدقة الفرق بين التورية والكناية ظن الخطيب القزويني أن قول الحماسي:

فلما نأتْ عنا العشيرة كلها

*أنخنا فحالفنا السيوف على الدهر

فما أسلمتنا عند يوم كريهة

*ولا نحن أغضينا الجفون على وتر

في البيت الثاني تورية في لفظ “الجفون”. وتابعه في ذلك صاحب (بديع المعاني والألفاظ) دكتور عبد العظيم مطعني، فقال: “التورية في لفظ الجفون؛ لأن له معنيين، قريب واضح وهو جفون العين، وبعيد خفي وهو جفون السيف، والمعنى البعيد هو المراد”. والحق أن ما في البيتين ليسَا من التورية، بل هو من باب الكناية، فإن الجفون -التي هي جفون العين- كناية عن إغماض السيوف، لا أنه أراد جفون السيف فورى.

نخلص من هذا في معرفة الفرق بين التورية وبين كل من المجاز والكناية: أن القرينة تكون في المجاز والكناية ظاهرة واضحة، بينما قرينة التورية ينبغي أن تكون خفيةً تحتاج إلى نوع من التفكير والتأمل، كما أن المعنيين في التورية لا عَلاقةَ بينهما، بينما في المجاز والكناية لا بد من علاقة بين المعنى الموضوع له اللفظ، وبين المعنى المجازي أو الكنائي. ومبنى التورية -كما ذكر ابن يعقوب المغربي- على كون المراد بعيدًا مع خفاء القرينة، فخفاء القرينة هو الحد الفاصل بين عد اللفظ من باب المجاز وعده من باب التورية، وذلك قوله: “المعنى البعيد في التورية مرجوح الاستعمال، فلا يكون اللفظ فيه إلا مجازًا، وهذا المعنى موجود في كل مجاز، فيكون كل مجاز توريةً، وظاهر كلامهم أن التورية حقيقة مباينة للمجاز، وإلا كان كل مجاز من البديع.

قلت: بعد التسليم بأن المعنى لا يكون اللفظ فيه إلا مجازًا، لا يلزم منه اتحاد المجاز والتورية، فيكون اللفظ مجازًا باعتبار إطلاقه على غير معناه مع وجود القرينة الصارفة له عن الأصل، ويكون توريةً باعتبار كون المراد بعيدًا مع خفاء القرينة؛ لما تقدم أنَّا نشترط في كونه توريةً خفاء القرينة، فتلاقَا التورية والمجاز في مادة واحدة مع كونها غيره، فإن ظهرت القرينة لم تلاقه أصلًا”. انتهى كلامه. فالتورية إذًا تلتقي مع المجاز في كثير من صوره وأنواعه، على أن خفاء القرينة أو قُربها غير مسلَّم عند بعض البلاغيين، فكم من مجاز واقع موقعه من الروعة والخلابة قد خفيت قرينته؟! وكم من تورية في عُرْفهم ظهرت قرينتها؟!

إلا أن فرق العلاقة بين التورية وكل من المجاز والكناية هي الميزة الفاصلة، فمبنى التورية على ألا يعتبر بينهما لزوم وانتقال من أحدهما للآخر، وبهذا الفرق وحدَهُ يخرج هذا الفن عند العلَّامة عبد الحكيم عن علم البيان، يقول: “وبه -يعني: بهذا الفرق- يمتاز التورية عن المجاز والكناية، وبهذا ظهر أن التورية ليست من إيراد المعنى بطرق مختلفة في وضوح الدلالة، حتى تكون من علم البيان، نعم، إنه إذا كان المعنيان مجازيين أو أحدُهما مجازيًّا كانت من علم البيان بالنسبة إلى المعنى الحقيقي لهما أو لأحدهما، وأما بالنسبة إلى المعنى الذي هو تورية بالقياس إليه فلا، إذ لا علاقة بينهما ولا انتقال من أحدهما إلى الآخر، فتدبَّرْ هذا، فإنه مما خَفِي على بعض الأذكياء”. انتهى من حاشية عبد الحكيم على (المطول).

ومع العلاقة القائمة بين التورية والمجاز والكناية ومع وضوح الفرق بينها وبينهما، إلا أنا نجد واحدًا من البلاغيين -هو العصام في (الأطول)- يُدخِل التوريةَ في مباحث علم البيان، فيقول في تعريفها: “أن يطلق اللفظ على غير ما وضع له لقرينة خفية، مما يتعلق بإيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة”. ثم يقول: “فهو داخل في أصل البلاغة، فكيف عُدَّ إذًا من البديع؟!”. فأنت تراه يدخلها في إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة، ويعد البديع أمرًا خارجًا عن البلاغة!!.

الحقيقة التي لا مِراء فيها أن التورية كلون بديعي قائم برأسه له مدخل في بلاغة الكلام، وقوة الأساليب، كما أن له مدخلًا في إعجاز القرآن الكريم، فهو داخل في صميم البلاغة، والتحسين به ذاتي لا عرضي، والعلاقة بين هذا اللون وبين المجاز أو الكناية يؤكد هذا المعنى، فإذا كانت كلمتهم قد اتفقت على أن التورية تجتمع مع المجاز في كثير من الأساليب، وأن الفرق بين المجاز والكناية فرق ضئيل، فإن معنى هذا أن التحسين بالمجاز أو الكناية هو نفسه التحسين بالتورية. ومما لا مراء فيه أن التحسين بالمجاز أو الكناية ذاتي لا عرضي، فلتكن إذًا التورية كذلك.

error: النص محمي !!