Top
Image Alt

الفرق بين اللغتين: الأولى، والثانية، تعلماً وتعليماً

  /  الفرق بين اللغتين: الأولى، والثانية، تعلماً وتعليماً

الفرق بين اللغتين: الأولى، والثانية، تعلماً وتعليماً

إن كل طفل يستطيع أن يتعلم لغته -أعني: لغته الأصلية، أو لغته الأم، أو لغته الأولى- في وقت مبكر من حياته في فترة زمنية قصيرة؛ لذلك فإن نظريات التعلم عمومًا وتعلم اللغة خصوصًا ما هي إلا محاولات للوصول إلى فهم هذا التعلم ومعرفة حقائقه، ولكن تعلم لغة ثانية أجنبية أخرى خارج بيئتها الطبيعية أمر صعبٌ، كأن يتعلم العربي اللغة الفرنسية مثلًا، أو الإنجليزية مثلًا، تعلم لغة ثانية أخرى خارج بيئتها أمر عسيرٌ؛ لذا اهتم العلماء بدراسة هذه الظاهرة، ومعرفة طبيعتها وأسبابها وظواهرها، والفرق بينها وبين تعلم اللغة الأولى الأصلية أو الأم.

ونذكر أهم أوجه الاختلاف والشبه بين تعلم اللغتين الأولى والثانية:

وأوجه الاختلاف والشبه بين تعلم اللغتين يتعلق بالظروف التي يتم فيها تعلم اللغة الثانية، كما تتعلق أيضًا بسِن المتعلم، كما تتعلق بالهدف من التعلم، كما تتعلم بمخرجات هذا التعلم.

أولًا: إن تعلم اللغة الأصلية يتم في ظروف طبيعية وفي سن مبكرة بوصف كون هذا التعلم جزءًا من نمو المتعلم العقلي والمعرفي والاجتماعي والنفسي، وبوصف كونه وسيلةً للتعامل مع مجتمعه، هذا بالنسبة لِمَن يتعلم اللغة الأولى أو الأصلية، أما مَن يتعلم اللغة الثانية الأجنبية فالأمر مختلف، اللغة الثانية ليست جزءًا أساسيًّا من عملية نمو المتعلم ونضجه، وتعلمُّه لغته الأم له أثرٌ في تعلم اللغة الثانية، وقد اختلفت الآراء حول هذا الأثر؛ منهم من يؤيده بقوة، ومنهم من يؤيده بضعف، ومنهم من يرفضه، والرأي السائد أن تعلم اللغة الأجنبية -أعني: الثانية- مفيد للطالب؛ حيث يُكْسِبُهُ مرونةً في التفكير، وفي بعض قدراته المعرفية اللغوية، ولسنا هنا بصدد الحديث عن مناقشة الآراء حول هذا الأثر.

 المهم هنا، أن تعلم اللغة الأم وما له من أثر في تعلم اللغة الثانية أحد العوامل المؤثرة في تعلم اللغة الثانية، سواء في أثناء تعلم اللغة الأم أو بعدها.

ثانيًا: تعلم اللغة الأجنبية -أعني: الثانية- يتم عادةً في ظروف رسمية داخل المدرسة بخلاف تعلم اللغة الأولى؛ حيث يتم بصورة طبيعية؛ لذا فإن متعلم اللغة الثانية لا ينال القَدْر نفسَه من التعرض لهذه اللغة واستخدامها ووظائفها، وهذا العامل يؤثر في عوامل أخرى، مثل الدافع لتعلم هذه اللغة الثانية؛ بل يؤثر في استمرارية هذا التعلم.

ثالثًا: هناك تشابه بين اللغات، فمثلًا تستخدم اللغتان الإنجليزية والعربية صيغًا لُغوية كالأسماء والأفعال والجُمل، وتؤديان وظائف متشابهة كالوصف والطلب والتحليل، وما إلى ذلك، شأنهم في ذلك شأن جميع اللغات الأخرى.

ولكن الاختلاف يكمن في النظم الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية، هذا الاختلاف كبير جدًّا.

وينبغي النظر إليه والنظر فيه عند تعلم الطلبة العرب مثلًا اللغة الإنجليزية بوصف كونها لغة أجنبية، وهناك نظريات كثيرة تتناول التداخل بين اللغات؛ بسبب التباين أو الاختلاف بينها، هذا التباين -الصوتي والصرفي والنحوي والدلالي بين اللغات- يؤثر في تعلم اللغات الثانية، بينما لا يعاني منه الطفل عند تعلم لغته الأصلية، إنه يتعلم لغة

لها نظم صوتية وصرفية ونحوية ودلالية، لم يخزن مخُّه نظمًا لغويةً أخرى، ومن ثَم فإنه لا مجالَ للتباين أو التداخل بين اللغات.

ولكن حينما يحاول أن يتعلم لغة ثانية والحال أنه قد خزَّن نظمَ لغتِه الأم فإن التباين يحدث لا محالة، ولكن هل الأخطاء اللغوية كلها بسبب هذا التباين أو التداخل بين اللغات، أو قد يحدث بسبب عوامل أخرى؟

إن الإجابة ستفسر عند الحديث عن التقابل اللغوي والأخطاء.

رابعًا: عامل السن الذي يتم عنده تعلم الأجنبي: عامل السن له أثره في سير هذه العملية، وله أثره أيضًا في الطريقة التي تتم به، ومدى تمكن الطالب، ويدور جدل في تعليم اللغات حول ما إذا كان هناك ما يسمى بالمرحلة الحرجة لاكتساب اللغة، وهي مرحلة محددة من العمر من الناحية الحيوية أو البيولوجية؛ حيث يكون اكتساب اللغة فيها أسهل، فإذا ما تخطى الطالب هذه المرحلة يكون اكتساب اللغة بعدها أصعبَ، وهي دراسات مرتبطة ببحوث في طبيعة النظام العصبي ونُضج الدماغ.

وتوحي هذه الدراسات بأنه كلما ازداد نضج الدماغ فإن بعض الوظائف مثل التفكير والمنطق والتحليل تُخصص في الجانب الأيسر، بينما وظائف أخرى كالعواطف والوجدان تخصص في الجانب الأيمن، وعملية التخصص هذه بطيئة، تبدأ عندما يبلغ الطفل السنة الثانية من عمره تقريبًا، وتكتمل هذه العملية عند البلوغ، فمرونة الدماغ قبل سن البلوغ تمكن الطفل من اكتساب اللغة، وفيما بعد يصبح إتقان النظام اللغوي صعبًا وخاصةً النظام الصوتي.

وقد اختلفت الآراء حول حقيقة هذا العملية الدماغية، فزاد عليها آخرون عملية أخرى سموها عملية تنسيق عضلات الكلام في جهاز النطق؛ حيث يبذل جهد هائل للتحكم فيها حتى تتحقق الطلاقة الشفوية في اللغة، واكتمالُ نمو هذا التحكم يتم عندما يبلغ الطفل السنة الخامسة تقريبًا؛ ولذا فإن إتقان اللغات الثانية بعد هذا السن أمر صعب ويشوب تعلمها لحن كثير، ولا تزال الأبحاث جارية عن العلاقة بين الدماغ واللغة، وعن دور هذا الصندوق المغلق في الفهم والقراءة والكتابة.

خامسًا: الدافع عامل مهم في تعلم اللغات الثانية: إن تعلم اللغات الثانية مرتبط بالدافع بخلاف تعلم اللغة الأم، فالدافع يكمن وراء الهدف من التعلم، كما يقف وراء مفردات هذا التعلم وخصوصًا مدى النجاح الذي يحققه المتعلم، وهناك عوامل متعددة سواء كانت فريدة أو اجتماعية أو تتصل بناحية التعليم، هذه كلها تؤثر في الدافع زيادةً أو نقصًا من بينها الذكاء والاستعداد، والمثابرة، واستراتيجات التعلم والتقويم الذاتي، ولكنها -أعني: الدافعية- ترتبط أساسًا بالهدف من تعلم اللغات الثانية.

وقد قسمت الدراسات أو بعضها الدوافع إلى نوعين، دوافع وسيلية وأخرى تكاميلية، أما الدوافع الوسيلية فهي تشير إلى تحقيق أهداف محددة مثل تحسين الوضع الوظيفي أو الدراسي، أو قراءة المواد العلمية والتقنية والتخصصية أو الترجمة… إلى غير ذلك.

أما الدوافع التكاميلية فتشير إلى رغبة المتعلم في الاندماح في ثقافة اللغة الثانية، واعتبار ذاته عضوًا في هذا المجتمع المستخدم لهذه اللغة الأجنبية لغة أصلية له. هذه العوامل كلها تؤثر في تعليم وتعلم اللغات الثانية، ومدى نجاحه؛ لذا كانت هذا العوامل أساسًا في صياغة العديد من نظريات تعلم اللغات الثانية.

وأحدثك عن هذه النظريات وهي نفسها نظريات التعلم العامة، ونظريات تعلم اللغات الأم الخاصة، إن تعلم اللغات الأجنبية -أعني: الثانية- شكل من أشكال التعلم، ينطبق عليه ما قلناه وما عرفناه من أفكار في النظريات السلوكية والمعرفية، إن تعلم اللغات الأجنبية ينطبق عليه الكثير مما قيل في تعلم اللغات الأم، مع الأخذ في الاعتبار أن تعلم اللغات الثانية يتسم بالتعقيد البالغ؛ نظرًا للدور البالغ التي تقوم به عوامل نفسية ومعرفية متعددة.

وأهم هذه النظريات الحديثة في تعلم اللغات الأجنبية ما يسمى أولًا: بنظرية التطابق، ونظرية التباين، ونظرية تحليل الأخطاء، ونظرية الجهاز الضابط، ونظرية اللغة المرحلية الانتقالية.

أما نظريات التطابق فتزعم أن اكتساب اللغة الأم وكذا تعلم اللغات الثانية عمليتان متطابقتان، وليس للغة الأم تأثير على تعلم اللغة الثانية، وقد تشكك كثير من العلماء في هذه النظرية؛ لتجاهلها التطور المعرفي للأفراد، وتجاهلها أيضًا الظروف الاجتماعية والتعليمية المؤثرة في تعلم كل من اللغتين.

وأما نظرية التباين فهي ضد الأولى تمامًا، فترى أن تراكيب وصيغ اللغة الأجنبية الثانية تشبه الموجودة في اللغة الأم، ولذا يتم تمثلها وتعلمها بسهولة، وقد أطلقوا على هذا النقل الإيجابي، أما التراكيب المختلفة فهي تمثل عقبة وتسبب أخطاءً؛ نتيجةً للنقل السلبي أو التداخلي بين اللغتين؛ لذا نشَط علماء اللغة في تحليل اللغات، ومقارنتها، وتحديد أوجه الشبه والاختلاف للإفادة في تعليم اللغات الثانية، وحظيت هذه النظرية ببعض النجاح في أول ظهورها، ثم تبين قصورها؛ لأن التشابه أو الاختلاف بين النظام اللغوي في اللغتين وعملية تعلم اللغة القائمة على الفهم والتعبير، أمران مختلفان تمامًا؛ لذا فالتنبأ بتأثر تعلم لغة على تعلم لغة أخرى لا ينبغي أن يقوم على مقارنة الخصائص البنيوية، وإنما يقوم على الطريقة التي يستطيع المعلم بموجبها تمثلَ هذه الخصائص وتعلمها.

أما نظرية تحليل الأخطاء فقد نشأت رد فعل على قصور نظرية التباين التي تجاهلت التداخل اللغوي النابع من داخل اللغة ذاتها -أعني: اللغة الأجنبية- وتقوم نظرية تحليل الأخطاء على عدة عوامل، هي التعرف على الأخطاء الحقيقية، وتمييزها عن الأخطاء الناتجة عن أمور أخرى كالسهو، أو عدم الاهتمام الكافي عند الاستخدام اللغوي، كما تقوم على وصف الأخطاء وتصنيفها إلى صوتية وسطحية ونَحْوية، أو أخطاء تتصل بالإضافة أو الحذف أو الإبدال أو الترتيب… إلى غير ذلك.

كما حددت هذه النظرية أسباب هذه الأخطاء، وميزت بين الأخطاء الناتجة من التداخل مع اللغة الأم، أو من التداخل مع صيغ اللغة الأجنبية ذاتها، أو من الناتجة عن الموقف التعليمي أو التواصلي.

أما النظرية الرابعة وهي نظرية الجهاز الضابط: فإنها تهتم بالعلاقة بين التعلم التلقائي والتعلم الموجه، فالنظريتان السابقتان كانتا تهتمان باكتساب اللغة الأم، واكتساب أو تعلم اللغات الثانية، لكن هذه النظرية تهتم بالعلاقة بين التعلم التلقائي والموجه، وبناء على هذا هناك طريقتان لتعلم اللغة الثانية:

الأولى: اكتساب اللغة لا شعوريًّا، وهو يقوم على استخدام اللغة في المواقف التواصلية الحقيقية في الأغراض الحياتية الطبيعية، أذكرك بالأساس الاجتماعي الذي أوضحته.

إن اكتساب اللغة في هذه الحالة موجه نحو المحتوى، والأثر الذي سيحدثه استخدام اللغة في المجتمع بوجه عام.

الثانية: تعلم اللغة إيراديًّا؛ حيث يتمكن المتعلم من قواعد اللغة الثانية دون الاهتمام بالتواصل اللغوي المباشر؛ بل يكون وسيلةً للتواصل الذي يحدث فيما بعدُ، كتعلم اللغة الثانية في المدرسة مثلًا بإشراف المعلم، هذا التعلم يتأثر بعملية الضبط أو الجهد الذي يَبذله المتعلم في ضَبْط لغته، وتصحيح أخطائه كلما لزم ذلك.

وفي المواقف التواصلية الحقيقية يعمل الضابط بصورة فعَّالة إذا ما توفر له الوقت الكافي، وكان المتعلم مهتمًّا بسلامة اللغة، وعارفًا بالقواعد الصحيحة لها.

النظرية الخامسة: نظرية اللغة المرحلية أو الانتقالية: متعلم اللغة الأجنبية كأي متعلم آخر، لا بد أن يستخدم الإمكانات المتاحة له، أيًّا كانت الظروف التي يتعلم فيها تلك اللغة الأجنبية، سواء كانت تلك الظروف تهدف إلى استخدام اللغة تواصليًّا في الحياة، أو للتدريب على اللغة ذاتها؛ وصولًا إلى المزيد من تعلمها.

فمهما تكن درجة الإتقان فإن تعلمه في مرحلة ما هو وسيلتُه المتاحة في هذه اللحظة، وهي مخزونه من اللغة الذي لا يملك سواها؛ لذا فإنها لغة تعد مرحلية أو انتقالية تسبق مرحلة الوصول إلى التمكن الكامل من اللغة الأجنبية؛ لذا فإن وظيفة كل كلمة أو جملة أو تركيب في هذه المرحلة ليست بالضرورة هي الوظيفة الصحيحة عند متحدث هذه اللغة الأصلية في ديارهم، وسوف يتمكن من تصحيح ما يخطئ فيه حينما يصل إلى مرحلة أعلى.

error: النص محمي !!