Top
Image Alt

الفرق بين مختلف الحديث وبين مشكل الحديث

  /  الفرق بين مختلف الحديث وبين مشكل الحديث

الفرق بين مختلف الحديث وبين مشكل الحديث

مختلف الحديث يختص بالتعارض بين حديثين خاصة، وأما مشكل الحديث فأعم من ذلك، فيشمل التعارض بين حديثين والتعارض بين آية قرآنية وحديث، والتعارض بين الحديث والإجماع.

والتعارض بين الحديث والحس والعقل، بل ويشمل مشكل الحديث الإشكال الذي يفيده بعض معنى متن الحديث ذاته وإن لم يتعارض، ويمكن القول: بأن العلاقة بين مختلف الحديث ومشكل الحديث هي العموم والخصوص الوجهي على طريقة المناطقة.

فيجتمعان في حديثين متعارضين، وحينئذ يقال في هذين الحديثين: مختلف حديث أو مشكل حديث، ويختلفان في أن مختلف الحديث يختص بالتعارض بين حديثين فقط.

ويختص مشكل الحديث بسائر أنواع التعارض بين حديث وآية، أو بين حديث وإجماع أو بين حديث وقياس أو بين حديث وحس وعقل، أو حتى بين معنى الحديث نفسه بغير معارضة.

ولخص الأستاذ الدكتور أسامة بن عبد الله الخياط، الأستاذ بجامعة أم القرى وخطيب المسجد الحرام العلاقة بينهما بما نصه: “إن مشكل الحديث هو في الواقع أعم من مختلف الحديث، حيث إن المشكل يشمل المختلف كما يشمل غيره.

والمختلف نوع من أنواع مشكل الحديث، فالعلاقة بينهما إذًا علاقة عموم وخصوص؛ لأن كل مختلف حديث مشكل، وليس كل مشكل مختلف حديث”.

ولأجل كون المختلف والمشكل متقاربين مزج بينهما بعض الأئمة في تآليفهم، كابن قتيبة الدينوري في (تأويل مختلف الحديث)، وأبي جعفر الطحاوي في (مشكل الآثار)، وأفرد أحد النوعين عن الآخر بعض الأئمة، ولم يخلطهما.

ومنهم الإمام الشافعي في (اختلاف الحديث)، والأمر في ذلك قريب إذ لو كان المشكل نوعًا من أنواع علوم الحديث على حدته، لذكره ابن الصلاح في (مقدمته) نوعًا مفردًا، وهذا لم يفعله هو ولا أحد ممن ألف في علوم الحديث.

وأعطيك مثالًا لمشكل الحديث بسبب معنى الحديث نفسه بغير معارضة:

أخرج الإمام مسلم في (صحيحه) في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي سفيان بن حرب رضي الله عنه.

الحديث الواحد بعد الخمسمائة وألفين، فقالت: “حدثني عباس بن عبد العظيم العنبري وأحمد بن جعفر المعقلي قالا: حدثنا النضر وهو ابن محمد اليمامي، قال: حدثنا عكرمة قال: حدثنا أبو زميل قال: حدثني ابن عباس قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه.

فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ((يا نبي الله ثلاث أعطينهن قال: نعم قال: عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها قال: نعم قال: ومعاوية تجعله كاتبًا بين يديك قال: نعم قال: وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين قال: نعم)).

قال أبو زميل: ولولا أنه طلب ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم ما أعطاه ذلك؛ لأنه لم يكن يُسأل شيئًا إلا قال: نعم”. الجزء الرابع الصحيفة الخامسة والأربعون وتسعمائة وألف، وجه الإشكال في هذا الحديث وجوابه، يمكن تلخيص كلام السادة الشراح في النقاط الآتية:

النقطة الأولى: أسلمت أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنهما وهاجرت إلى الحبشة، وخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بأرض الحبشة.

وتم العقد عليها، وكان النجاشي رضي الله عنه وكيل النبي صلى الله عليه وسلم، ودفع صداقها وكان خالد بن سعيد بن العاص رضي الله عنه وكيل أم حبيبة رضي الله عنها.

النقطة الثانية: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم حبيبة بالمدينة، وثبت في (الصحيح) أن أبا سفيان قدم المدينة قبل فتح مكة وهو كافر، طالبًا تجديد الصلح بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأنه دخل بيت أم حبيبة ابنته، فأراد أن يجلس على بساط رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزعته من تحته، فكلمها في ذلك فقالت: “إنه بساط رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت مشرك فقال لها: يا بنيت لقد أصابك بعدي شر”.

النقطة الثالثة: أسلم أبو سفيان بن حرب رضي الله عنه يوم فتح مكة سنة ثمان من الهجرة، وهذا مشهور لا خلاف فيه، وكان قد تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم حبيبة بنت أبي سفيان قبل إسلام أبيها يوم الفتح بزمان طويل.

فكيف يطلب أبو سفيان تزويج ابنته أم حبيبة للنبي صلى الله عليه وسلم بعدما أسلم أبو سفيان، أيتزوجها مرتين مرة بالحبشة ومرة ثانية بعد إسلام أبيها عام الفتح، وهذا مخالف للمعلوم عند أهل التاريخ وأهل الأخبار.

النقطة الرابعة: أجاب العلماء عن هذا الإشكال بأجوبة منها: جواب ابن الصلاح: أن أبا سفيان رضي الله عنه طلب تجديد عقد النكاح تطييبًا لقلبه؛ لأنه كان ربما يرى غضاضة من رياسته ونسبه أن تزوج بنته بغير رضاه، أو أنه ظن أن إسلام الأب في مثل هذا يقتضي تجديد العقد.

وقد خفي أوضح من هذا على أكبر مرتبة من أبي سفيان ممن كثر علمه، وطالت صحبته، وأجاب الإمام النووي في (شرح مسلم) بأن قوله صلى الله عليه وسلم: ((نعم)) معناه: مقصودك يا أبا سفيان قد حصل، وإن لم يكن بحقيقة تجديد عقد النكاح.

انظر هذه الأجوبة في كتاب: (المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج) للإمام النووي، الجزء السادس عشر الصحيفة الثالثة والستون إلى الصحيفة الرابعة والستين. و(المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم) للإمام القرطبي، الجزء السادس الصحيفة الرابعة والخمسون وأربعمائة إلى الصحيفة السابعة والخمسين وأربعمائة.

مثال آخر على مشكل الحديث، الذي يتعارض مع القرآن والحديث والإجماع:

روى الإمام مسلم في (صحيحه) في كتاب الرضاع، باب رضاعة الكبير الحديث السادس والعشرون.

فقال: “حدثنا عمرو الناقد وابن أبي عمر قالا: حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت: جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ((يا رسول الله إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم وهو حليفه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أرضعيه قالت: وكيف أرضعه وهو رجل كبير؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: قد علمت أنه رجل كبير زاد عمرو في حديثه: وكان قد شهد بدرًا)).

وفي رواية ابن أبي عمر ((فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم)) زاد الإمام مسلم في رواية ابن أبي مليكة عن القاسم عن عائشة برقم 27.

فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ((أرضعيه تحرمي عليه ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة، فرجعت فقالت: إني قد أرضعته فذهب الذي في نفس أبي حذيفة))”.

الجزء الثاني الصحيفة السادسة والسبعون بعد الألف، وأخرج الإمام البخاري في (صحيحه) أول الحديث في مجيء سهلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم دون قصة رضاع الكبير، وذلك في موضعين من (جامعه الصحيح).

الموضع الأول: في كتاب المغازي في الباب الثاني عشر الحديث رقم 4000 الجزء السابع، الصحيفة الخامسة والستون بعد الثلاثمائة.

والموضع الثاني: في كتاب النكاح باب الأكفأ في الدين الحديث 5088، الجزء التاسع الصحيفة الرابعة والثلاثون.

فهذا الحديث مشكل لمخالفته أن الله تعالى في كتابه حرم على المرأة أن تبدي زينتها لغير محرم، وأباح النبي صلى الله عليه وسلم لسهلة بنت سهيل رضي الله عنها أن تبدي ثديها لسالم رضي الله عنه، وهو غير محرم.

ولا يختلف في أن ثدي الحرة عورة بالإجماع، فلا يجوز الاطلاع عليه فضلًا عن مسه والتقامه.

فإن قلت: يمكن أن يرضع ولا يطلع بالتقام حلمة الثدي بالفم مع ستر الثدي، قلت: نفس التقام حلمة الثدي بالفم اطلاع فلا يجوز، كما أفاده الإمام القرطبي في (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم) في الجزء الرابع الصحيفة الثامنة والثمانون ومائة.

والحديث مخالف أيضًا لأقصى مدة الرضاع المعتبر شرعًا، وهي سنتان، لقوله تعالى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمّ الرّضَاعَةَ} [البقرة: 233].

فلا رضاع بعد تمام حولين؛ لأن الرضاعة قد تمت ولقوله تعالى في سورة لقمان: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [لقمان: 14]، والحديث مخالف أيضًا للزمان الذي تغني فيه الرضاعة عن الطعام، بحيث لا يتغذى الطفل إلا باللبن في وقت خلو معدته من الطعام إلا اللبن.

لما رواه الإمام مسلم في (صحيحه) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ((دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندي رجل قاعد فاشتد ذلك عليه، ورأيت الغضب في وجهه. قالت: فقلت: يا رسول الله إنه أخي من الرضاعة قالت: فقال: انظرن إخوتكن من الرضاعة، فإنما الرضاعة من المجاعة)).

رواه مسلم في (صحيحه) في كتاب الرضاع، باب إنما الرضاعة من المجاعة، الحديث الثاني والثلاثون في الجزء الثاني الصحيفة الثامنة والسبعين بعد الألف.

قال الإمام القرطبي في (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم) ما نصه: “إنما للحصر فكأنه قال: لا رضاعة معتبرة إلا المغنية عن المجاعة، أو المطعمة من المجاعة كما قال تعالى: {أَطْعَمَهُم مّن جُوعٍ} [قريش: 4]”.

والمعنى: تحققن من هذه الرضاعة هل يصدق عليها الرضاع المحرم في وقت المجاعة حين لا يتغذى الطفل إلا على اللبن، وإذا جاع أشبعه اللبن.

ويؤكد مخالفة حديث رضاع الكبير للزمان، الذي يعتبر الرضاع فيه محرمًا وهو قبل الفطام، ما رواه الإمام الترمذي في (جامعه) في كتاب الرضاعة، باب ما جاء أن الرضاعة لا تحرم إلا في الصغر دون الحولين.

الحديث الثاني والخمسون ومائة وألف فقال: “حدثنا قتيبة قال: حدثنا أبو عوانة قال: عن هشام بن عروة قال: عن أبيه قال: عن فاطمة بنت المنذر، وفاطمة بنت المنذر بن الزبير بن العوام، وهي امرأة هشام بن عروة.

عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام)) قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن صحيح”.

الجزء الثالث، الصحيفة الثامنة والخمسون وأربعمائة إلى الصحيفة التاسعة وخمسين وأربعمائة.

قال الحافظ ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنّ} [البقرة: 233] بعد إيراده للحديث المذكور: “تفرد الترمذي برواية هذا الحديث، ورجاله على شرط (الصحيحين)”. (تفسير القرآن العظيم) الجزء الأول الصحيفة الثالثة والثمانون ومائتين.

ومعنى فتق الأمعاء في الثدي، الذي شق أمعاء الرضيع ووقع منه موقع الغذاء، وذلك في أوان الرضاع ووقته وهو الحولان، ولم يرد بقوله: “في الثدي” أن يكون من الثدي، إنما هي لغة معروفة في لسان العرب تقول العرب: مات فلان في الثدي يعني: في زمن الرضاع.

ولأجل مخالفة حديث رضاع الكبير للكتاب والسنة والإجماع مع صحته قال العلماء كافة، ومنهم الأئمة الأربعة: بخصوصية الحديث بسالم وامرأة أبي حذيفة.

فهي واقعة عين لا عموم فيها، انظر: (شرح مسلم) للنووي، الجزء العاشر الصحيفة الثلاثون إلى الصحيفة الواحدة والثلاثين، و(فتح الباري) بشرح البخاري الجزء التاسع الصحيفة الثالثة وخمسون.

ويؤيد الخصوصية ما رواه مسلم في (صحيحه)، من حديث أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أنها كانت تقول: “أبى سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخلن عليهن أحدًا بتلك الرضاعة.

وقلن لعائشة: والله ما نرى هذا إلا رخصةً أرخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم لسالم خاصة، فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة ولا رائينا”. رواه مسلم في (صحيحه) في كتاب الرضاع، باب رضاعة الكبير الحديث الواحد والثلاثون، الجزء الثاني الصحيفة الثامنة والسبعون بعد الألف.

وذهبت عائشة أم المؤمنين أفقه النساء مطلقًا وداود وابن حزم والليث في رواية إلى ثبوت حرمة الرضاع برضاع البالغ، كما تثبت برضاع الطفل، وكانت عائشة رضي الله عنها تأمر أختها أم كلثوم، وبنات أخيها يرضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال.

يعني: في رفع الحجاب لا في رفع النكاح، انظر المراجع الآتية (المحلى) لابن حزم الجزء العاشر الصحيفة السابعة عشرة، المسألة التاسعة والستون وثمانمائة وألف، (الاستذكار) لابن عبد البر الجزء السادس الصحيفة الخامسة والخمسون ومائتين. (شرح مسلم) للنووي الجزء العاشر الصحيفة الثلاثون، (زاد المعاد في هدي خير العباد) لابن قيم الجوزية، الجزء الخامس الصحيفة الرابعة والثمانون وخمسمائة، (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب المسلم) للإمام القرطبي الجزء الرابع الصحيفة السابعة والثمانون ومائة. (الموطأ) للإمام مالك الجزء الثاني الصحيفة الخامسة بعد الستمائة، الحديث الثاني عشر.

وفي فقه الحديث مذهب ثالث: وهو ما اختاره ابن تيمية، وتلميذه ابن قيم الجوزية أن الحديث رخصة، يلجأ إليها عند الضرورة من كانت حالته مثل حالة سهل مع سالم رضي الله عنهما.

قال ابن تيمية -رحمه الله- ما نصه: “يجوز إن احتيج إلى جعله ذا محرم، وقد يجوز للحاجة ما لا يجوز لغيرها، وهذا قول متوجه”. (مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية) الجزء الرابع والثلاثون، الصحيفة الستون.

وقرر ابن قيم الجوزية مذهب شيخه وقواه، فقال: “حديث سهلة ليس بمنسوخ ولا مخصوص ولا عام في حق كل أحد، وإنما هو رخصة للحاجة لمن لا يستغني عن دخوله على المرأة، ويشق احتجابها عنهم. كحال سالم مع امرأة أبي حذيفة، فمثل هذا الكبير إذا أرضعته الحاجة أثر رضاعه، وأما من عداه فلا يؤثر إلا رضاع الصغير، ثم قال: وهذا أولى من النسخ ودعوى التخصيص بشخص بعينه، وأقرب إلى العمل بجميع الأحاديث من الجانبين، وقواعد الشرع تشهد له والله الموفق”. (زاد المعاد في هدي خير العباد) لابن قيم الجوزية الجزء الخامس، الصحيفة الثالثة والتسعون وخمسمائة.

error: النص محمي !!