Top
Image Alt

الفسق وتعمد الكذب من مسقطات العدالة ومسائل أخرى

  /  الفسق وتعمد الكذب من مسقطات العدالة ومسائل أخرى

الفسق وتعمد الكذب من مسقطات العدالة ومسائل أخرى

من وجوه الطعن في العدالة: الفسق:

أما الوجه الثاني فيما يتصل بالعدالة إذا لم تتحقق في الراوي، فهو: الفسق، وممن اتهم بالفسق من الرواة جميل بن الحسن الأهوازي. قال ابن عدي: سمعت عبدان يقول: كان كذابًا فاسقًا فاجرًا. سمعت ابن معاذ يحكي عن آخر عن امرأة زعمت أن جميلًا تعرض لها، وراودها، فقالت: له اتق الله! فقال: إنه ليأتي علينا الساعة يحل لنا فيها كل شيء، أو كما قال. قال ابن عدي: وجميل بن الحسن لم أسمع أحدًا يتكلم فيه غير عبدان، وهو كثير الرواية، وعنده كتب سعيد بن أبي عروبة، يرويه عن عبد الأعلى بن سعيد -أي: كتاب سعيد بن أبي عروبة- قال: ولا أعلم له حديثًا منكرًا، وأرجو أنه لا بأس به، إلا عبدان فإنه نسبه إلى الفسق، أما في باب الرواية فإنه صالح، فرأى أنه في مجال الضبط صالحًا، وليس له حديث منكر ولا بأس به، ورأى أنه في مجال العدالة حكم عبدان عليه بالفسق، وهذا الحكم يؤدي إلى التوقف في قبول حديثه. وقال ابن أبي حاتم: أدركناه ولم نكتب عنه، واستدرك ابن حجر على عبدان بأن مراده بأنه فاسق يكذب عماده قول المرأة عنه. قال: وكيف يؤثر قول المرأة فيه مع كونها مجهولة، وكلام ابن حجر معتبر، إذا كان عبدان لم يستند في الحكم عليه إلا على الحكاية عن هذه المرأة، والتي سمعها من رجل أيضًا لم يذكر اسمه، وقد روى عنه ابن ماجه، وابن خزيمة، وأبو عروبة، وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: يغرب، وأخرج له في صحيحه هو وابن خزيمة والحكم، وقال مسلمة: حدثنا ابن المحاملي عنه وهو ثقة، ومع تعارض الجرح والتعديل، واستناد الجرح إلى سبب لم يثبت بسند قوي تُقبل روايته؛ لأن جرحه عن مجهول ومجهولة في الرواية -أي: في السند الذي روي به.

ومنهم: عبد الرحمن بن مُسهر أخو علي بن مُسهر، قال عبد الله بن إدريس: عاتبت أبا يوسف في أخٍ لعلي بن مُسهر كان استقضاه، وظهر منه خيانة وجور، فقلت: ما اتقيت الله؛ أتيت بمثله للقضاء؟ قال: إنه شكا إليّ الحاجة، ولم يكن ضابطًا. قال البخاري: فيه نظر. وقال النسائي: متروك الحديث، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال ابن عدي: مقدار ما له من الروايات لا يتابع عليه، وقد حكي أن أبا يوسف ولاه قضاء جبل فانحدر مع الرشيد -أي: أبو يوسف- إلى البصرة، فجاء هذا القاضي إلى الرشيد، وقال: يا أمير المؤمنين نعم القاضي قاضي جبل قد عدل فينا وفعل، وجعل يثني على نفسه؛ لأنه لم يجد أحدًا من الناس يشاركه في هذا الثناء، فضحك أبو يوسف، فسأله الرشيد، فأخبره بحاله، فضحك وأمر بعزله، فغضب هذا من أبي يوسف، وحدث عن مجالد عن الشعبي، أن كنية الدجال: أبو يوسف.

أما الوجه الثالث الذي يؤثر في الراوي من ناحية العدالة فهو: الابتداع، ونكتفي هنا ببيان الشرطين الأساسيين لإخراج الشيخين لبعض ذوي الابتداع، ذكر ابن حجر في (هدي الساري): أن من لم يكن داعية إلى بدعته أو كان وتاب أو اعتضدت روايته بمتابع أخرج له البخاري ومسلم، وذكر أن البدع التي رمي بها من أخرج لهم الشيخان من المبتدعة:

  1. ألا يكون داعيًا إلى بدعته، أو كان وتاب.
  2. أن تعتضد روايته بمتابع غير مبتدع إذا كان داعية، وروايته لا تؤيد بدعته.
  3. ألا تكون بدعته مكفرة تكفيرًا متفق عليه من قواعد جميع الأئمة كما في غلاة الروافض من دعوى بعضهم حلول الألوهية في علي أو غيره، أو الإيمان برجوعه إلى الدنيا قبل يوم القيامة. قال: وليس في الصحيح من حديث هؤلاء شيء ألبتة.
  4. أن يكون متحرزًا من الكذب، مشهورًا بالسلامة من خوارم المروءة، موصوفًا بالديانة والعبادة، أي: محققًا لشروط العدالة، وليس فيه إلا البدعة التي قبلناه بها مع هذه الاحتياطات، فتحصل أن شرطي الشيخين في قبول رواية المبتدع في الصحيحين، وإن تابعاه في أغلبها، أو في كل الروايات:
    1. ألا يكون داعيًا إلى بدعته، أو معروف بالكذب، أو بمُفَسّقٍ آخر.
    1. ألا تكون البدعة مكفرة، وأن تنبى على تأويل وتكون في أمر مشتبه.

ثم ذكر ابن حجر ما رمي به من له في الصحيحين رواية، فذكر الإرجاء، وقال هو بمعنى: التأخير، وهو على قسمين:

منهم من أراد به تأخير القول في الحكم بتصويب إحدى الطائفتين ممن تقاتل بعد عثمان رضي الله  عنه.

ومنهم من أراد به تأخير القول في الحكم على من أتى الكبائر، أو ترك فرائض تأخير الحكم عليه بدخول النار؛ لأن الإيمان عندهم الإقرار والاعتقاد فلا يضر العمل بالإضافة إلى ذلك.

والتشيع: هو محبة علي، وتقديمه على الصحابة، فمن قدمه على أبي بكر وعمر فهو غالٍ في تشيعه، ويطلق عليه رافضي، وإلا -أي: وإذا قدمه على عثمان- فشيعي، فإذا انضاف إلى ذلك السب والتصريح بالبغض فغالٍ في الرفض، وإن اعتقد الرجعة إلى الدنيا فأشد في الغلو، وكذلك إذا قال بحلول الألوهية فيه.

والقدرية: من يزعم أن الشر من فعل العبد وحده.

والجهمية: من ينفي صفات الله التي أثبتها الكتاب والسنة، ومن يقول القرآن مخلوق.

والنصب بغض علي، وتقديم غيره عليه.

والخوارج: هم الذين أنكروا التحكيم على علي، وتبرءوا منه، ومن عثمان، وذريته وقاتلوه، فإن أطلقوا تكفيرهم فهم الغلاة.

والإباضية والعقدية: الذين يزينون الخروج على الأئمة، ولا يباشرون ذلك، أي: بأنفسهم.

والواقف في القرآن: لا يقول مخلوق ولا غير مخلوق.

ثم ذكر من رمي بشيء من هذه البدع ممن أخرج لهم الشيخان، وبين أن منهم من رجع عن بدعته، فإبراهيم بن طهمان رمي بالإرجاء، وذكر الحاكم أنه رجع عنه، وإسماعيل بن أبان الوراق، قال ابن عدي: كان على ما عليه الكوفيين من التشيع. قال الجوزجاني: كان مائلًا عن الحق، ولم يكن يكذب في الحديث.

نختم الكلام على رواية المبتدع بقول ابن حجر: الجوزجاني كان ناصبيًّا منحرفًا على علي، فهو ضد الشيعي المنحرف عن عثمان، والصواب موالاتهما جميعًا، وألا يسمع قول مبتدع في مبتدع.

من وجوه الطعن في العدالة: الاتهام بالكذب، وتعمد الكذب:

الوجه الرابع فيما يتصل بشروط العدالة إذا اختلت فهو الاتهام بالكذب، وسبق الكلام عليه، والمراد به: من يكذب في حديث الناس، وإن لم يكذب في حديث الرسول صلى الله عليه  وسلم.

ويضاف إليه: من يسرق حديث غيره من أقرانه، ثم يرويه عن شيخ من سرق منه بسنده.

وممن اتهم بالكذب: بهلول بن عبيد شيخ يسرق الحديث، لا يجوز الاحتجاج به بحال، وبركة بن محمد الحلبي، كان يسرق الحديث، وربما قلبه، وإذا أدخل عليه حديث حدث به، وحديث المتهم بالكذب هو المتروك.

أما الوجه الخامس من فقدان العدالة فهو الكذب: والكذاب هو الذي يتعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه  وسلم باختلاق حديث ووضعه، وقد يضع له إسنادًا، وقد يركبه على إسناد مشهور، وحديثه هو الموضوع.

وممن ذكر بذلك -وهم كثيرون- ما قاله الحضرمي: ما سمعت أبا بكر بن أبي شيبة كذّب أحدًا إلا إسحاق بن بشر الكاهري، فإنه جاز بي فقال لي ابن أبي شيبة: أبو يعقوب هذا كذاب. وقال ابن عدي: هو في عداد من يضع الحديث، وأيضًا بكر بن زياد الباهلي، قال ابن حبان: شيخ دجال يضع الحديث على الثقات، وقال محمد بن يوسف: قدم عمرو بن زياد الثوباني من الري، وذكر أنه كان ببغداد، وكان يذاكر أحمد بن حنبل، وأنه يعرفه، وذكر أبا زرعة الرازي، وأملى علينا أحاديث؛ فأنكرها بعض من كان معنا من أصحابنا، فكتبنا إلى أبي زرعة، وبعثنا إليه بحديثه، فكتب إلينا أبو زرعة: إن هذه الأحاديث موضوعة، وإن الرجل كذاب، هذا فيما يتصل بالعدالة.

وجوه الطعن في الضبط:

أ. سوء الحفظ:

أما ما يتعلق بالضبط فالوجه الأول من فقدان الضبط سوء الحفظ، وهو نوعان: ما يكون ملازمًا للراوي، وما يكون طارئًا عليه، وذكر الحافظ العلائي: أن الرواة الذين حصل لهم الاختلاط في آخر عمرهم على ثلاثة أقسام:

أحدها: من لم يوجب له ذلك ضعفًا أصلًا، ولم يحط من مرتبته، إما لقصر مدة الاختلاط وقلته، كسفيان بن عيينة، وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه، وهما من أئمة الإسلام المتفق عليهم، وإما؛ لأنه لم يرو شيئًا حال اختلاطه فسلم حديثه من الوهم كجرير بن حازم، وعفان بن مسلم ونحوهما، ويدخل في هذا القسم قول ابن الكيال عن سبط ابن العجمي في كتابه عن المختلطين: أنه ذكر الثقات وغيرهم، ومن قيل إنه اختلط، ولم يثبت ذلك حتى ذكر -رحمه الله- من تغير في مرض الموت، وليس المقصود ذلك؛ لأن عامة من يموت يختلط في حال موته ولا يضره ذلك.

أما القسمان الآخران عند العلاء فهما:

  1. من كان متكلّمًا فيه قبل الاختلاط فلم يحصل من الاختلاط إلا زيادة في ضعفه، كابن لهيعة، ومحمد بن جابر السحيمي ونحوهما.
  2. من كان محتجًّا به ثم اختلط أو عمّر فحصل له الاختلاط في آخر عمره، فيتوقف الاحتجاج على التمييز بين ما حدث به قبل الاختلاط، وما رواه أي في حال الاختلاط، وممن لازمه سوء الحفظ قبل الاختلاط، وبعده مع تفاوت حاله في ذلك وتفاوت الحكم عليه تبعًا لما ظهر من سوء حفظه، رَوّاد بن الجراح، وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: محله الصدق تغير بأخرة حفظه، وقال الدارقطني: متروك، وممن نص على أنه اختلط البخاري والنسائي، وأبو أحمد الحاكم ومحمد بن عوف الطائي، قال البخاري: كان قد اختلط لا يكاد أن يقوم حديثه، وقال: ليس له كثير حديث قائم، وقال أحمد: حدث عن سفيان -أي: الثوري- أحاديث مناكير.

أهم الكتب المصنفة في الاختلاط:

بيان أهم الكتب المصنفة؛ لمعرفة من سمع من المختلط قبل الاختلاط أو بعده:

لا تخلو كتب الجرح والتعديل من التنبيه على الاختلاط، وذكر بعض من روى قبله عن الراوي، ومن روى عنه بعده، ومن الكتب التي صنفت في جمع أسماء من اختلط وتحديد أثر الاختلاط على روايته، وبيان من روى عنه -إذا كان ثقة- قبل الاختلاط من روى عنه بعد الاختلاط، ومن روى عنه قبل الاختلاط، ومن هذه الكتب:

كتاب (المختلطين) للعلائي، وهو جيد في بابه يحدد أقسام المختلطين وينبه في أثناء الترجمة صراحة أو ضمنًا ما يدخل في كل قسم من الرواة الذين حكم عليهم بالاختلاط.

ثم كتاب (الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الثقات) ترجم لسبعين راويًا من الرجال وامرأة واحدة؛ لكنه لم يعنَ بتقسيم المختلطين، والإشارة إلى أن الراوي في أي قسم من هذه الأقسام، وقد ربط بين تراجمه وتراجم صاحب (الاغتباط) فبعد أن يترجم لراوٍ يقول: وذكره صاحب (الاغتباط) ثم زاد عليه في تراجم بين أنها زائدة، وقد وصف كتاب العلائي بأنه مختصر جدًّا مرتب على حروف المعجم، ونقل ذلك عن الحافظ العراقي مما يدل على أنه لم يطلع عليه، وقد رتب كتابه أيضًا على حروف المعجم كما رتب صاحب كتاب: (الاغتباط) الذي بنى عليه كتابه، وصاحب كتاب: (الاغتباط) هو برهان الدين سبط ابن العجمي، وذكر ابن الصلاح في علومه ستة عشر مختلطًا من الرواة وتابعه العراقي ومن بعده كالسخاوي والسيوطي.

قال السخاوي: وفائدة ذكر من اختلط تمييز المقبول أي: من حديثهم من غيره، ولذا لم يُذكر الضعفاء منهم كنجيح السندي أبي معشر بن عبد الرحمن؛ لأنهم غير مقبولين بدونه, أي في كتب علوم الحديث، أو في الكلام على المختلطين من حيث قبول الرواية وعدمها قال: والاختلاط حقيقته فساد العقل، وعدم انتظام الأقوال والأفعال إما بخرَف أو ضرر أو مرض أو عرض من موت ابن أو حبيب وسرقة مال أو ذهاب كتب أو احتراقها, وذكر السخاوي ممن أفرد كتابًا للمختلطين أبو بكر الحازمي حسبما ذكر في كتابه (تحفة المستفيد) والظاهر أنه لم يطلع عليه، لكن السيوطي قال: رأيت كتابه، وذيل ابن حجر على كتاب العلائي (الجواب عما في الصحيحين من أحاديث المختلطين) وبالأخص من طريق من سمع منهم بعد الاختلاط.

ب. باقي وجوه الطعن في الضبط:

– المخالفة للثقات.

– الوهم.

– الغفلة.

– فحش الغلط.

باقي وجوه النقد على الراوي مما لا يتعلق بالعدالة ولا بالضبط

ثالثًا: ما يُنتقد على الراوي مما لا يتعلق بالعدالة والضبط:

الوجه الأول: التدليس:

أنواعه الثلاثة وأحكامها:

بذل علماء الحديث جهودًا مشهودة في فحص الأحاديث متنًا، ودراستها سندًا، والبحث عن أحوال الرواة وكيفية الرواية، وكيفية الاتصال بين الراوي ومن روى عنه للحكم على الحديث بالقبول أو الرد, ومما تكشف لهم في مجال اتصال السند بين الراوي ومن روى عنه ما يرويه الراوي عمن لقيه أو عاصره مما لا يسمعه منه أو يتحمله عنه بوجه معتبر في الرواية، بل تحمله ممن أخذ عنه ثم أسقطه من الرواية موهمًا أنه تحمل عن الشيخ الذي روى عنه، وتكون الرواية بلفظ لا يدل صراحة على الاتصال، بل يوهم ذلك.

والتدليس أساسًا من الدلَس وهو اختلاط الظلمة بالضوء؛ لما فيه من التعمية على من يسمع الحديث أو من يريد العمل به، فقد يتوهم أنه متصل وهو في الحقيقة غير متصل، ولا بد من بيان وجه التدليس فيه؛ لتظهر حقيقته وينقسم التدليس إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: تدليس الإسناد: وهو أن يروي الراوي عمن لقيه، وبعضهم اكتفى بإمكان المعاصرة أو بالمعاصرة مع إمكان اللقاء أن يروي عنه ما لم يتحمل عنه بلفظ لا يدل صراحة على الاتصال؛ موهمًا بذلك أنه تحمل عنه الحديث، وقد يسقط في ذلك راويًا أو أكثر من راوٍ بينه وبين من روى عنه الحديث، وقد لا يذكر صيغ الرواية على الإطلاق، ويلزم لتحقق هذا النوع من التدليس ما يلي:

  1. رواية الحديث عن غير من تلقاه منه.
  2. ثبوت لقائه لمن روى عنه في غير هذا الحديث أو معاصرته لذلك.
  3. ألا تكون الرواية بصيغة صريحة في التحمل، والأخذ عمن روى عنه.
  4. أن يقصد بذلك إيهام التلقي، والتحمل عمن روى عنه، وذلك؛ لأنه إذا روى الحديث عمن تلقاه منه انتفى تدليس الإسناد، وثبت الاتصال, وإذا لم يثبت لقاؤه لمن روى عنه الحديث مع كونه معاصرًا له فليس مدلسًا عند من يرى أن الحكم بالاتصال في العنعنة يشترط فيه ثبوت اللقاء بين الراوي، ومن روى عنه ولو مرة.

قال ابن حجر في (نزهة النظر): ثم إن السقط من الإسناد قد يكون واضحًا يحصل الاشتراك في معرفته ككون الراوي مثلًا لم يعاصر من روى عنه، وذلك لا يدخل في التدليس بحال أو يكون خفيًّا فلا يدركه إلا الأئمة الحذاق المطلعون على طرق الحديث وعلل الأسانيد، قال: فالأول وهو الإرسال الظاهر الواضح يدرك بعدم التلاقي بين الراوي وشيخه، أي: والمعاصرة؛ لكونه لم يدرك عصره أو أدركه لكنهما لم يجتمعا، وليست له منه إجازة ولا وجادة، فجعل الدليل المعتمد على أنه عاصره، ولم يلقه مشابهًا لثبوت أنهما لم يكونا في عصر واحد.

والقسم الثاني: وهو الخفي المدلََّس، وكذلك المرسل الخفي، إذا صدر من معاصر لم يلق من حدث عنه، أي: لم يثبت لقاؤه له ولو مرة، بل بينه وبينه واسطة.

والفرق بين التدليس والمرسل الخفي دقيق، تحريره: أن التدليس يختص بمن روى عمن عرف لقاؤه إياه، فأما إن عاصره، ولم يُعرف أنه لقيه أي لكن كان اللقاء محتملًا فهو المرسل الخفي، وأما إن جزم أحد الأئمة أو ثبت أنه لم يلقه بالتأكيد فكأنه لم يعاصره, قال ابن حجر: ومن أدخل في تعريف التدليس المعاصرة ولو بغير لقُي لزمه دخول المرسل الخفي في تعريفه. والصواب التفرقة بينهما.

لكن ابن الصلاح والنووي والعراقي لم يشترطوا ثبوت اللقاء، واكتفوا بالمعاصرة، قال العراقي: وإنما يكون تدليس الإسناد إذا كان المدلس قد عاصر المروي عنه أو لقيه، ولم يسمع منه أو سمع منه، ولم يسمع منه ذلك الحديث، وهذا يجري على مذهب من اكتفى في الحكم باتصال المعنعن اكتفى بالمعاصرة، ولم يشترط ثبوت اللقاء، وإذا كانت صيغة الرواية تدل صراحة على الاتصال، ولا تجَوّز فيها فروى بها عمن لم يأخذ عنه الحديث كان سارقًا للحديث، وكان ذلك كذبًا في الرواية، ولا يدخل في مجال التدليس، ولا بد من أن يقصد الراوي الإيهام بذلك فيظن أنه روى عمن تلقى منه الحديث بأن يسكت عن البيان، ولا يرويه عن الشيخ الذي أسقطه في مرة أخرى ولا يشير إلى ما يدل على أنه لم يسمعه من هذا الشيخ, فلو بين أنه لم يسمع منه بما يزيل الإبهام لم يكن مدلسًا، بل كان مرسلًا للحديث.

قال الخطيب عن تدليس الإسناد: هو تدليس الحديث الذي لم يسمعه الراوي ممن دلسه بروايته إياه عنه على وجه يوهم أنه سمع منه، ويعدل عن البيان بذلك, ولو بيّن أنه لم يسمعه من الشيخ الذي دلسه عنه؛ فكشف ذلك لصار ببيانه مرسلًا للحديث غير مدلس فيه؛ لأن الإرسال للحديث ليس بإيهام من المرسل كونه سامعًا ممن لم يسمع منه، وملاقيًا لمن لم يلقه، وإنما يفارق حاله حال المرسِل بإيهامه السماع ممن لم يسمع منه فقط، وهو الموهن لأمره.

وعلى ذلك فالإرسال أعم من التدليس، فكل تدليس إرسال، وليس كل إرسال تدليس.

مبهم المراسيل أو المرسل الخفي: هو الذي يكون بين متعاصرين أو متلاقيين، لكن ليس فيه إيهام.

ويمكن أن يقال: ما ليس فيه إيهام يكون مرسلًا ظاهرًا، والتدليس هو ما كان من ذلك مع الإيهام, خلافًا لما فرق به ابن حجر وغيره من ثبوت اللقاء والسماع بين المتعاصرين أو عدم ثبوت اللقاء، وعند الإيهام يكون التدليس، وعند الوضوح يكون الإرسال.

error: النص محمي !!