Top
Image Alt

الفضل في رضا الوالدين

  /  الفضل في رضا الوالدين

الفضل في رضا الوالدين

أمر الإسلام ببر الوالدين، ودعا إلى برهما في أكثر من موضع من القرآن الكريم، وجاءت أحاديث كثيرة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم تدعو المسلمين إلى أن يبروا آباءهم وأمهاتهم، ومن هذه الأحاديث ما جاء عن معاوية بن حيدة قال: ((قلت: يا رسول الله مَن أبرّ؟ قال: أمك، قال: قلت: ثم من؟ قال: أمك، قال: قلت: ثم من؟ قال: أمك، قال: قلت: ثم من؟ قال: ثم أباك، ثم الأقرب فالأقرب)).

وروى الترمذي أيضًا قال: “حدثنا أحمد بن محمد أخبرنا عبد الله بن المبارك عن المسعودي عن الوليد بن العيزار عن أبي عمرو الشيباني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ((سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لميقاتها. قلت: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: بر الوالدين. قال: قلت: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: الجهاد في سبيل الله. ثم سكت عني رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو استزدته لزادني))”.

ومعنى ((الصلاة لميقاتها)) أي: على وقتها، وفي رواية ((لأول وقتها)).

وقد أمر القرآن الكريم ببر الوالدين في آيات كثيرة منها قوله تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِير} [لقمان: 14].

هذا وقد سكت ابن مسعود، ولم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يشق عليه صلى الله عليه وسلم.

والحديث بين أن أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها، ثم بر الوالدين بعد ذلك مباشرة، ثم بعد ذلك الجهاد في سبيل الله، وجاء في الفضل في رضا الوالدين الكثير والكثير؛ إذ جاء في الحديث الحسن الصحيح: أن الوالد والوالدة ((أوسط أبواب الجنة))، فمن أراد أن يجعل له بابًا في الجنة، بل من أوسط أبواب الجنة فعليه أن يكون بارًّا بوالديه، وأخبر صلى الله عليه وسلم أن رضا الرب في رضا الوالد.

أقول: وكذلك الوالدة، وأن سخط الرب سبحانه وتعالى في سخط الوالد والوالدة، فعلى كل مسلم أن يسعى جاهدًا إلى إرضائهما وإلى عدم عقوقهما.

قال الترمذي: “حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: إن رجلًا أتاه فقال: إن لي امراة وإن أمي تأمرني بطلاقها، فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه)). وربما قال سفيان: إن أمي وربما قال: أبي، أي: إن أبي، أي: الذي أمره بطلاق امرأته أبوه أو أمه، وهذا حديث صحيح، وأبو عبد الرحمن السلمي اسمه: عبد الله بن حبيب.

قال الترمذي: “وحدثنا أبو حفص عمرو بن علي حدثنا خالد بن الحارث حدثنا شعبة عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد))، حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو، ونحوه ولم يرفعه وهذا أصح”.

قال أبو عيسى أي: الترمذي: “وهكذا روى أصحاب شعبة عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو موقوفًا، ولا نعلم أحدًا رفعه غير خالد بن الحارث عن شعبة، وخالد بن الحارث ثقة مأمون. سمعت محمد بن المثنى يقول: ما رأيت بالبصرة مثل خالد بن الحارث، ولا بالكوفة مثل عبد الله بن إدريس. قال: وفي الباب عن عبد الله بن مسعود”.

وقوله: ((الوالد أوسط أبواب الجنة)) قال القاضي عياض: أي: خير الأبواب وأعلاها.

والمعنى: أن أحسن ما يتوسل به إلى دخول الجنة، ويتوسل به إلى وصول درجتها العالية مطاوعة الوالدين، ومراعاة جانبهما.

وقال غيره: إن للجنة أبوابا وأحسنها دخولًا أوسطها، وإن سبب دخول ذلك الباب الأوسط هو محافظة حقوق الوالد، والمراد بالوالد الوالدين، فالمراد بالوالد هنا الجنس، أو إذا كان حكم الوالد هذا فحكم الوالدة أقوى، وبالاعتبار أولى.

((فأضع)) فعل أمر من الإضاعة، أي: ضياع ذلك الباب بترك المحافظة عليه.

((أو احفظه)) أي: داوم على تحصيله يعني: إن أردت أن تحتفظ بذلك الباب فبر والديك، وإن أردت ألا تحتفظ بهذا الباب فلا تبرهما، وبذلك تكون قد ضيعته، وهذه خسارة ما بعدها خسارة.

ثم قال: هذا حديث صحيح.

يقول الشارح: وأخرجه ابن ماجه، وابن حبان في (صحيحه) وأبو داود الطيالسي، وأخرجه الحاكم في (مستدركه) وصححه وأقره الذهبي، أي: أقر الذهبي تصحيح الإمام الحاكم لهذا الحديث، والحديث الذي بعده بين أن رضا الله سبحانه وتعالى مرتبط برضا الوالد على ولده، وكذا برضا الوالدة.

يقول الشارح: “رضا الرب في رضا الوالد” أي: حكم الوالد حكم الوالدة، هكذا بل هو أولى، ورواه الطبراني بلفظ: ((رضا الرب في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما))، و”سخط” بفتحتين، ضد الرضا، وكان ذلك السخط بسبب سخط الوالد؛ لأنه تعالى أمر أن يطاع الأب وأن يكرم فمن أطاعه فقد أطاع الله، ونفذ أمر الله، ومن أغضب الوالد فقد أغضب الله؛ لأنه عصى أمر الله، وهذا وعيد شديد يفيد أن العقوق كبيرة من الكبائر؛ لأن الكبيرة حددها كثير من العلماء بأنها هي التي يترتب عليها عقاب كبير وتهديد شديد، وأي وعيد وتهديد أكبر من أن يكون سخط الله سببه أن يسخط الإنسان والديه.

ثم قال الترمذي: “وهذا أصح”، أي: الموقوف أصح من المرفوع؛ لأن هذه الرواية: ((رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد)) جاءت بالوقف وبالرفع، ومعنى الوقف أنها من كلام الصحابي، فرجح الموقوف على المرفوع، لكن ابن حبان أخرجه مرفوعًا في صحيحه، وكذلك الحاكم، وقال الحاكم: “صحيح على شرط مسلم”.

أقول: حتى ولو كان هذا الحديث موقوفًا على الصحابي، فإنه موقوف له حكم الرفع؛ لأنه لا يصح لصحابي أن يحكم برضا الله وسخطه في شيء إلا إذا كان سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فالحديث يدعونا إلى البر بالوالدين، وإلى الإحسان إليهما، وإلى إكرامهما، وإلى طاعتهما، وليس المراد بالبر مجرد تقديم الطعام والشراب، وإنما المراد به عدم العقوق، والمراد به أن يكون الابن مطاوعا للأبوين، والمراد منه أن يحسن إليهما حتى في الكلام، وفي النظرة وفي اللقاء الحسن، وفي الوجه المسرور يلاقيهما ببشر وسرور، ولا يقل لهما أدنى كلمة فيها غضب لهما حتى كلمة “أف”.

قال ابن عباس رضي الله عنهما عندما فسر قوله تعالى: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ}[الإسراء: 23] قال رضي الله عنه: “لو كانت هناك كلمة أقل من “أف” لذكرها القرآن الكريم”.

error: النص محمي !!