Top
Image Alt

الفيء: تعريفه، مشروعيته، حكم توزيعه

  /  الفيء: تعريفه، مشروعيته، حكم توزيعه

الفيء: تعريفه، مشروعيته، حكم توزيعه

تعريف الفيء:

يُعرف “الفَيْء” في اللغة بأنه: الرجوع، يقول تعالى: {حَتّىَ تَفِيَءَ إِلَىَ أَمْرِ اللّهِ} [الحُجُرات: 9]، بمعنى: حتى ترجع إلى الحق. ومن معانيه اللغوية أيضًا: الظل، والخراج، والغنيمة تُنال بلا قتال. وجمْعه: أفياء، وفيوء.

ويُعرف “الفيء” اصطلاحًا بأنه: الأموال التي يستولي عليها المسلمون من أهل الحرب عفوًا، أي: من غير قتال، إما بالجلاء، أو بالمصالحة على جزية أو غيرها…

و”الفَيْء” أعم دلالةً, وأوسع شمولًا من “الغنائم”، وقيل: العكس، حتى قال الماوردي عن “الغنائم”: إنها أصلٌ تفرّع عنه الفيء، فكان حكمها أعم.

وأوردت (الموسوعة الفقهية الكويتية) (8/ 246) تسعة أنواع للفيْء، منه: الأرض المغنومة بالقتال عند مَن يرى عدم تقسيمها بين الغانمين. وجاء في موضع آخر منها: أنّ اسم كل واحد منهما -أعني: الفيء والغنيمة- يقع على الآخَر إذا أُفرد بالذِّكر، فإذا جُمع بينهما افترقا، كاسمَي “الفقير” و”المسكين”.

مشروعية الفيء:

فيستمد الفيء مشروعيته من الآيات التي تضمّنتها سورة “الحشر”، والتي نزلت بمناسبة غزوة بني النضير، وفيها قال الله تعالى: {وَمَآ أَفَآءَ اللّهُ عَلَىَ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ وَلَـَكِنّ اللّهَ يُسَلّطُ رُسُلَهُ عَلَىَ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الحشر: 6]، وقال تعالى: {مّآ أَفَآءَ اللّهُ عَلَىَ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىَ فَلِلّهِ وَلِلرّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَآءِ مِنكُمْ وَمَآ آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ وَاتّقُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7].

أضف إلي ذلك: ما رواه الشيخان من حديث مالك بن أوس، عن عمر رضي الله عنه أنه قال: ((كانت أموال بني النضير ممّا أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم وكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خاصةً. فكان يُنفق على أهله -أي: يدّخر لهم نفقة سنة- وما بقي يجعله في الكراع، والسلاح)) أي: عدّة الجهاد وعتاده من خيل وإبل وسلاح وغير ذلك…

شمولية الفيء:

فكما يوضّح ذلك أبو عبيد قائلًا: “إن مال الفيء هو: كل أجنبيٍّ من أموال أهل الذِّمّة، ممّا صولحوا عليه من جزية رءوسهم التي بها حُقنت دماؤهم وحُرِّمت أموالهم. وفيه خراج الأرضين التي افتُتحت عنوة ثم أقرّها الإمام في أيدي أهل الذمة على خراج يؤدّونه. ومنه وظيفة أرض الصلح التي منَعها أهلها حتى صولحوا منها على خراج مسمًّى. ومنه ما يأخذه العاشر من أموال أهل الذمة التي يمرّون بها عليه لتجارتهم. ومنه ما يُؤخذ من أهل الحرب إذا دخلوا بلاد الإسلام للتجارات. فكل هذا من الفيء، وهو الذي يعمّ المسلمين غنيّهم وفقيرهم. أُعطيت المقاتلة وأرزاق الذرية، وما ينوب الإمام من أمور الناس بحُسن النظر للإسلام وأهله”.

ويوضّح الماوردي شموليّة الفيء بقوله: “إنّ كل مالٍ وصَل من المشركين عفوًا من غير قتالٍ ولا بإيجاف خيلٍ ولا ركابٍ، فهو كمال الهدنة، والجزية، وأعشار متاجرهم، أو كان واصلًا بسببٍ من جهتهم كمالِ الخراج”.

حُكم توزيع الفيء:

فيكفي أن نقول لكم: إن أبا عبيد يذكر أنّ حكم توزيع الفيء شامل يعمّ جميع المسلمين فقراءَهم وأغنياءَهم، استنادًا إلى ما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ جعَله للمقاتلين من المهاجرين والأنصار، وسائر المسلمين وذراريهم، بناءً على نصوص الآيات القرآنية في سورة “الحشر”؛ حيث قال تعالى: {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ اللّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ} [الحشر: 8]، وهذه الآية خاصّة بالمهاجرين.

كما قال تعالى: {وَالّذِينَ تَبَوّءُوا الدّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مّمّآ أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىَ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9]، وهذه الآية خاصة بالأنصار.

وقال تعالى أيضًا: {وَالّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاّ لّلّذِينَ آمَنُواْ رَبّنَآ إِنّكَ رَءُوفٌ رّحِيمٌ} [الحشر: 10]، وهذه الآية خاصة بجميع المسلمين.

المقارنة بين الغنائم والفيء:

الغنائم والفيء يتّفقان في وجهيْن، ويختلفان في وجهيْن.

فهما متّفقان في الآتي:

  1. إنّ مصدر كلٍّ منهما: غير المسلمين، أي: أنّ كلّ واحد من الماليْن واصل بالكفر.
  2. إنّ مصدر خُمس كل منهما واحد.

ويختلفان في أمريْن أيضًا، وهما:

  1. إن الغنائم أموالٌ مأخوذة عنوة أو قهرًا أو بالقتال، في حين أنّ الفيء مأخوذٌ صُلحًا أو عفوًا وبغير قتال.
    1. إنّ مصرف أربعة أخماس الغنائم يختلف عن مصرف أربعة أخماس الفيء.

المقارنة بين الغنائم، والفيء، والزكاة:

  1. أموال الغنائم والفيء مصدرها: غير المسلمين، انتقامًا منهم -كما يقول الماوردي- في حين أنّ أموال الزكاة مصدرها: المسلمون فقط، تطهيرًا لهم، كما قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103] -أي: زكاة.
  2. مصارف الزكاة منصوص عليها في القرآن الكريم، في حين أنّ مصارف الغنائم والفيء -فيما عدا الخُمس- يرجع تحديده إلى اجتهاد الأئمّة.
  3. يجوز لأرباب الزكاة ممّن وجبت في أموالهم الانفراد بتوزيعها، في حين لا يجوز توزيع الغنائم والفيء إلاّ من قِبل المسئولين عنها من الولاة والأئمة أو مَن يُمثِّلهم.
  4. اختلاف المصارف في كل منها، وإن لوحظ تكرار بعض مَن تفرض له فيهم جميعًا، لكن يبقى الاختلاف في التكييف الفقهي والمقدار.

راجع مثلًا في هذه المسائل في (الأحكام السلطانية) للماوردي, و(الموارد المالية في الإسلام) للمزيني. وتجد تفصيلًا لموارد الفيء وتخميسه، وكيف يقسّم خُمس الفيء عند من يقولون بتخميسه، ثم مصرف الفيء، وما يخصّ الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وفاته في (الموسوعة الفقهية الكويتية) [30/ 230- 233].

error: النص محمي !!