Top
Image Alt

القدر خيره وشره وحلوه ومره من الله تعالى

  /  القدر خيره وشره وحلوه ومره من الله تعالى

القدر خيره وشره وحلوه ومره من الله تعالى

يدل على هذا قوله تعالى: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} [التوبة: 51] وقال تعالى: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء: 78] وقوله تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: 79] الآية.

فإن قيل: كيف الجمع بين قوله: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} وبين قوله: {فَمِنْ نَفْسِكَ}؟

قيل: قوله: {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} الخصب والجدب، والنصر والهزيمة كلها من عند الله، قوله: {فَمِنْ نَفْسِكَ} أي: ما أصابك من سيئة من الله فبذنب نفسك؛ عقوبةً لك، كما قال: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30] يدل على ذلك ما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ: {وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} “وأنا كتبتها عليك”.

والمراد بالحسنة هنا النعمة، وبالسيئة البلية، وقد قيل: الحسنة الطاعة، والسيئة المعصية، وقيل: الحسنة ما أصابه يوم بدر، والسيئة ما أصابه يوم أحد، لكن القول الأول الذي هو المراد بالحسنة النعمة، وبالسيئة البلية، هذا القول شامل لمعنى القول الثالث والمعنى الثاني هو الحسنة ما أصابه يوم بدر والسيئة ما أصابه يوم أحد ليس مرادًا دون الأول قطعًا.

لكن لا منافاة بين أن تكون سيئة العمل وسيئة الجزاء من نفسه، مع أن الجميع مقدر، فإن المعصية الثانية قد تكون عقوبة الأولى، فتكون من سيئات الجزاء، مع أنها من سيئات العمل، والحسنة الثانية قد تكون من ثواب الأولى، كما دل على ذلك الكتاب والسنة.

وليس للقدرية أن يحتجوا بقوله تعالى: {فَمِنْ نَفْسِكَ} فإنهم يقولون: إن فعل العبد حسنة كان أو سيئة فهو منه لا من الله، والقرآن قد فرق بينهما، وهم لا يفرقون، ولأنه قال تعالى: {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} فجعل الحسناتِ من عند الله، كما جعل السيئات من عند الله، وهم لا يقولون بذلك في الأعمال، بل في الجزاء، وقوله بعد هذا ما أصابك من حسنة ومن سيئة مثل قوله: وإن تصبهم حسنة وإن تصبهم سيئة.

وفرق سبحانه بين الحسنات التي هي النعم، وبين السيئات التي هي المصائب، فجعل هذه من الله وهذه من نفس الإنسان؛ لأن الحسنة مضافة إلى الله إذ هو أحسن بها من كل وجه، فما من وجه من وجوهها إلا وهو يقتضي الإضافة إليه، وأما السيئة فهو إنما يخلقها لحكمة، وهي باعتبار تلك الحكمة من إحسانه، فإن الرب لا يفعل سيئة قط، بل فعله كله حسن وخير.

ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الاستفتاح: ((والخير كله بيديك، والشر ليس إليك)) أخرجه مسلم. أي: فإنك لا تخلق شرًّا محضًا، بل كل ما تخلقه ففيه حكمة هو باعتبارها خير، ولكن قد يكون فيه شر لبعض الناس، فهذا شر جزئي إضافي، فأما شر كلي أو شر مطلق، فالرب سبحانه وتعالى منزه عنه، وهذا هو الشر الذي ليس إليه، ولهذا لا يضاف الشر إليه مفردًا قط، بل إما أن يدخل في عموم المخلوقات كقوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزُّمَر: 62] وقوله: {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}.

وإما أن يضاف إلى السبب كقوله: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} [الفَلَق: 2] وإما أن يحذف فاعله كقول الجن: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} [الجن: 10] وليس إذا خلق ما يتأذى به بعض الحيوان لا يكون فيه حكمة، بل لله من الرحمة والحكمة ما لم يقدر قدره إلا الله، وليس إذا وقع في المخلوقات ما هو شر جزئي بالإضافة يكون شرًّا كليًّا عامًّا، بل الأمور العامة الكلية لا تكون إلا خيرًا ومصلحة للعباد، كالمطر العام وكإرسال رسول عام.

وهذا مما يقتضي أنه لا يجوز أن يؤيد كذابًا عليه بالمعجزات التي أيد به الصادقين، فإن هذا شر عام للناس يضلهم، فيفسد عليهم دينهم ودنياهم وأخراهم، وليس هذا كالملك الظالم والعدو، فإن الملك الظالم لا بد أن يدفع الله به من الشر أكثر من ظلمه، وقد قيل: ستون سنة لإمام ظالم خير من ليلة واحدة بلا إمام.

وإذا قدر كثرة ظلمه فذلك خير في الدين كالمصائب تكون كفارةً لذنوبهم ويثابون على الصبر عليه، ويرجعون فيه إلى الله ويستغفرونه ويتوبون إليه، وكذلك ما يسلط عليهم من العدو، ولهذا قد يمكن الله كثيرًا من الملوك الظالمين مدةً، وأما المتنبئون الكذابون فلا يطيل تمكينهم، بل لا بد أن يهلكهم؛ لأن فسادهم عام في الدين والدنيا والآخرة، قال تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} [الحاقة: 44- 46].

وفي قوله: {فَمِنْ نَفْسِكَ} من الفوائد: أن العبد لا يطمئن إلى نفسه ولا يسكن إليها، فإن الشر كامن فيها، لا يجيء إلا منها، ولا يشتغل بملام الناس ولا ذمهم إذا أساءوا إليه، فإن ذلك من السيئات التي أصابته، وهي إنما أصابته بذنوبه، فيرجع إلى الذنوب ويستعيذ بالله من شر نفسه وسيئات أعماله، ويسأل الله أن يعينه على طاعته، فبذلك يحصل له كل خير، ويندفع عنه كل شر، ولهذا كان أنفع الدعاء وأعظمه وأحكمه دعاء الفاتحة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6- 7] فإنه إذا هداه هذا الصراط أعانه على طاعته وترك معصيته، فلم يصبه شر لا في الدنيا ولا في الآخرة.

لكن الذنوب هي لوازم نفس الإنسان، وهو محتاج إلى الهدى كل لحظة، وهو إلى الهدى أحوج منه إلى الطعام والشراب، ليس كما يقوله بعض المفسرين: إنه قد هداه فلماذا يسأل الهدى، وأن المراد التثبيت أو مزيد الهداية؟ بل العبد محتاج إلى أن يعلمه الله ما يفعله من تفاصيل أحواله، وإلى ما يتركه من تفاصيل الأمور في كل يوم، وإلى أن يلهمه أن يعمل ذلك، فإنه لا يكفي مجرد علمه إن لم يجعله مريدًا للعمل بما يعلمه وإلا كان العلم حجة عليه ولم يكن مهتديًا.

والعبد محتاج إلى أن يجعله الله قادرًا على العمل بتلك الإرادة الصالحة، فإن المجهول لنا من الحق أضعاف المعلوم، وما لا نريد فعله تهاونًا وكسلًا مثل ما نريده أو أكثر منه أو دونه، وما لا نقدر عليه مما نريده كذلك، وما نعرف جملته ولا نهتدي لتفاصله فأمر يفوت الحصر.

ونحن محتاجون إلى الهداية التامة، فمن كملت له هذه الأمور كان سؤال سؤال تثبيت، وهي آخر الرتب، وبعد ذلك كله هداية أخرى، وهي الهداية إلى طريق الجنة الآخرة، ولهذا كان الناس مأمورين بهذا الدعاء في كل صلاة لفرط حاجتهم إليه، فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى هذا الدعاء، فيجب أن يعلم أن الله بفضل رحمته جعل هذا الدعاء من أعظم الأسباب المقتضية للخير المانعة من الشر، فقد بين القرآن أن السيئات من النفس وإن كانت بقدر الله، وأن الحسنات كلها من الله تعالى. وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يشكر سبحانه وأن يستغفره العبد من ذنوبه، وألا يتوكل إلا عليه وحده، فلا يأتي بالحسنات إلا هو، فأوجب ذلك توحيده والتوكل عليه، والشكر له وحده، والاستغفار من الذنوب.

error: النص محمي !!