Top
Image Alt

القرآن الكريم

  /  القرآن الكريم

القرآن الكريم

القرآن والسنة والإجماع والقياس هي المصادر التشريعية الرئيسة الأساسية الأربعة المتفق عليها عند جمهور المسلمين، عدا عن أحكام أخرى وأدلة أخرى اختلف في الاستدلال بها، كالاستحسان والمصلحة المرسلة والاستصحاب والعرف ومذهب الصحابي وشرع من قبلنا.

وبغض النظر عن هذه الأدلة المختلف في الاستدلال بها، فإنا ننظر الآن في المصادر المتفق عليها؛ وهي أربعة القرآن والسنة والإجماع والقياس، ونأخذ فكرة وتعريفًا موجزًا لكل مصدر من مصادر أصول الدين وطرق الاستدلال عليها، فالمصدر الذي تؤخذ منه مسائل أصول الدين هو الوحي، إذ إن كل ما يحتاج الناس لمعرفته واعتقاده والتصديق به من هذه المسائل قد بينه الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم بيانًا شافيًا قاطعًا للعذر، إذ هذا من أعظم ما بلغه الرسول البلاغ المبين، وهو من أعظم ما أقام الله به الحجة على عباده فيه بالرسل الذين بينوه وبلغوه. والمقصود بالوحي كلام الله مباشرة وهو القرآن، أو بالواسطة، وهو ما يرجع إلى كلامه من سنة أو إجماع أو اجتهاد يكون قياسًا.

أولًا: القرآن الكريم:

وهو كلام الله تعالى حقيقة المنزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم المعجز بنفسه المتعبد بتلاوته، المتحدى بأقصر سورة منه المجموع بين دفتي المصحف، المبدوء بسورة الفاتحة والمختوم بسورة الناس، المنقول إلينا بالتواتر كتابة ومشافهة جيلًا عن جيل، محفوظًا من أي تغيير أو تبديل مصداقًا لقوله تعالى: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحِجر: 9] ووجوه حفظ ألفاظه كثيرة؛ منها: أن الله تعالى تكفل بجمع القرآن في صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يذهب عليه منه شيء، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرك شفتيه ولسانه بالقرآن إذا أنزل عليه قبل فراغ جبريل من قراءة الوحي؛ حرصًا على أن يحفظه فنزل قول الله تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ} [القيامة: 16، 17] فتعهد الله تعالى بجمعه له في صدره وإطلاق لسانه بقراءته وترتيله، مع مدارسة الملك جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان من كل عام كما ثبت في الصحيح.

وكذلك بكتابة القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعرض ما كتب عليه، وكذلك قصر الكتابة عليه في بداية الأمر، وأيضًا بجمع القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه  لما استحر القتل في حفظة كتاب الله، فخشي الصحابة ذهاب القرآن فأجمعوا على جمعه في مكان واحد، ثم كان الجمع الأخير في عهد عثمان رضي الله عنه ، وكان سببه ظهور النزاع بين بعض المسلمين بسبب الاختلاف في الأحرف، فأجمع الصحابة على جمعه في مصحف واحد وأحرقوا ما دونه من المصاحف توحيدًا للقراءة، والدليل على حفظه أن الله تكفل بحفظ القرآن الكريم حيث قال الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحِجر: 9] بخلاف الكتب السابقة للقرآن، فقد وكل الله حفظها للبشر فغيروها وكان هذا التغيير بطريقتين:

الأولى: تبديل الألفاظ كما دل عليه قوله تعالى: { فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79].

والأخرى: تحريف الألفاظ وتأويلها على غير المراد بها كما دل عليه قول الله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 75] فدل ذلك على أن الحفظ يقتضي حفظ الألفاظ، وحفظ المنهج الذي تطلب به معاني الألفاظ، وهذا المنهج المحفوظ الذي تطلب به معاني القرآن يمكن إجماله في التالي:

طلب معرفة المعنى من القرآن نفسه؛ لأن من أساليب القرآن أنه قد يوجز في موضع ثم يفصل في موضع آخر، وقد يجمل في مكان ثم يبين في مكان آخر، وقد يجيء النص عاما في آية ويخصصه نص آخر في آية أخرى، فإن لم يتيسر ذلك طلب المعنى من السنة فهي المبينة للقرآن.

يقول ابن تيمية -رحمه الله-: “ومما ينبغي أن يعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عرف تفسيرها، وما أريد بها من جهة النبي صلى الله عليه وسلم لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة، ولا غيرهم، فإن لم يتيسر ذلك رجع إلى فهم السلف من الصحابة والتابعين ومن سار على منهجهم، فإن لم يتيسر له ذلك رجع إلى ما صح من لغة العرب، لكن لا يعارض ما ثبت من المعاني بما سبق من الطرق بمجرد احتمالات لغوية”.

ويتفرع عن هذا الوحي الأحاديث القدسية التي قالها الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه لا تعد من القرآن، ولا تثبت لها أحكام القرآن، فلا تكون في مرتبته ولا تصح الصلاة بها ولا يتعبد بتلاوتها، وتفسير سورة أو آية بألفاظ عربية مرادفة لألفاظ القرآن دالة على ما دلت عليه ألفاظه لا يعد قرآنًا، مهما كان مطابقًا للمفسر في دلالته؛ لأن كلمات القرآن ألفاظ عربية خاصة أنزلت من عند الله تعالى، وترجمة سورة أو آية بلغة أجنبية غير عربية لا تعد قرآنًا، مهما روعي من دقة الترجمة وتمام مطابقتها للقرآن؛ لأن القرآن معجز بألفاظه العربية التي أنزلت من عند الله. وأما دليل حجيته فالبرهان على أن القرآن حجة على الناس، وأن أحكامه قانون واجب عليهم اتباعه؛ هو كونه من عند الله، وأنه نقل إليهم عن الله بطريق قطعي لا ريب في صحته.

أما البرهان على أنه من عند الله فهو إعجازه للجن والإنس على أن يأتوا بمثله أو عشر سور أو سورة من مثله، وفيهم الفصحاء والبلغاء. وهذا التحدي والإعجاز مستمر قائم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. قال تعالى: { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } [البقرة: 23، 24].

 وآيات التحدي والإعجاز كثيرة منها في سورة “القصص” و”الإسراء” و”هود” و”الطور”. أما دلالة آياته للنظر في نصوص القرآن وجهان: من جهة ثبوتها ومن جهة دلالتها. أما نصوص القرآن من جهة ثبوتها فإنها قطعية الثبوت والورود، وعلينا أن نجزم جزمًا قاطعًا بأن كل نص نتلوه من نصوص القرآن هو نفسه الذي أنزله الله على رسوله، وبلغه الرسول المعصوم صلى الله عليه وسلم إلى الأمة من غير تحريف ولا تبديل، ونقل إلينا عن طريق التواتر كتابة ومشافهة جيلًا عن جيل إلى أن تقوم الساعة، وكل من يعتقد خلاف ذلك فهو مرتد كافر خارج عن ملة الإسلام.

نصوص القرآن من جهة دلالتها على الأحكام فتنقسم إلى قسمين:

  • نص قطعي الدلالة على حكمه، وهو ما دل على معنى متعين فهمه منه ولا يحتمل تأويلًا. مثل قوله تعالى: { وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ} [النساء: 12] فهذا النص قطعي الدلالة على أن فرض الزوج إذا ماتت زوجته وليس لها ولد النصف لا غير، وقس على ذلك باقي النصوص.
  • نص ظني الدلالة على حكمه، فهو ما دل على معنى ولكن يحتمل أن يؤول ويصرف عن هذا المعنى ويراد منه معنى غيره. مثل قوله تعالى: { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] فلفظ القرء في اللغة العربية مشترك بين معنيين متضادين، يطلق لغة على الطهر وعلى الحيض في آن واحد، فبناء على التفسير اللغوي بلفظ القرء يحتمل أن يراد منه عدة المطلقة في الآية ثلاثة أطهار، ويحتمل أن يراد منها ثلاث حيضات، فالنص إذًا ليس قطعي الدلالة لاحتمال حمله على أحد المعنيين دون الآخر، وهنا يأتي دور المجتهد ليرجح أحد المعنيين على الآخر، ومن هنا نعرف السبب في اختلاف المجتهدين في الفروع التي تختص بالأحكام، وقس على ذلك سائر النصوص.

أما منزلة القرآن من الأدلة فالقرآن الكريم هو أساس الشريعة الإسلامية، وأصل سائر أدلتها، فقد جاء بكل ما يحتاج إليه الناس في أمر الدين والدنيا، إما مفصلًا وإما مجملًا، وإلى القرآن تستند باقي الأدلة في حجيتها من السنة والإجماع والقياس وغيرها، ففيه ما يدل على حجية السنة وأنها مصدر من مصادر التشريع الإسلامي. يقول تعالى: { وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] وفيه أيضًا ما يدل على حجية الإجماع بقوله تعالى: { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } [النساء: 115] وفيه أيضًا ما يدل على حجية القياس. يقول تعالى: { فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ } [الحشر: 2] فهي تدل على حجية القياس.

error: النص محمي !!