Top
Image Alt

القرآن مهيمن على الكتب السابقة، وبطلان حكم الجاهلية

  /  القرآن مهيمن على الكتب السابقة، وبطلان حكم الجاهلية

القرآن مهيمن على الكتب السابقة، وبطلان حكم الجاهلية

1. النهي عن اتباع الهوى:

وفي هذا الدرس بإذن الله تعالى وتوفيقه نقف مرة أخرى عند قوله: {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ}؛ لنتبين أن القوم كانت لهم أهواء، وأن هذه الأهواء التي سماها الله هنا أهواء توحي لنا بمدى قوتها وتمسك القوم بها وإصرارهم عليها، وأن هواهم قد وافقها؛ لأنهم هم الذين اخترعوها، وهم الذين جعلوها لهم دينًا، وظنوا أنها أفضل وأحسن مما شرعه الله سبحانه وتعالى في كتبه التي أنزلها الله على رسله.

فهذا الهوى ما زال مستمرًّا يعصف بكل حقيقة وبكل حق؛ ولذلك لا بد لمن يتصدى لهذا الأمر أن يكون قويًّا لا يلين، وأن يكون ثابتًا لا يتزحزح؛ ولهذا جاء قوله تعالى في هذا التوجيه القرآني لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ}.

ونتوقف عند قوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ} يقول الإمام الألوسي: والنهي، أي: في قوله: {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ} يجوز أن يكون لمن لا يتصور منه وقوع المنهي عنه، ولا يقال: كيف نُهي صلى الله عليه وسلم عن اتباع أهوائهم، وهو صلى الله عليه وسلم معصوم عن ارتكاب ما دون ذلك؟ وقيل: الخطاب له صلى الله عليه وسلم والمراد سائر الحكام. وهو توجيه جيد، ولكن يبقى أن يقال: بأنه لو كان هذا النهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم لكان معناه: اثبت يا نبي الله، على ما أنت فيه من حكم بكتاب الله ومن تحكيم شريعة الله، وهذا على حد قوله تعالى في كثير من الآيات: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} [الأحزاب: 1].

{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} أي: لكل أمة من الأمم، الله عز وجل جعل لها شريعة خاصة، ومنهاجًا معينًا تسير عليه من أجل تنفيذ أوامر الله سبحانه وتعالى. هذه الشرعة، وهذا المنهاج يتناسب مع ظروف كل أمة ومقتضيات حالها، وما هي فيه من الزمان والمكان، إلى أن خُتمت الشرائع والمناهج بشريعة الله ومنهج الإسلام الذي أودع الله فيه من الخصائص ما يجعله صالحًا، بل مصلحًا لكل زمان ومكان من يوم نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى آخر أيام الدنيا.

فهذا إذًا هو الشرع الكامل، والمنهاج الصحيح الواضح الذي لا التباس فيه، والمنهاج هو: الطريق الواضح في الدين، من نهج الأمر ينهج: إذا وضح، ولكن هل الشريعة والمنهاج بمعنى واحد؟

بهذا قال بعضهم. وقال بعضهم: هما كلمتان لكل كلمة معنًى خاصٌّ، فالشرعة: ابتداء الطريق، والمنهاج: الطريق المستقيم، أو كما ذكر ابن عباس قال: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} أي: سبيلًا وسنة. وقال غيره من أن معنى {شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} أي: سنة وسبيلًا.

يقول ابن كثير: والأول -وهو الذي قاله ابن عباس­- أنسب، فإن الشرعة وهي الشرعية أيضًا هي: ما يبتدأ فيه إلى الشيء، ومنه يقال: شرع في كذا، أي: ابتدأ فيه. وكذلك الشريعة، وهي: ما يشرع فيها إلى الماء. أما المنهاج فهو الطريق الواضح السهل والسنن الطرائق.

فتفسير قوله: {شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} بالسبيل والسنة أظهر في المناسبة من العكس، وفي هذا -كما ترى وكما قلنا- الإخبار بأن الله سبحانه وتعالى جعل الأمم مختلفة في شرائعها ومناهجها، وسبق أن قلنا بأن الله سبحانه وتعالى جعل ما لا يتغير ثابتًا لا يقبل التغيير كالدعوة إلى توحيد الله عز وجل والدعوة إلى مكارم الأخلاق، وذكرنا في هذا ما جاء من قول الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون} [الأنبياء: 25] واقرءوا أيضًا إن شئتم قول الله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]. لكن تبقى الشرائع مختلفة في الأوامر والنواهي، فقد يكون الشيء في هذه الشريعة حرامًا، ثم يحلله الله في الشريعة الأخرى وبالعكس حسبما تحتاجه الأمة.

2. التحرر من الحكم بغير ما أنزل الله:

قول الحق -تبارك وتعالى: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُون * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُون} [المائدة: 49- 50].

يأتي قوله: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ} بعد أن ذكر في الآية السابقة هذا الأمر فقال: {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48]، فكأنه حين يقول: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ} إنما أراد أن يؤكد ما سبق أن أمر به في الآية السابقة، بل وهذا أيضًا تأكيد لقوله تعالى: {فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين} [المائدة: 42].

إذن فقوله تعالى: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ} إنما هذا أمرٌ يتكرر؛ نظرًا لأن هؤلاء لا يريدون أن يحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أنزل الله، إنما يريدون أن يحكم بينهم بما يوافق أهواءهم؛ ولهذا قال تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ}.

والكلمات في هذا السياق توحي لنا بأن أمرًا خطيرًا كان يحاوله هؤلاء الأعداء، وهم يريدون أن يحصلوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما يوافق أهواءهم، وهم يحاولون هذه المحاولات المتواصلة من أجل الوصول إلى تحقيق أغراض متدنية، أغراض خبيثة لا تعلق لها بشرع ولا دين.

{وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ} هذا نهيٌ يقصد به الاستمرار على ما هو فيه صلى الله عليه وسلم وكأنه يقول: وأنِ احكم بينهم بما أنزل الله، واستمرّ على ما أنت فيه من عدم الميل والسير في طريق حاول هؤلاء الأعداء أن يرسموه إليك، وأن يجعلوك تسير فيه خطوة خطوة؛ لتحقيق ما يريدون. عليك يا نبي الله، أن تستمر على هذا النهج الذي أراد الله لك أن تكون عليه؛ ولهذا جاء قوله أيضًا: {أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ} احذرهم أن يفتنوك: الحذر هو اتخاذ كل وسائل الاحتياط؛ خشية الوقوع في المكروه وفيما فيه ضرر.

قوله تعالى: {أَن يَفْتِنُوكَ} يعني: أن هؤلاء يحاولون محاولات مستمرة أن يُخرجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الحالة التي يتمسك فيها بما أنزل الله، إلى ما يوافق أهواءهم ومطامعهم وشهواتهم وما يخططون له من الحصول من رسول الله صلى الله عليه وسلم على حكم مخالف لما أنزل الله؛ لينشروا بذلك الأكاذيب؛ وليهوِّلوا هذا الموقف؛ وليظهروا عدم دقة محمد صلى الله عليه وسلم وعدم أمانته.

أخرج ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال كعب بن أسد، وابن صوريا، وشاس بن قيس بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه فقالوا: يا محمد، إنك قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم وسادتهم، وإنا إن اتبعناك اتبعك يهود ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قومنا خصومة فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم ونؤمن لك ونصدقك، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فأنزل الله فيهم: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ} إلى قوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُون}.

{فَإِن تَوَلَّوْاْ} التولي: هو الالتفات والإعراض والسير في غير الطريق الذي كان يسير فيه أولًا، وهؤلاء طريقهم كان المفترض أنه طريق هذا الدين؛ هو طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم طريق العودة إلى ما أنزل الله من وحي، وهذا الطريق يؤدي إلى السعادة والسلام والسلامة، وما إلى ذلك من خيري الدنيا والآخرة.

لكن الجهل والشيطان والحقد والحسد لمحمد صلى الله عليه وسلم جعل هؤلاء يلتفتون منصرفين عائدين على أعقابهم بعيدًا عن هذه القبسات النورانية، وهذا الخير العميم الذي جعله الله لبني الإنسان حين أنزل هذا القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} فاعلم يا نبي الله، أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم، وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر له بأن يعلم فيه من طمأنته وتسليته وتطييب فؤاده ما فيه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يعلم علم اليقين بأن هؤلاء سوف ينزل بهم من سخط الله وغضبه ما يليق بحالهم.

وانظروا إلى قوله: {فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ} أي: المتصف بصفات الجلال والكمال {أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} فهذا الذي سيقع بهم هو من جملة المصائب والبلايا التي سينزلها الله بهم، وهذا الذي سينزله الله بهم ويصيبهم عن قرب، إنما هو ببعض ذنوبهم، لا بكل ذنوبهم فلهم من الذنوب ما لهم، وتاريخهم مليء بالمخالفات. ثم يأتي ختام الآية في قوله: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُون} أي: لخارجون عن طاعة الله عز وجل متبعون لخطوات الشيطان، وفي مقدمة هؤلاء هؤلاء الذين أرادوا أن يفتنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بعض ما أنزله الله إليه.

3. النجاة في الحكم بما أنزل الله:

ثم يأتي هذا الاستفهام الإنكاري التوبيخي لأمثال هؤلاء، ومن على شاكلتهم عبر الزمان والأيام والمكان فيقول: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُون} ؟

{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ}؟ استفهام إنكاري تعجبي توبيخي، فيه ما فيه من الملامة والذم؛ لما اختار هؤلاء لأنفسهم من حكم يبنى على الجهل، وكل حكم يخالف شرع الله فهو حكم جاهلي؛ لأن أصحابه ظنوا أنهم يستطيعون أن يختاروا لأنفسهم شرعًا وطريقًا فيه سعادتهم، وفيه أمنهم، وفيه عزهم وعزتهم، وما علم هؤلاء أن الإنسان يجهل ما يأتي به الزمان، فالزمان لا يعرف ما فيه من غيوب إلا الله رب العالمين، وهو سبحانه وتعالى الذي خلق الخلق، وهو أعلم بمن خلق وهو اللطيف الخبير، فإذا ترك الإنسان ربه وشرْعَ ربِّه وما أنزل الله فيه من أحكام، وذهب يبحث بنفسه عن وسيلة يقضي بها بين الناس، مخالفًا بذلك شرع الله وهدي الله، وإن اتفق مع هدي الله وشرع الله في بعض الجزئيات، لكان المنطلق مختلفًا:

المنطلق في شرع الله هو الله رب العالمين، الإله القادر، الحكيم الخبير، المتصف بصفات الجلال والكمال.

والمنطلق فيما يختاره الناس لأنفسهم هو الناس بعقولهم وما يظنونه من خبرات، وهي خبرات محدودة، وعقول قاصرة لا تستطيع أن تحيط بأحوال الخلق، ولا أن تخطط لمستقبل الزمان والأيام؛ ولذلك تتغير هذه الأحكام من وقت إلى آخر في بلدة واحدة، وفي جماعة واحدة، وهي تختلف كذلك من دولة إلى دولة، ومن مكان إلي مكان، ومن زمان إلى زمان.

{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُون} والإمام ابن كثير في هذا المقام ينكر على من خرج عن حكم الله إنكارًا شديدًا، فيقول: ينكر تعالى على من خرج على حكم الله المحكم، المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء، والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم “جنكيز خان” الذي وضع لهم “الياسق” وهو: عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيه كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا، يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يقول ابن كثير: فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير، قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} أي: يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُون}.

ويسوق لنا ابن كثير قول ابن أبي حاتم بسنده: سمعت الحسن يقول: من حكم بغير حكم الله فحكم الجاهلية. ويذكر لنا ما قاله الإمام الحافظ الطبراني بسنده، عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أبغض الناس إلى الله عز وجل: من يبتغي في الإسلام سنة الجاهلية، وطالب دم امرئ بغير حق ليريق دمه)) إلى آخر ما جاء في هذا المقام.

وبعد أن بين الله سبحانه وتعالى ما يجب من اتباع شرعه ودينه، وأن حكم الله هو الحكم الصحيح، وأن غيره هو حكم الجاهلية -نادى المؤمنين ليبين لهم بأن الأمر جدّ خطير، وأن المسألة إنما هي مسألة دين، وأن عليهم أن يعرفوا حقيقة عدوهم، يقول ربنا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِين * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَـؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِين} [المائدة: 51- 53].

ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات الكريمة روايات، منها: ما رواه السدي من أنها نزلت في رجلين قال أحدهما لصاحبه بعد وقعة أحد: أما أنا فإني ذاهبٌ إلى ذلك اليهودي، فأواليه وأتهوّد معه لعله ينفعني إذا وقع أمر أو حدث حادث، وقال الآخر: وأما أنا فإني ذاهبٌ إلى فلان النصراني بالشام، فأواليه وأتنصر معه، فأنزل الله تعالى هذه الآيات.

وقال عكرمة: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة، فسألوه: ماذا هو صانع بنا؟ فأشار بيده إلى حلقه، أي: إنه الذبح، وهذا يعني أنه قد قال قولًا قد يؤدي إلى مذبحة في المسلمين؛ لأن بني قريظة حين يعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سوف يحكم عليهم بالقتل؛ لما كان منهم من نقض للعهد في وقت كان المسلمون في حالة حرب مع عدوهم، ربما لو فهموا هذا وعلموه لقالوا: إذن فلنأخذ سلاحنا ولندافع عن أنفسنا، ونحن سنموت لا محالة، فلنمت تحت السيوف خير لنا من أن نموت هكذا كما تذبح الشياه. فإذن ما قاله أبو لبابة بن عبد المنذر هذا قول في غاية الخطورة، وفيه نزلت هذه الآيات.

وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول، فقد أخرج ابن جرير عن عطية بن سعد قال: جاء عبادة بن الصامت من بني الحارث بن الخزرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن لي موالي من يهود كثيرًا عددهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود، وأتولى الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبي: إني رجل أخاف الدوائر، لا أبرأ من ولاية موالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبي: يا أبا الحباب، ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه؟ قال: قد قبلت؛ فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} إلى قوله: {نَادِمِين}.

يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} “الأولياء” -كما علمنا- جمع ولي، والولي يطلق بمعنى: النصير، والصديق، والحبيب، وما إلى ذلك من إطلاقات، والمراد بالوَلاية أو بالوِلاية -بفتح الواو أو كسرها- مضافات: أعداء الإسلام والاستنصار بهم، والتحالف معهم دون المسلمين، وأساس الموالاة التعلق القلبي، فمن تعلق بإنسان تعلقًا قلبيًّا وأحبه فقد والاه، بل إن هذا هو الأساس الذي تنبع منه كل ألوان الموالاة، إذ يتبع هذا الحب النصرة بالنفس، والنصرة بالمال، والإحساس بأنك مرتبط بهذا الإنسان ارتباط مصير بمصير، وكأنك أنت وهو في قارب واحد، إن غرق غرقتَ معه، وإن نجا نجوتَ معه، فهذه هي الموالاة.

الله عز وجل يقول: {لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} أي: يا من آمنتم بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، توالونهم بالمحبة وغيرها.

error: النص محمي !!