Top
Image Alt

القسم الأول والثاني من أقسام الصحيح المختلف في صحتها

  /  القسم الأول والثاني من أقسام الصحيح المختلف في صحتها

القسم الأول والثاني من أقسام الصحيح المختلف في صحتها

ثم انتقل الحاكم إلى أقسام الصَّحيح الخمسة المختلَف في صحَّتها.

القسم الأول: المراسيل:

وهو قول الإمام التَّابعيِّ أو تابع التَّابعيِّ: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم”، وبينه وبينَ رسول الله صلى الله عليه وسلم قرنٌ أو قرنان، ولا يذكر سماعَه فيه من الَّذي سمعه. يعني: هناك انقطاع بين هذا التَّابعيِّ أو تابع التَّابعيِّ، وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فهذه أحاديث صحيحة عند جماعة أئمَّة أهل الكوفة: كإبراهيم بن يزيد النَّخعيِّ، وحمَّاد بن أبي سليمان، وأبي حنيفة النُّعمان بن ثابت، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي، وأبي عبد الله محمَّد بن الحسن الشَّيباني، فمَن بعدهم من أئمَّتهم، محتجٌّ بها عند جماعتهم.

قال الحاكم: ومنهم من قال: إنَّه أصحُّ من المتَّصل المسنَد؛ فإنَّ التَّابعيَّ إذا روى الحديثَ عن الَّذي سمعه أحالَ الرِّاوية عليه، وإذا قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم” فإنَّه لا يقولُه إلا بعد اجتهادٍ في معرفة صحَّته. يعني: إذا روى الحديث متَّصلًا، فإنَّ العُهدة فيه على الَّذي سمعه منه، الذي هو بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هذا في المتَّصل، أمَّا في “المُرسل”؛ فإنَّه لا يُسند الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بعد اجتهاد في معرفة صحَّته.

قال الحاكم: إنَّ القسم الأول منها -من الأقسام الصَّحيحة المختلَف في صحَّتها-: المراسيل، وبيّن أنَّها صحيحة عند جماعة أهل الكوفة.

ثم قال -مبيِّنًا الخلاف-: والمراسيل كلُّها واهيةٌٌ عند جماعة أهل الحديث من فقهاء الحجاز، غيرُ محتجٍّ بها. وهو قول: سعيد بن المسيَّب، ومحمد بن مسلم الزُّهري، ومالك بن أنس الأصبحيِّ، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، ومحمد بن إدريس الشافعي، وأحمد بن حنبل، فمَن بَعدهم من فقهاء المدينة. وحُجّتهم فيه: كتاب الله عز وجل وسُنّة نبيه صلى الله عليه وسلم. وهو قوله سبحانه وتعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون} [التوبة: 122]؛ فقَرن -تبارك وتعالى- الرِّواية بالسَّماع من نبيِّه صلى الله عليه وسلم ثم أدائه إلى مَن وراءه. وهكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خُطبٍ ذواتِ عدد: ((نضَّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها؛ حتى يؤدِّيها إلى مَن لم يسمعْها)).

ثم قال الحاكم: حدثنا أبو الحسين أحمد بن عثمان بن يحيى قال: حدثنا العباس بن محمد الدُّوري، قال: حدثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى، عن أخيه عبد الرحمن، عن ثابت بن قيس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تسمعون، ويُسمع من الِّذين يسمعون منكم، ويُسمع من الَّذين يسمعون من الَّذين يسمعون منكم. ثم يأتي من بعد ذلك قومٌ سِمان، يُحبّون السِّمَن، ويشهدون قبل أن يُسألوا)).

ثم روى عن أبي العباس محمد بن يعقوب الأصمِّ، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن الحكم، قال: حدثنا ابن وهب قال: أخبرني مسلمة بن عليٍّ، عن زيد بن واقد، عن حرام بن حكيم قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((حدِّثوا عنِّي كما سمعتُم)).

ثم قال: حدَّثنا عليُّ بن شاذان يقول: سمعت أحمد بن سعيد بن صخر يقول: سمعت أبا إسحاق الطالقاني يقول: سألت ابنَ المبارك قلت: الحديثُ الذي يُقال: ((من صلَّى على أبويْن))؟ فقال: من رواه؟ قلت: شهاب بن خراش، فقال: ثقة. قلت: عن الحجاج بن دينار، قال: ثقة. عمَّن؟ فقلت: عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إنَّ بين الحجاج بن دينار وبين النَّبيّ صلى الله عليه وسلم مفازةٌ تنقطع فيها أعناقُ الإبل. يعني: شبَّه الانقطاع وسَعته أو وطولَه بين الحجاج بن دينار وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصَّحراء الَّتي تسير فيها الإبل كثيرًا حتى تنقطعَ أعناقُُها فيها، أي حتَّى تهلكَ من كثرة المسير.

القسم الثاني: روايات المدلِّسين إذا لم يذكروا سماعهم في الرِّواية:

ثم انتقل الحاكم إلى: القسم الثاني من الصَّحيح المختلف في صحته: وهو: روايات المدلِّسين إذا لم يذكروا سماعهم في الرِّواية؛ فإنَّها صحيحةٌ عند جماعةِ مَن ذكرناهم من أئمة أهل الكوفة، غيرُ صحيحةٍ عند جماعة مَن قدَّمنا ذكرَهم من أئمَّة أهل المدينة.

ومعنى “التَّدليس”: أن يقول:

– قال سفيان بن عيينة -وهو إمامٌ من أئمَّة أهل مكَّة-: قال الزُّهريُّ: حدَّثني سعيد بن المسيَّب، أو يقول: قال عمرو بن دينار: سمعت جابرًا.

وسفيانُ بن عيينة، مشهورٌ سماعُه منهما جميعًا -الزُّهري ومن عمرو بن دينار-  إلا أنَّه لم يذكر السَّماع في هذه الرِّواية.

 وقد عُرف بأنه يُدلِّس فيما يفوته سماعُه، كما حدَّثناه أبو الطيب محمَّد بن أحمد الكرابيسيُّ قال: حدَّثنا إبراهيم بن محمد المّرْوَزي قال: حدثنا عليُّ بن خشرم، قال: كُنَّا عند سفيان بن عيينة في مجلسه، فقال: قال الزُّهريُّ، فقيل له: حدَّثَكم الزُّهريُّ؟، فسكت. ثمَّ قال: قال الزُّهريُّ، فقيل له: سمعتََه من الزُّهريِّ؟ فقال: لا، لم أسمعْه من الزُّهري، ولا ممَّن سمعه من الزُّهري، حدَّثني عبد الرَّزَّاق عن معمر عن الزُّهري.

– وكذلك قتادة بن دعامة إمام هذا الفن، إذا قال: “قال أنس”، أو “قال الحسن”؛ وهو مشهور بالتدليس عنهما.

ثم روى الحاكم بسنده عن عبد الرَّحمن بن مهدي قال: سمعت شعبة يقول: كنت أنظر إلى فم قتادة، فإذا قال: “حدَّثنا” كتبتُ، وإذا لم يقل لم أكتبه. يعني: إذا قال: “حدثنا” فمعنى ذلك: أنَّه سمع الحديث من شيخه وممَّن فوقه، فلم يُدلِّس فيه. أمَّا إذا لم يقل: “حدثنا “وقال غير ذلك كـ: “قال” أو “عن”، فمعنى ذلك أنَّه يخشى أن يكون قد دلَّسه؛ فلا يَكتب عنه هذا الحديث، ولا يروي عنه هذا الحديث.

قال الحاكم: وأمَّا أهل الكوفة: فمنهم من دلَّس ومنهم من لم يُدلِّس. وقد دلَّس أكثرهم. والمدلِّسون منهم: حماد بن أبي سليمان، وإسماعيل بن أبي خالد، وغيرهما…

فأمَّا الطبقة الثانية فمثل: أبي أسامة حمَّاد بن أسامة، وأبي معاوية محمد بن خازم الضرير، وغيرِهما… فإنَّ أكثرهم لم يدلِّسوا.

إنّ الحاكم قد بيَّن معنى التَّدليس من خلال مثال من الأمثلة. لكن التَّدليس في الاصطلاح هو: أن يُخفيَ الرّاوي سماعه وعدم سماعه ممَّن فوقه من شيوخه، فيقول: “قال فلان”، يعني: يعبِّر بعبارة تحتمل السَّماع وعدمه، كما هنا: “قال سفيان بن عيينة: قال الزُّهري”، أو “قال عمرو بن دينار”؛ فيحتمل سماعه من الزُّهري.

قال الحاكم -رحمه الله-: وأخبار المدلِّسين كثيرةٌ، وضبطُ الأئمَّة عنهم ما لم يدلِّسوا، والتَّمييز بين ما دلَّسوا وما لم يدلِّسوا ظاهر في الأخبار.

error: النص محمي !!