Top
Image Alt

القسم السادس: المعاني المتعلّقة بالأحكام، المحكم والمتشابه

  /  القسم السادس: المعاني المتعلّقة بالأحكام، المحكم والمتشابه

القسم السادس: المعاني المتعلّقة بالأحكام، المحكم والمتشابه

قال تعالى: {هُوَ الّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مّحْكَمَاتٌ هُنّ أُمّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7].

وفي تلك المسألة ثلاثة أقوال:

أحدها: أن القرآن كلّه مُحكَم، لقوله تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} [هود: 1].

الثاني: كلّه متشابه، لقوله تعالى: {كِتَاباً مّتَشَابِهاً مّثَانِيَ} [الزُّمَر: 23].

الثالث- وهو الصحيح-: انقسامه إلى: محكَم ومتشابه، للآية المصدّر بها.

والجواب عن الآيتين: أن المراد بإحكامه: إتقانه، وعدم تطرّق النقص والاختلاف إليه، وبتشابهه: كونه يشبه بعضُه بعضًا في الحق والصدق والإعجاز.

وقد اختلف في تعيين المحكَم والمتشابه على أقوال:

فقيل: المحكم: ما عُرف المراد منه، إما بالظهور، وإما بالتأويل.

والمتشابه: ما استأثر الله بعلْمه، كقيام الساعة، وخروج الدجال، والحروف المقطّعة في أوائل السوَر.

وقيل: المحكَم: ما لا يحتمل من التأويل إلا وجهًا واحدًا، والمتشابه: ما احتمل أوجهًا. وقيل غير ذلك…

واختلف: هل المتشابه مما يمكن الاطلاع على علمه، أو لا يعلمه إلا الله، على قولين منشؤهما الاختلاف في قوله: {وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}، هل هو معطوف؟ و يقولون: حال، أو مبتدأ خبره: {يَقُولُونَ}، والواو للاستئناف.

والأكثرون من الصحابة والتابعين وأتباعهم ومَن بعدَهم- خصوصًا أهل السُّنة- ذهبوا إلى الثاني؛ وهو أصح الروايات عن ابن عباس.

ويدل لصحة مذهب الأكثرين: ما أخرجه عبد الرزاق في (تفسيره) والحاكم في (مستدركه)، عن ابن عباس: أنه كان يقرأ قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللّهُ} ويقول: “يقول الراسخون في العلم: آمنا به”. فهذا يدل على أن الواو للاستئناف، لأن هذه الرواية وإن لم تثبت بها القراءة، فأقل درجاتها أن يكون خبرًا بإسناد صحيح إلى ترجمان القرآن؛ فيقدَّم كلامه في ذلك على مَن دونَه.

ويؤيد ذلك: أن الآية دلت على ذم متّبعي المتشابه، ووصفهم بالزيغ وابتغاء الفتنة، وعلى مدح الذين فوّضوا العلْم إلى الله وسلّموا إليه، كما مدح الله المؤمنين بالغيب.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس: “نزل القرآن على أربعة أحرف: حلال وحرام لا يُعذر أحد بجهالته، وتفسير تفسّره العرب، وتفسير تفسّره العلماء، ومتشابه لا يعلمه إلا الله؛ ومن ادّعى علمَه سوى الله فهو كاذب”.

قال الطيبي: المراد بالمحكَم: ما اتّضح معناه، والمتشابه بخلافه، لأن اللفظ الذي يقبل معنًى إما أن يحتمل غيره، أوْ لا، والثاني النص. والأول إما أن تكون دلالته على ذلك الغير أرجح، أو لا، والأول هو الظاهر. والثاني إما أن يكون مساويه، أو لا، والأول هو المجمَل، والثاني المؤوّل.

فالمشترك بين النص والظاهر هو: المحكَم، والمشترك بين المجمل والمؤوّل هو: المتشابه.

فإن قيل: ما الحكمة في إنزال المتشابه ممن أراد لعباده به البيان والهدى؟

قلت: إن كان مما يمكن علمه فله فوائد:

منها: الحث للعلماء على النظر الموجب للعلم بغوامضه، والبحث عن دقائقه؛ فإن استدعاء الهمم لمعرفة ذلك من أعظم القرب.

ومنها: ظهور التفاضل وتفاوت الدرجات؛ إذ لو كان القرآن كلّه محكَمًا لا يحتاج إلى تأويل ونظر، لاستوت منازل الخلق، ولم يظهر فضل العالِم على غيره.

وإن كان مما لا يمكن علمه فله فوائد.

منها: ابتلاء العباد بالوقوف عنده والتوقف فيه، والتفويض والتسليم، والتعبد بالاشتغال به من جهة التلاوة، كالمنسوخ- وإن لم يجز العمل بما فيه-، وإقامة الحجة عليهم؛ لأنه لما نزل بلسانهم ولغتهم وعجزوا عن الوقوف على معناه- مع بلاغتهم وأفهامهم- دل على أنه نزل من عند الله، وأنه الذي أعجزهم عن الوقوف على معناه.

error: النص محمي !!