Top
Image Alt

القصة القصيرة، نشأتها وتطورها

  /  القصة القصيرة، نشأتها وتطورها

القصة القصيرة، نشأتها وتطورها

نتحدث عن فنٍّ من فنون الكتابة النثرية في العصر الحديث، وهو: فنُّ القصة القصيرة:

ويدل الوصف في اسم هذا الفن القصة القصيرة على شيء من طبيعته وعلى الفرق بينه وبين الرواية، ففي القصة القصيرة أحداث وشخوص وعقدة وحَل، ولكن الأحداث قليلة ومركزة، وكذلك الشخوص وهي لا تتجاوز عدة صفحات وقد تقتصر على صفحة واحدة.

والقصة القصيرة -كما يقول الدكتور محمد الرميحي: فن يجمع مِن كل الفنون، ففيها من القصيد -أي: من الشعر- بناؤه وتماسكه، وفيها من الرواية الحدث والشخوص، وفيها من المسرح الحوار ودقة اللفظ واللغة، وفيها من المقال منطقية السرد ودقته، وهي بذلك تأخذ من كل فن أدق وأجمل ما فيه؛ لتقدم لنا إمتاعًا فنيًّا راقيًا يضعها في مصافِّ فنون الكتابة التي ازدهرت في القرن الأخير.

ويذهب كثير من النقاد إلى أن القصة القصيرة هي خير تعبير عن العصر، فهي الحالة الفنية لإعادة صياغة الواقع بشكل مكثف ومركز، وفيها من الخيال والإبداع ما يجعلها قادرةً على الرقي بذوق المتلقي ووجدانه، وفيها من الواقع ما يجعل متلقيها يكاد يتعرف على شخوصها ويحس بتفاصيل حياتها.

وقد تعددت التعريفات للقصة القصيرة، ويبدو أن الوصول إلى تعريف جامع مانع للقصة القصيرة يُعد أمرًا صعبًا، فَحَصْر الأشكال الناجحة التي ظهرت في هذا الفن يفوت كلَّ محاولة للتعريف الجامع المانع، وقد أثبتت الأيام -كما يقول الدكتور إحسان عباس- أن هذا اللون الأدبي في تطور مستمر، وأن أشكاله تتعدد وتتكاثر كلما اختلفت التجربة، أو تغيرت زاوية التركيز عند كاتب دون آخر. وللقصة القصيرة في التاريخ العربي أو في الأدب العربي تاريخ غير عميق في الزمن؛ لأنها – كما يقول الدكتور سيد حامد النساج: فن لا صلة حقيقة له بالتراث، فهو ابن هذا العصر ونسبُه إلى العصر الحديث نسب صريحٌ، فليس هناك إذًا جذور راسخة لهذا الفن في تراثنا العربي.

ولا بد في القصة القصيرة من أسس يراعيها كاتبها:

أول هذه الأسس: الوحدة: وتشمل الوحدة وحدة الدافع، ووحدة الحدث، ووحدة الفكرة، ووحدة الموقف، ووحدة الهدف، ثم وحدة الانطباع، فالقصة القصيرة يجب أن تشمل فكرة واحدة تعالج حتى نهايتها المنطقية لهدف واحد، وينبغي أن تكون القصة مركزةً ومكثفةً، فالتكثيف والتركيز في سرد القصة، واختيار أجزائها، والربط بين أحداثها واختيار اللغة الكثيفة المركزة للتعبير عنها، أمر ضروري في بناء القصة القصيرة.

فالوحدة الأساس الأول، والتكثيف والتركيز الأساس الثاني. ثم تفاصيل الإنشاء؛ بحيث يكون هناك التحام تام وتوافق كلي وانسجام كامل بين الأجزاء التي تتكون منها القصة والشخصيات التي تقوم عليها أحداثها.

وقد تشمل القصة القصيرة حوارًا، ولكن هذا الحوار في الغالب يكون قليلًا ولا يكون ممتدًا؛ فإنه يلزم أن يكون الحوار مناسبًا لمساحة هذه القصة التي لا تتجاوز بضع صفحات، ولا بد أن يكون هذا الحوار وثيق الصلة جدًّا بالشخصيات والأحداث، وأن يكون مركزًا ومكثفًا.

والصراع أساس آخر من الأسس الفنية للقصة القصيرة، وقد يكون هذا الصراع خارجيًّا، أي: خارج أحداث القصة، يدور في البيئة أو المحيط، وقد يكون داخليًّا، أي: يعتمل في أعماق الشخصية من الداخل، ولا بد في كل الأحوال أن يكون لهذا الصراع تأثيره في النفس، كما ينبغي أن يكون كاتب القصة صادقًا مع نفسه، وصادقًا في التعبير عن الواقع الذي يريد التعبير عنه إذا كانت قصته منتمية إلى الواقع، فهناك القصة القصيرة الواقعية، وهناك القصة الرومانسية، إلى غير ذلك من الاتجاهات التي كُتبت فيها القصة القصيرة.

أما تاريخ القصة القصيرة في الأدب العربي فقد عَرفت مصر هذا الفن قبل غيرها من البلاد العربية، ففي العشرينيات من القرن العشرين ترجمت روايات وقصص انتصار عن اللغة الفرنسية، واللغة الإنجليزية، واللغة الروسية.

ويعد الأديب محمد أحمد تيمور الذي عاش بين سنة ألف وثمانمائة واثنين وتسعين، وسنة ألف وتسعمائة وواحد وعشرين، الرائدَ الأول في كتابة القصة القصيرة في الأدب العربي، وقد جمع ما كتبه في مجموعة بعنوان (ما تراه العيون).

ثم بعد أن توفي محمد تيمور أكمل مشواره في هذا الفن أخوه محمود تيمور، وقد أضاف محمود تيمور إلى هذا الفن إضافاتٍ مهمةً، وقفَزَ به خطواتٍ في طريق تطوره ورقيه. ويُعد محمود تيمور هو المرحلة التي تبلورت عندها جهود مَن سبقه في هذا الفن، وكل الكتاب الذين كتبوا القصة القصيرةَ من بعده تأثروا به بدرجات مختلفة.

وأول ما نشره محمود تيمور من مجموعات قصصية كانت مجموعته (الشيخ جمعة) وقصص أخرى نشرها سنة ألف وتسعمائة وخمس وعشرين، وقد تطور فن القصة القصيرة عنده نحو الواقعية التحليلية؛ إذ اهتم في كثير من قصصه بتحليل النفس البشرية في تناقضاتها، وغرائزها، وصراعها.

ثم بعد ذلك ظهر جيل من الكتاب الشبان أطلقوا على أنفسهم أنهم “أبناء المدرسة الحديثة” وأصدروا مجلة بعنوان “الفجر” جعلوا شعارها “الهدم والبناء”: هدم القديم البالي، وبناء الحديث المتطور، وثاروا على الأشكال التعبيرية القديمة، وطالبوا بالتجديد في الفكر والفن والأدب، والموسيقى والمسرح والعمارة، والنحت والتصوير، ونادوا بضرورة الاتصال بالآداب الغربية المعاصرة. كما طالبوا بالارتباط بالواقع، وتقديم شخصيات واقعية، وأن تدور أحداث القصة في جو مصري واقعي بحيث يكون للأدب دَوْرٌ في حياة المجتمع، وكان من أعضاء هذه المدرسة أو هذه الجماعة: أحمد خيري سعيد، ويحيى حقي، وحسين فوزي، ومحمود طاهر لاشين، ومحمود تيمور، وأحمد رامي، وإبراهيم ناجي، وإبراهيم المصري، وسعيد عبده، وطه حسين. ومعظم هؤلاء كتب القصة القصيرة، وبعضهم كان من الشعراء المعروفين كـ: إبراهيم ناجي، وأحمد رامي.

وقد أثر هذا الجيل تأثيرًا واضحًا في حركة القصة القصيرة في مصر، وأدت الصحافة دورًا مهمًّا جدًّا في تعريف الناس بهذا الفن ونشره، وتشجيع كثير من الكتاب الموهوبين على ممارسته والإبداع فيه، وتصوير مواقفهم من مجتمعهم، وتصوير الحياة الاجتماعية في مصر من خلال هذا الفن. وفي الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين اتجهت القصة القصيرة اتجاهًا واضحًا نحو الرومانسية، فاهتم كتابها بمشكلة الحب والعلاقة العاطفية بين الرجل والمرأة، وكان ممن كتب في هذا الاتجاه: محمود كامل، ويوسف جوهر، وإبراهيم ناجي، ويوسف السباعي، وإحسان عبد القدوس فيما بعد.

وفي مقابلة هذا الاتجاه الرومانسي نشأ اتجاه واقعي يهتم بتصوير الحياة الواقعية للشعب المصري، ويصور ما تعانيه الطبقة الفقيرة في هذا المجتمع في ظل استئثار طبقة بالمال والنفوذ عن باقي الشعب.

وهكذا كانت القصة القصيرة مصورة ومواكبة لتطورات المجتمع، هذه التطورات التي تأثرت بأحوال السياسة والاقتصاد والاجتماع في شَتَّى جوانبها.

واستجاب للاتجاه الواقعي عدد كبير من كتاب القصة القصيرة انحاز بعضهم إلى طبقة الفلاحين يصورون معاناة الفلاح وشقاءه، وهكذا أخذت طبقة الفلاحين تظهر على سطح الحياة القصصية وأصبح الفلاحُ بطلًا في بعض الأحيان في هذه القصص. وممن كتبوا في هذا الاتجاه: خيري شلبي، وسليمان فياض، ولطفي الخولي، ومصطفى محمود، وصالح مرسي، ومحمود السعدني، وغيرهم.

وأما كاتب القصة القصيرة الواقعية الذي تربع على عرش هذا الفن فهو يوسف إدريس، وقد بدأت قصصه تظهر سنة ألف وتسعمائة وخمسين، وقد كان يوسف إدريس طبيبًا، لكنه ترك الطب واشتغل بالأدب، وأخلص في دراسة أصول فن القصة القصيرة، وفطَنَ إلى أساليب كتابها العالميين، واختار لصياغتها أسلوبًا فنيًّا يمزج أحيانًا بين اللغة الفصحى واللهجة العامية في الحوار. واستعان يوسف إدريس بالأدوات والوسائل الفنية التي جعلته يوفق توفيقًا كبيرًا في هذا الفن الجديد.

وواصلت القصة القصيرة رحلتها عبر العقود والسنين، وانتشرت انتشارًا واسعًا بفضل الصحف والمجلات التي اهتمت بنشرها، وأصبح من العسير جدًّا حصر الأدباء الذين يبدعون في هذا الفن، وقد يظن البعض أن كثرة الذين يكتبون في هذا الفن ترجع إلى سهولته، والحق أن هذا الفن صعب جدًّا، وليس كل من كتب فيه وصل فيه إلى درجة الإتقان والإجادة، فهو فن يتطلب تركيزًا وتكثيفًا في الشعور والتعبير واختيار الكلمات المعبرة، واليقظة في سرد الأحداث وترتيب الحوار؛ بحيث تخرج القصة مسبوكةً محبوكةً لا ترهول فيها ولا تفكك، فهي فن صعب وليس سهلًا كما يتصور بعض الدارسين.

وإلى جانب الاتجاه الواقعي والاتجاه الرومانسي، هناك الاتجاه الرمزي في القصة القصيرة، وهناك أيضًا مَن كتَبَ قصصًا تنتمي إلى ما يسمى بـ”السيريالية”. والسيريالية: كتابة يصفها أحد النقاد بأنها لا تخضع لسيادة الأحكام العقلية، أو النفسية، أو الجمالية البحتة، ولا تخضع لرقابة العقل الخارجية الغريبة عن أغوار النفس اللاشعورية، وهي تختلف عن الهذيان والصراخ في أن الوعي يهديها من داخل مناطق ما تحت الشعور، وأنه يضيء تلك الأعماق التي تنبعث منها رسالة اللاوعي، وأنه يركز هذا الأسلوب الجديد من أساليب العمل الذهني النفسي في وحدة فوقية يمتزج فيها الحلم بالتيقظ، ويقوي فيها الشعورُ مضمونات اللاشعور.

وممن كتب بهذا الأسلوب بعض قصصه الكاتب فاروق خورشيد، ففي قصة له بعنوان (الحلم) تبدأ القصة بجملة خبرية يقول فيها:

“ليس هناك اتزان، فَقَدَ الكون الاتزان، واختلط النجم القطبي بالزهرة بالمريخ”.

ثم تتوالَى الكلمات على لسان الراوي الذي يتطابق مع المؤلف فيحكي حلمًا سيرياليًّا غير مترابط.

يقول الدكتور محمد عبد الحليم غنيم في كتابه عن الفن القصصي عند فاروق خورشيد:

“وتستمر المقاطع الأخرى على نفس المنوال، ولذلك تختفي كل ملامح القص والبناء القصصي الذي كان لا يزال له وجود ملحوظ في قصص تيار الوعي السابقة عند الكاتب، لكن الذي يجعل للقصة إطارًا دالًّا أو يجعل لها معنًى يمكن أن تشير إليه، أن الكاتب صدَّرَ لقصته بسورة الكافرون: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُون * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُد * وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّم * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُد * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين} [الكافرون: 1- 6]، فكأن الكاتب في قصته يريد أن يقول: إنه غير متوائم مع الحياة العصرية التي سادت فيها المادة، واختلطت فيها الأشياء، واهتزت فيها القيم، ولذلك جاءت قصته على هذا النحو الذي اختلط فيه الواقع بالأسطورة، ثم إن هذه الصورة الكريمة التي صدر بها لقصته تشير إلى أن كثيرًا من القصاصين حاولوا أن يوجدوا عَلاقةً بينهم وبين ثقافتهم الدينية وثقافتهم التراثية”.

ومن هذا القبيل عند فاروق خورشيد كذلك قصته (اليد والقلم) فقد كرر فيها جملة إنشائية هي: “كيف تُمسك هذه اليد الرقيقة بالقلم لتخط به الكلمة؟” كرر هذه الجملة في هذه القصة مرات عديدة.

ويقول الدكتور محمد عبد الحليم غنيم: إذا حاولنا أن نفهم مغزى القصة فعلينا أن نربط بين الأبيات الشعرية لعباس محمود العقاد التي صدَّر بها الكاتب قصته وبين القصة. فالكاتب صدَّر قصته بأبيات للعقاد، يقول فيها:

أيا بحر لو كنت الكريم كما ادعوا

*قديمًا لألقيت الجواهر للناس

وحليت منها العاطلات على الحلى

*من اللائي لم يسعدن بالتبر والماس

ولم تدخرها كالشحيح لمارق

*تدلى بأمراس إليها ونبراس

يقول الكاتب: “إن العقاد ينفي الكرم عن البحر؛ لأنه لا يلقي بجواهر للناس، كذلك ينفي أو يستكثر خورشيد على اليد الرقيقة أن تخط كلمة ذات قيمة، فهذه اليد الرقيقة لا تستطيع أن تقول شيئًا في هذا العصر، حيث كُتاب العصر المأفون، أبطال العصر العاهرات، قرة عين العصر والخونة، أصوات العصر ومفكروه، والليمونة لا يبقى فيها شيء بعد العصر، ونحن نعيش برغم أنفنا، وبعد أن فُرغِّت الليمونة من كل رحيق نعيش في بطن الحوت مع يونس، نردد الدعاء لا يسمعنا أحد، فقد بلع الحوتَ الذي احتوانا في جوفه حوتٌ كبير، وابتلع الحوتَ الكبير حوت أكبر، وغاص بنا الحوت الأكبر في أعماق أعماق البحر، فلا يصل صوتنا أبدًا، لن يصل صوتنا أبدًا، فعند الشاطئ أسماك القرش تأكل وتؤكل، وتفرض شريعة أسماك القرش، الدماء النازفة تجذب الأنياب المتعطشة، اللحم المبذول يستهوي الأسنان المسنونة، والافتراس دوَّار”.

error: النص محمي !!