Top
Image Alt

القصة

  /  القصة

القصة

في القصة سِحرٌ يسحر النفوس؛ أي سحر هو؟ وكيف يؤثر على النفوس؟ لا يدري أحد  فسحر القصة قديم قدم البشرية، وسيظل معها حياتها كلها على الأرض لا يزول، وأيًّا كان الأمر، فلا شك أن قارئ القصة وسامعها لا يملك أن يقف موقفًا سلبيًّا من شخوصها وحوادثها، فهو يتخيل أنه كان في هذا الموقف أو ذاك، ويوازن بين نفسه وبين أبطال القصة، فيوافق أو يستنكر أو يملكه الإعجاب.

والإسلام يدرك هذا الميل الفطري إلى القصة، ويدرك ما لها من تأثير ساحر على القلوب، فيستغلها لتكون وسيلة من وسائل التربية والتقويم، وهو يستخدم كل أنواع القصة: القصة التاريخية الواقعية والقصة التمثيلية.

والقرآن يستخدم القصة لجميع أنواع التربية والتوجيه التي يشملها منهجه التربوي فهي سِجل حافل لجميع التوجيهات، وتُعرف القصة القرآنية بأنها: “تتبع آثار وأخبار الأمم الماضية، وإيراد مواقفهم وأعمالهم وبخاصة مع رسل الله إليهم، مع إظهار آثار الدعوات فيهم، وذلك بأسلوب حسن جميل، مع التركيز على مواطن العبرة والعظة”.

ومن ثَمَّ فالقصص القرآني تتضمن ما يلي:

  1. تتبع الآثار والأخبار الماضية كما وقعت.
  2. إيراد ما حدث للدعوات والرسل مع هؤلاء الأقوام.
  3. إظهار النتائج التي ظهرت كعاقبة المتقين، وجزاء العصاة.
  4. مجيء القصة القرآنية في إطار أسلوب حسن جميل، كشأن أسلوب القرآن الكريم كله.
  5. ارتباط القصة بهدف إيرادها: وهو الاتعاظ، والاعتبار، والتذكر.

ولكن لا بد أن نراعي أن القرآن الكريم ليس كتابَ قَصصٍ، وإنما هو كتاب دعوة وتشريع، فإذا جاء بالقصة فإنما يأتي بها في إطار الدعوة إلى الإيمان بالله، فهي ليست للمتعة، ولا للتذوق الأدبي المجرد، فالقصة القرآنية فريدة في طابعها وغايتها وتكوينها.

والقصة القرآنية لها خصائص ومَزايا تميزت بها عن غيرها من القصص الأخرى. فمن تلك الخصائص والمزايا ما يلي:

1. أنها رَبانية المصدر:

مُوحَى بها من عند الله تعالى، لا يعتريها نقصٍ أوتحريفٍ، قد تكفَّل الله عز وجل بحفظها في كتابه. فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون} [الحجر: 9]. فالقَصص القرآني جزء من كتاب الله تعالى: {لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيد} [فصلت: 42]. قصة مريم -عليها السلام-: {ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُون} [آل عمران: 44].

فهو إذن وحي من الله تعالى، ما كان يعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بعد أن قَصصه الله عليه في كتابه. ولذلك قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاء أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُون} [غافر: 78].

2. أنه قَصص حق لا مِرية فيه:

فالقصة القرآنية إذا كانت ربانية المصدر فلا بد أن تكون حقًّا لا شك ولا جدال ولا مراء فيها ألبتة، وقد قال الله عز وجل في كتابه: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ} [المائدة: 27] وقال: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ} [الكهف: 13]. وقال: {نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون} [القصص: 3] وقال أيضًا: {إِنَّ هَـذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} [آل عمران: 62].

وهذا يعني: أن كل ما ورد فيها من وقائع وشخصيات وأزمنة وأمكنة، له في عالم الواقع وجود باعتبارها قصة تاريخية، فالصدق فيها صدق واقعي. فهي خالية من الكذب والأساطير، سلمت من الخيال.

ومن الدلائل على صدق القصة القرآنية: أن الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي بلغنا هذا القرآن- ورد عتاب له في هذا الكتاب، حيث قال تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى} [عبس: 1: 4]. فلو لم يكن ذلك حق لَكَتَمَ عنَّا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الموقف وهذا العتاب.

3. أنه قصص واقعي:

القصة القرآنية لا تحلق بالإنسان في عالم الخيال إنما هي من واقع الحياة.

وعندما يعرض لنا القرآن الكريم حالة الضعف البشري التي وقع فيها أنبياء الله وأصفياؤه، لا يقف عندها ويفصل في تصويرها، بل ينتقل إلى لحظة الإفاقة والإنابة والرجوع إلى الله تعالى. قال تعالى عن آدم عليه السلام: {فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [طه: 121، 122] قال تعالى عن موسى عليه السلام: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِين * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم} [القصص: 15، 16].

فلم يهول في وصف الفعلة التي فعلها موسى كما تهول الجماعات البشرية التي مسخ الظلم فِطرتها.

4. أنه قصص يلتزم بالنظافة والأدب:

رغم أن القصص القرآني واقعي، إلا أنه قصص نظيف لا يستطرد في عرض الفاحشة، فلا يعرضها لإثارة تلذذ القارئ أو السامع بمشاعر الجنس المنحرفة، بل يذهب سريعًا إلى ما وراءها من العاقبة والعبرة.

ومن الشواهد على نظافة القصة القرآنية والتزامها بالأدب: قوله تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُون * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُون} [النمل: 54، 55]. وهنا لا نجد استرسالًا في الوصف كما تفعل القصة البشرية.

وعليه فالقصة في القرآن هي أول قصة في لغتنا العربية عرفت الالتزام، وجددت رسالة الأدب بمعناه الإنساني الذي يَفهم الأدب على أساس وظيفته الاجتماعية، التي تدعو الناس كلهم إلى الخير، وتُبْعدهم عما أَلِفوا من خُلُق وعادات وآراء زائفة، وعقائد وعبادات باطلة.

5. أنه قصص يسعَى إلى تحقيق أهداف سامية:

في القصة القرآنية أهداف سامية تسمو على أهداف القصة الأدبية البشرية فهي تنشئ الأفراد والمجتمعات على إفراد العبودية لله تعالى وحدَه، وعدم الشرك به، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهَى وزجر.

6. أن مدار القصة القرآنية على الأحداث لا على الأشخاص:

يهتم القرآن الكريم في قصصه بالحادثة أكثرَ من اهتمامه بالشخص، فهو لهذا يذكر القصة في عِدة مواضع، كما حدث مع قصة موسى وفرعون، ونوح مع قومه، وهود وقبيلته أما القصص التاريخي فإنما يوجه عنايته للشخص أكثر من عنايته بالحادثة.

7. أنها اختصت بخصائص فنية تميزت بها على غيرها من القصص:

تناولت القصة القرآنية أربعَ ظواهر فنية، لها حساب معلوم في الدراسة الفنية بالقصة الحرة في عالم الفنون، هي:

أ. تنوع طريقة العرض:

ففي قصص القرآن الكريم أربع طرق مختلفة للابتداء في عرض القصة، فمرة يذكر ملخصًا للقصة، ثم يعرض التفصيلات بعد ذلك كقصة أهل الكهف. ومرة أخرى تذكر عاقبة القصة ومغزاها، ثم تبدأ القصة بعد ذلك من أولها وتسير بتفصيل خُطواتها، وذلك كقصة موسى عليه السلام في سورة القصص. ومرة أخرى تذكر القصة مباشرة بلا مقدمة ولا تلخيص، وذلك كقصة مريم عند مولد عيسى -عليهما السلام- وكقصة سليمان عليه السلام مع النمل والهدهد. ومرة أخرى يحيل القصة تمثيلية، فيذكر فقط من الألفاظ ما يُنبه إلى ابتداء العرض، ثم يدع القصة تتحدث عن نفسها بوساطة أبطالها، وذلك مثل قوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} [البقرة: 127]. هذه إشارة البدء، أما ما يلي ذلك فمتروك لإبراهيم وإسماعيل: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيم} [البقرة: 127]. إلى نهاية المشهد الطويل. ولهذا نظائره في كثير من قَصص القرآن الكريم.

ب. تنوع طريقة المفاجأة:

فمرةً يكتم سر المفاجأة عن البطل وعن القارئ؛ حتى يكشف لهما معًا في آن واحد. مثال ذلك: قصة موسى عليه السلام مع العبد الصالح في سورة الكهف، وفي أخرى يكشف السر للقارئ ويترك أبطال القصة عنه في عماية، وهؤلاء يتصرفون وهم جاهلون بالسر، وأولئك يشاهدون تصرفاتهم عالمين، وأغلب ما يكون ذلك في معرض السخرية، ومثل ذلك ما نراه في قصة أصحاب الجنة في سورة القلم. ومرة أخرى يكشف بعض السر للقارئ وهو خافٍ على البطل في موضع، وخافٍ على القارئ وعن البطل في موضع آخر في القصة الواحدة، مثال ذلك: قصة عرش بلقيس الذي جيء به في غَمضة، وعرفنا نحن أنه بين يدي سليمان عليه السلام في حين أن بلقيس ظلت تجهل ما نعلم، قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ} [النمل: 42]. فهذه مفاجأة عرفنا نحن سرها سلفًا، ولكن مفاجأة الصرح الممرد من قوارير ظلت خافية علينا وعليها حتى فوجئنا بسرها معها حين: {قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ} [النمل: 44].

أغراض القصة القرآنية:

بعدما أوضحنا مميزات وخصائص القصة القرآنية، نوضح فيما يلي بعض أغراض القصة القرآنية:

1. إثبات الوحي والرسالة:

إن ورود القصة على النحو الذي جاءت به في القرآن الكريم، دليل واضح على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وأن ما جاء به هو وحي من عند الله تعالى، فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتبًا ولا قارئًا، والقرآن ينص على هذا الغرض نصًّا في مقدمات بعض القصص كما جاء في أول سورة يوسف عليه السلام قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُون * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِين} [يوسف: 2، 3]. وجاء عقب قصة يوسف عليه السلام قوله تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُون} [يوسف: 102].

2. بيان أن الدين كله من عند الله تعالى:

تُبَيِّنُ قصص الأنبياء وتوضح من عهد آدم عليه السلام إلى عهد محمد صلى الله عليه وسلم: أن الدين من عند الله تعالى، فكثيرًا ما وردت قصص عدد من الأنبياء مجتمعة في سورة واحدة معروضة بطريقة خاصة؛ لتؤيد هذه الحقيقة وتؤكدها في النفوس. قال تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُون} [الأنبياء: 92].

3. بيان أن الدين كله موحد الأساس:

من أغراض القصة بيان أن الدين كله موحد الأساس، فضلًا على أنه كله من عند الله، وتبعًا لهذا كانت تَرِدُ قصص كثير من الأنبياء مجتمعةً كذلك مقرورةً فيها العقيدة الأساسية، وهي الإيمان بالله الواحد، وذلك كما جاء في سورة الأعراف: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُون} [المؤمنون: 23]. وقوله: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 73]. إلى غير ذلك من الآيات.

4. بيان أن وسائل الأنبياء في الدعوة موحدة:

من أغراض القصة: بيان أن وسائل الأنبياء في الدعوة موحدة، لهذا كانت ترد قصص كثير من الأنبياء مجتمعةً أيضًا، مكررةً فيها طريقة الدعوة على نحو ما جاء في سورة هود والتي منها: قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِين * أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيم * فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِين} [هود: 25: 27] إلى أن يقول سبحانه وتعالى: {وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ} [هود: 29]. إلى أن يقولوا: {قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِين} [هود: 32]. إلى غير ذلك من الآيات في سورة هود.

5. تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم في مجال الدعوة:

يُعتبر من أهم أغراض القصة القرآنية: تثبيت فؤاد الرسول صلى الله عليه وسلم في مجال الدعوة، وحمله على الصبر على ما يلاقيه من قومه، وأن الله عز وجل ناصره ومؤيده ومهلك المكذبين والمعاندين. قال تعالى: {وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِين} [هود: 120].

6. العبرة والاتعاظ:

قصص القرآن فيها مِنهاج لحياة شاملة كاملة لتكون عبرة وعظة لِمَن يقرؤها ليتدبرها، ويعمل بما أمره الله، وينتهي عما نهاه، في ذلك يقول تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُون} [يوسف: 111] وقال تعالى: {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون} [الأعراف: 176].

7. بيان نعمة الله على أنبيائه وأصفيائه:

من أغراض القصة: بيان نعمة الله على أنبيائه وأصفيائه كقصص سليمان، وداود، وأيوب، وإبراهيم، ومريم، وعيسى، وزكريا، ويونس، وموسى، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالاَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِين * وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِين} [النمل: 15، 16] إلى آخر هذه الآيات.

8– تنبيه أبناء آدم إلى غِواية الشيطان:

وإبراز العداوة الخالدة بينه وبينهم منذ أبيهم آدم، وإبراز هذه العداوة عن طريق القصة أروع وأقوى، وأدعى إلى الحذر الشديد من كل هاجسة في النفس تدعو إلى الشر، وإسنادها إلى هذا العدو الذي لا يريد بالناس الخير.

المميزات التربوية للقصة القرآنية:

أما المميزات التربوية للقصة القرآنية، فيمكن إجمالها فيما يلي:

1. أنها تشد القارئ وتوقظ انتباهه، وتجعله متابعًا لحلقاتها وفصولها لحظةً بلحظةٍ دون تراخٍ أو كسلٍ:

ذلك أن القصة تبدأ غالبًا في شكلها الأكمل بالتنويه بمطلب، مما يسمَّى عقدة القصة، وتتراكم قبل الوصول إلى حل هذه العقدة مطالب أو مصاعب أخرى تزيد القصة حَبْكًا كما تزيد القارئ أو السامع شوقًا أو انتباهًا إلى الحل أو النتيجة، وذلك كقصة يوسف عليه السلام.

2. أنها تتعامل مع النفس البشرية في واقعيتها الكاملة:

فالقصة ليست غريبة عن الطبيعة البشرية، لأنها إنما جاءت علاجًا لواقع البشر، وعلاجُ الواقعِ البشري لا يتم إلا بذكر جانب الضعف والخطأ على طبيعته، ثم يوصف الجانب الآخر الواقعي المتسامي الذي يمثله الرسل والمؤمنون، والذي تئول إليه القصة بعد الصبر والمكابدة والجهاد والمرابطة، علاجًا ينهض بالهمم، حيث تنتهي القصة بانتصار الدعوة الإلهية، وَوَصَفِ النهاية الخاسرة للمشركين الذين استسلموا إلى الضعف والنقص، ولم يستجيبوا لنداء ربهم فيزكوا أنفسهم.

3. تربي القصة القرآنية العواطف الإيمانية عن طريق ما يلي:

أ. إثارة الانفعالات كالخوف والترقب والرضا والارتياح والحب. ب. المشاركة الوجدانية؛ حيث يندمج القارئ مع جو القصة العاطفي حين يعيش بانفعالاته مع شخصياتها.

4. تمتاز القصة القرآنية بامتزاج العاطفة بالإقناع الفكري:

لقد جاءت القصة القرآنية مزيجًا من العقيدة والمعرفة، والعاطفة والفكر، والحق والجمال، لتجعل بذورَ العقيدة التي تدعو إليها ضاربةً في أعماق النفس؛ لأن هدفها الأول أن تصنع رجالًا، وأن تبني أمةً لا أن تقيم فلسفةً.

5. فيها تربية شاملة متكاملة للجسم والروح والعقل:

تعطي كل جانب ما يستحقه من التربية والتوجيه. هذا نبي الله لوط عليه السلام لما جاءه قومه يُهرعون إليه؛ طلبًا للفاحشة، قال لهم: {يَا قَوْمِ هَـؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيد} [هود: 78]. نجد في هذه القصة أن لوطًا عليه السلام عندما صَرَفَ الجسد عن إشباع رغباته بالحرام وجهه إلى الحلال، وهو الزواج الذي شرعه الله تعالى، والأمثلة على ذلك كثيرة في القرآن الكريم.

6- القصص القرآني يحث على المبادئ والقيم التربوية الحسنة، ويحذر من الأخلاق السيئة.

7- تقوم القصة القرآنية بتوسيع مدارك الفرد.

8- القصة القرآنية سِيقت للعظة والعبرة لا لمجرد الذكر أو القراءة أو الاستمتاع، أو لبيان بلاغتها وجمالها من الناحية الفنية، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُون} [يوسف: 111].

ولهذا نجد في القصة القرآنية نماذج للخير، ونماذج للشر، ونماذج للمؤمنين الصادقين، وأخرى للكافرين المعاندين، فيها يتضح طريق الحق وطريق الباطل، فَمَنْ شاء سلك الطريق القويم، ومن شاء تنكب عنه.

error: النص محمي !!