Top
Image Alt

القضاء في عصر الرسالة

  /  القضاء في عصر الرسالة

القضاء في عصر الرسالة

لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم تغيَّر الوضع الذي كان عليه العرب، بل إنه تغير العالم كله، فالنبي صلى الله عليه وسلم جاء بالرسالة الخاتمة التي تقوم في أساسها على العدل، والعدل يقتضي أن يكون هناك قضاة وأن يكون هناك تنظيم قضائي يقوم به، وهذا يؤكد أن الإسلام جاء ليحكم بشرع الله سبحانه وتعالى , لا كما يزعم بعض الناس من أن “الإسلام مجرد دعوة لا علاقة له بتنظيم قضائي، ولا اجتماعي، ولا سياسي، ولا اقتصادي!!” هذا كلام غير صحيح، والصحيح أن الإسلام جاء ليحقق العدل والاستقرار، والسعادة للناس جميعًا.

وأول من حكم بين الناس في الإسلام قاضيًا عادلًا هو النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد أمره الله بأن يحكم بين الناس، فقال: {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ} [المائدة: 48], والرسول صلى الله عليه وسلم نفّذ هذا، فصدع الرسول صلى الله عليه وسلم بأمر ربه وبلّغ الرسالة ونشر القضاء بالعدل عندما كانت ترفع إليه القضايا، وإنما يُحكم فيها النصوص الشرعية، فإذا كان فيها نص شرعي يُحكم النص، وإذا لم يكن كان صلى الله عليه وسلم يجتهد في ذلك، وإذا اجتهد وراءه الوحي؛ إن أخطأ -فرضًا- فإن الوحي يسدِّده، وإذا أقرَّه الوحي كان ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم هو العدل.

جاء في البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجلين اختصمَا إليه في مواريث, قد درست -درست أي: قديمة جدًّا لدرجة أنها انمحت- وليس بينهما بينة: ((إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار)).

وكان المتخاصمان يحضران إليه مختارينِ، فيسمع كلام كل منهما.

والنبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه كان يقضي، وهناك كتب جمعت كثيرًا من هذه القضايا، والإمام ابن القيم -رحمه الله- تكلم بالتفصيل عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في القضاء.

النبي صلى الله عليه وسلم كان يأذن لبعض أصحابه أن يحكم بين يديه؛ ليعوّده ويدربه على الاجتهاد، وكان أحيانًا يرسل القُضاة إلى الأماكن البعيدة عنه؛ ليحكموا بين الناس ويرشدوهم ويعلموهم.

جاء في الترمذي: أن عثمان قال لعبد الله بن عمر: “اذهب فاقضِ بين الناس، قال: أوتعافيني يا أمير المؤمنين؟ قال: وما تكره من ذلك فقد كان أبوك يقضي، قال: إن أبي كان يقضي، فإن أُشكل عليه شيء سأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم “.

فهذا الحديث يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأذن لعمر بأن يقضي, والنبي صلى الله عليه وسلم موجود؛ بدليل أن عمر كان إذا أشكل عليه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم , وثبت أنه أرسل عليًّا رضي الله عنه ليقضي بين الناس في اليمن، وثبت أنه أرسل معاذ بن جبل إلى الجند -والجند بفتح الجيم: بلدة كانت قريبة من صنعاء.

المهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقضي وكان يُعلم أصحابَه القضاءَ، وكان يرسل بعضهم إلى الأماكن البعيدة عن عاصمة الدولة الإسلامية المدينة المنورة؛ ليقضوا بين الناس.

فسيدنا علي -مثلًا- تعلَّم من النبي صلى الله عليه وسلم القضاء، حدَّث رضي الله عنه قال: “عُرضت عليه قضية من القضايا, فقال للمتقاضين إليه: أقضي بينكم فإن رضيتم فبها, وإلا عرضتم الأمر على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم “. هذا يدل أيضًا على وجود نظام القضاء في الإسلام، وأيضًا يدل على وجود نظام الاستئناف -أي: يمكن القضية أن تعرض على قاضٍ أعلى- وبالفعل ذهبوا وعرضوا القضية على النبي صلى الله عليه وسلم , فأقرَّ قضاء سيدنا علي رضي الله عنه .

error: النص محمي !!