Top
Image Alt

القضاء في عهد سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه

  /  القضاء في عهد سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه

القضاء في عهد سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه

أول ما نشير إليه: أنه لم يحدث تغيير في عهد أبي بكر في نظام القضاء عما كان عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ؛ وذلك لاشتغاله بحرب الرّدّة التي كان سببها امتناع بعض المسلمين عن أداء الزكاة، وغير ذلك من أمور السياسة والحكم، وأيضًا لعدم اتساع رقعة الدولة في عهده؛ غير أنه أسند في عهده القضاءَ إلى عُمرَ، فظل سنتين لا يأتيه متخاصمان؛ لِمَا عُرف به عمر رضي الله عنه من الشدة، ولأن الناس كان فيهم من الورع والصلاح والتسامح ما يمنع وجودَ تخاصم ومشاحنة بينهم.

فقد روى عطاء بن السائب, عن محارب بن دثار قال: لما استخلف أبو بكر قال لعمر ولأبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم: “إنه لا بد لي من أعوان، فقال له عمر: أنا أكفيك القضاء، وقال أبو عبيدة: أنا أكفيك بيتَ المال”، فكان قيام الخليفة بأمر القضاء في البداية يقوم به بنفسه, ثم استعان بكبار الصحابة، خاصةً سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي أسند إليه القضاء.

ويلاحظ على القضاء في عهد سيدنا أبي بكر الصديق عدة أمور:

  1. سيدنا أبو بكر -في البداية- كان يباشر القضاء بنفسه في المدينة، وكان يترك ولاته يباشرون القضاء في الأمصار، كان هذا في بداية الأمر، ثم فصل القضاء عن الولاية العامة في المدينة، فولَّى عمر بنَ الخطاب القضاءَ على المدينة، بينما ظل الأمر كما هو في الأمصار الإسلامية الأخرى.
  2. أقر سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه العمالَ الذين عينهم النبي صلى الله عليه وسلم في أماكنهم، فأقرهم على ما كانوا عليه، وطلب من كبار الصحابة معاونته -كما ذكرنا.
  3. أنه اتبع العدل وحقق الإنصافَ مما نتج عنه قلة الخصومات؛ وذلك لما كان يتمتع به عموم المسلمين من الإيمان والورع والتقوى، ولما كان عليه سيدنا عمر بن الخطاب الذي هو القاضي في المدينة, من الصرامة والشدة في العدل.
  4. أن أبا بكر رضي الله عنه كان يقضي بنفسه أحيانًا، ويشرك معه كبار الصحابة أحيانًا أخرى.
  5. يلاحظ على القضاء في عهد سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان يقضي بكتاب الله، فإن لم يجد قضى بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم , فإن لم يجد قضى ما أجمع عليه الصحابة بعد اجتهادهم، مما يمكن أن نسميه “الاجتهاد الجماعي” أو إذا لم يتيسر له هذا قضى باجتهاده، هذا الاجتهاد المبني على العلم، فقد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر مما صحبه غيرُه، وهذا لا يمنع أنه كان في الأمصار الأخرى غير المدينة -أي: غير العاصمة- يقضي فيها قضاة غير قضاة المدينة، وغير سيدنا أبي بكر ممن عينه سيدنا أبو بكر بنفسه، أو كانوا معينين من قِبل النبي صلى الله عليه وسلم وأقرهم على ذلك سيدنا أبو بكر الصديق.

ومن هؤلاء القُضاة -على سبيل المثال- عتَّاب بن أسيد، وعثمان بن أبي العاص، وأبو موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل، وغيرهم كثير، وقد حفظ لنا التاريخ -خصوصًا كتب تاريخ التشريع الإسلامي، وكتب نظام القضاء في الإسلام- بعض القضايا التي قضى فيها سيدنا أبو بكر رضي الله عنه .

من ذلك: أنه قضى في القصاص في جراحة الأذن، بمعنى: أن شخصًا اعتدى على آخر فقطع أذنه، فسأل سيدنا أبو بكر: “هل يمكن القصاص في هذه الحالة؟” أي: يتوافر التماثل ويمكن القصاص دون السراية؟ أي: دون عدوان في أخذ الحق والقصاص من المعتدي؟ فلما فهم أن ذلك ممكن؛ أمر بالقصاص.

قضى أيضًا بميراث الجد وقضى به قضاء طيبًا مباركًا، حيث إن الجد يرث عند عدم وجود الأب وعدم وجود الأبناء الذكور أو حتى الإناث، فإنه يحلّ محل الأب، فتأخذ الأنثى نصيبها، ويأخذ الجد السدس زائد الباقي، لكن الجديد أنه عندما لا يكون هناك أب ولا أبناء, ويوجد الجد مع الإخوة الأشقاء أو الإخوة من الأب؛ لأن من المعلوم أنه عند وجود الإخوة من الأم فإنه يحجبهم كما يحجبهم الأب وغيرُه, فقضى سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه في ميراث الجد مع الإخوة الأشقاء، بأن الجد يحل محل الأب تمامًا، ولا يأخذ الإخوة شيئًا من هذا الميراث، فكأنه اعتبر الجد أبًا؛ لأن الله -تبارك وتعالى- ينادينا جميعًا فيقول: {يَا بَنِي آدَمَ} [الأعراف: 26] فجعل جدنا الأعلى أبًا، فيحل محل الأب تمامًا.

أيضًا من القضايا التي قضى فيها سيدنا أبو بكر الصديق: قضية ميراث الجدة، وهي أم الأم، سأل الصحابة: “هل فيكم من يحفظ شيئًا في ميراث الجدة؟ فأخبره أحدهم أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس، فقال: مَن يشهد له؟ فقام آخر وشهد؛ فقضى سيدنا أبو بكر للجدة بالثلث”.

فهذه ملاحظات عامة على قضاء سيدنا أبي بكر الذي تولى الخلافة لمدة قصيرة؛ ولذلك كانت تغييراته وبصماته على القضاء قليلة.

error: النص محمي !!