Top
Image Alt

القضاء في عهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه

  /  القضاء في عهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه

القضاء في عهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه

إن القضاء في عهد سيدنا علي قد حظي باهتمامه، ولا ننسى أنه كان قاضيًا مِن قبلُ، وتعلَّم على يد النبي صلى الله عليه وسلم وكان قاضيًا لعمر، وما زلنا على ذكر من أن سيدنا عمر كان يثني عليه.

فسيدنا علي اهتمَّ بالقضاء في عصره، رغم الخلافات والفتن التي ظهرت في عهده -وكلنا نعلمها- فقد خاض فتنًا وبعضَ الحروب؛ موقعة الجمل، ثم موقعة صفين، ثم الخوارج بعد ذلك، ورغم هذه الخلافات وهذه الفتن التي ظهرت في عهد سيدنا علي، فإنه كان يجلس بنفسه للحكم بين الناس.

كما كان أيضًا يختار القُضاة من ذوي الكفايات الممتازة، ومن مظاهر ذلك أنه أبقى شريحًا على قضاء الكوفة، وزاد في راتبه خمسمائة درهم في كل شهر، وهو مبلغ كبير يكفي أن نعلم أن نِصاب الغني مائتا درهم فقط، لكن سيدنا علي جعل لشريح خمسمائة درهم في كل شهر. وأما في الأمصار الأخرى فقد عزل معظمَ الولاة الذين كان سيدنا عثمان قد عينهم، عزلهم عن مناصبهم وولى غيرهم.

لكن ما موقفه من القضاء؟ هل فعل كما فعل سيدنا عمر، أو فعل كما فعل سيدنا عثمان؟

في الواقع سيدنا علي ترك لولاته أمر اختيار القُضاة، أي: هو أقرب في هذه النقطة إلى سيدنا عثمان رضي الله عنهم.

بهذا يكون الإمام علي رضي الله عنه قد فصل القضاء عن الولاية كما فعل عمر رضي الله عنه أحيانًا، وفي الوقت ذاته نراه قد فوَّض أمر القضاء للولاة يختارون له أفضلَ العناصر, التي تصلح للقضاء دون أن يجعل القضاءَ إلى الولاة، فهذا فصل واضح جدًّا، أي: الوالي يختار القاضي، لكن هذا له سلطة وهذا له سلطة أخرى، بل نراه قد آثر أن يكون له رجال للقضاء مختصون به؛ لضمان تحقيق العدالة في الحكم بين الناس.

وهذا عهد سيدنا علي بن أبي طالب إلى أحد الولاة, وهو الأشتر النخعي واليه على مصر، يقول له في خطاب يوصيه فيه بعدة وصايا، ويبين له طريق الحكم الصحيح: “ثم اتخذ للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك”، هذه جملة معناها: أن على الوالي أن يختار القاضي الذي يعينه، أو القُضاة الذين يعينهم فيختار مِن بينهم أفضلهم. وأفضلهم هذه كلمة عامة؛ أي: أفضلهم علمًا وأفضلهم خلقًا ودينًا، يقول له: “ثم اتخذ للحكم -أي: للقضاء- بين الناس أفضل رعيتك في نفسك, ممن لا تضيق به الأمور”, أي: يكون أفقُه واسعًا، وثقافته واسعةً، وعلمه واسعًا غزيرًا, “ولا تمحّكه الخصوم, ولا يتمادى في الزَّلَّة”, أي: لا يحمل الناس على ما يكره, “ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه”، أي: يتعمق في فهم الأمور, “وأن يكون أوقفهم في الشبهات، وآخذهم بالحجج، وأقلهم تبرمًا بمراجعة الخصم، وأصبرهم على تكشف الأمور، وأصرمهم عند اتضاح الحكم”, أي: يكون شديد الصرامة، لا يخشى في الله لومة لائم, “ممن لا يزدهيه إطراء”، أي: لا يصيبه المدح والثناء بالكِبْر, “ولا يستميله إغراء وأولئك قليل”.

“ثم أكثر من تعاهد قضاتك”, أي: هذه وصية عظيمة جدًّا من سيدنا علي، حيث يقول: لا يكفي أن تختار الأفضل والأحسن، بل عليك أن تراقبه وأن تتعاهده، “وافسح له في البذل ما يزيل علته”، أي: أن تعطيه العطاء الذي يكفيه، وتقل حاجته معه إلى الناس, “وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك؛ ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك”.

هذه الوصية هي وصية رائعة، وفيها يبين للأشتر النخعي كيف يختار القُضاة، وكيف يراقبهم، وكيف يعطي لهم المال، وكيف يعاملهم.

هذه سياسة عظيمة جدًّا تدل على بصيرة ووعي، وإيمان، وعلم عميق.

خلاصة القول:

إن الخلفاء الراشدين كانوا إذا ما عُرض عليهم قضاء أو طُلب منهم استفتاء، نظروا في كتاب الله فإن لم يجدوا حكمًا التمسوه في السنة، فإذا لم يعرفوا فيها شيئًا سألوا الناسَ: هل فيهم من يعرف شيئًا في السنة, في هذا الأمر؟ فإن وجدوا أخذوا بما يقول بعد الاستيثاق بطلب شهود, كما كان يفعل سيدنا أبو بكر وسيدنا عثمان، أو بتحليفه بأن يقول له: احلف، اقسم، فيقسم بالله على صدق ما يقول كما كان يفعل الإمام علي رضي الله عنه ، فإن لم يكن هناك حكم للمسألة؛ لا في الكتاب ولا في السنة، اجتهدوا اجتهادًا جماعيًّا، أي: يقوم على الشورى والجماعة، إذا كان الموضوع له مساس بالحكم ويتعلق بالجماعة، أو اجتهد فيه اجتهادًا فرديًّا، وذلك في الجزئيات الخاصة بالأفراد.

ولم يكن للقاضي في هذا العصر -عصر الخلفاء الراشدين- كاتب يكتب بما يحكم به، ولا سجل ولا كراسة ولا أوراق يكتب فيها الحكم، لم يكن له كتاب أو سجل يدون فيه أحكامه؛ لأنه كان يقوم بتنفيذ الحكم بنفسه عقب إصداره، ولم يكن له مكان خاص؛ إنما كان يجلس في منزله ويحضر إليه أصحاب الخصومات، فيقضي بينهم، ثم أصبح يجلس في المسجد للفصل في الخصومات، حيث كانت المساجد غير قاصرة على إقام الصلوات، بل كانت مجامعَ للشئون العامة ذات الشأن كالقضاء والتدريس وحل المشاكل ونحو ذلك، ثم اتخذ سيدنا عثمان بن عفان دارًا خاصةً بالقضاء.

هذه الفترة العظيمة في حياة المسلمين -عهد الخلفاء الراشدين- عصر أرسل فيه القضاء، وطُبقت فيه الأحكام تطبيقًا عمليًّا على أساسٍ من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم , وعلى أساس من الاجتهاد المبني على القياس على هذه النصوص، ومراعاة المصلحة.

error: النص محمي !!