Top
Image Alt

القواعد من “تعارض العرف مع اللغة”, إلى “الحقيقة تترك بدلالة العادة”

  /  القواعد من “تعارض العرف مع اللغة”, إلى “الحقيقة تترك بدلالة العادة”

القواعد من “تعارض العرف مع اللغة”, إلى “الحقيقة تترك بدلالة العادة”

. قاعدة “تعارض العرف مع اللغة”:

إذا تعارض العرف مع اللغة، فأيهما يقدم؟

ذهب القاضي حسين إلى أنَّ الحقيقة اللفظية تقدم عملًا بالوضع اللغوي، إذ الأصل في الكلام الحقيقة، ومتى أمكن العمل بالحقيقة سقط العمل بالمجاز لكون المجاز خلفًا عنها، والحقيقة اللفظية وضع اللفظ بإزاء المعنى.

وقال البغوي: تقدم الدلالة العرفية الآتية من جهة العرف على الحقيقة اللغوية؛ لأنَّ العرف يحكم في التصرفات من بيع وشراء ونفقات وغير ذلك مما يدور بين الناس من معاملات.

وعلى وجه الخصوص في الأيمان، فإذا قال الزوج لزوجته: أنت طالق، وقال: أردت من وثاق، فإنَّ الطلاق بمعنى الإطلاق.

وهو حقيقة لغوية في الحَّل من وثاق أو غيره، وقد أصبح هذا اللفظ حقيقة عرفية في حل عصمة النكاح مجازًا في حل الوثاق، وحمل اللفظ على حقيقته العرفية أولى من المجاز، بينما تركت الحقيقة بدلالة العرف والعادة.

لأنَّ الكلام موضوع للإفهام، فإذا كان مستعملًا لشيء عرفًا، ونقل عن معناه اللغوي، فهذه العادة هي عادة الاستعمال رجحت إرادته، فيدرك معناه الحقيقي.

ومثل ذلك النذور فإن من نذر المشي إلى بيت الله الحرام، فإنه يلزمه حجة أو يلزمه عمرة، ويظهر ذلك واضحًا في الألفاظ المفردة، فإن لفظ الدابة يطلق على كل ما يدب على الأرض، وأريد به في العرف ذوات الأربع.

وينبغي أن يلاحظ: أن القول بتقديم العرف على اللغة أو العكس، حيث لا توجد النية، فإن وجدت النية عمل بها وتقديم العرف أو اللغة أو تقديم أحدهما على الآخر ليس لمجرد أن هذا لغة، وأن ذلك عرف؛ بل يشترط تبادر المعنى عند الإطلاق، فإذا تبادر المعنى العرفي قدم العرف، وإذا تبادر المعنى اللغوي قدم عرف اللغة، وهذا ما يراه الإمام الشافعي وهو قول جمهور الفقهاء.

ولتوضيح ذلك نورد بعض الأمثلة التي يتعارض فيها العرف مع اللغة وهي:

فإذا حدث شخص لا يسكن بيتًا فإن كان بدويًّا حنث بسكنى المبني وغير المبني كالخيام؛ لأن غير المبني يسمى بيتًا عندهم، فقد تظاهر فيه العرف واللغة، لأنهم يسمونه بيتًا، فالعرف قوى اللغة، واللغة قوت العرف، وإن كان من أهل القرى فوجهان:

فلو اعتبرنا العرف لم يحنث؛ لأنَّ غير المبني لا يسمى بيتًا عند أهل القرى، وإن سمي بيتًا في اللغة، والأصح الحنث ترجيحًا للغة على العرف، وهذا إذا لم يوجد عنده نية.

أما إذا وجدت النية فهي التي تحكم، ولو حلف شخص لا يأكل الخبز، فهل يحنث إذا أكل خبز الأرز؟ قال الشافعية: يحنث مطلقًا، وإن كان عند قوم لا يتعارفون ذلك اعتبارًا بالإطلاق والاستعمال اللغوي؛ لأنَّ كلمة خبز تطلق على كل مخبوز، فرجح هنا جانب اللغة على العرف، وقال الحنفية والمالكية: يحنث بما يعتاده أهل البلد، فيحنث بأكل الخبز المعروف دون غيره، فالحنفية يقدمون العرف في الأيمان مطلقًا، وهذا هو المعقول والأقرب للصواب؛ لأنَّ الحالف حلف وفي نيته نوع معين من الخبز وهو المعتاد بين الناس، وجرت العادة به بينهم لا مطلق خبز كما هو المدلول اللغوي.

ولو تزوج شخص بأربع زوجات قال: زوجتي طالق، لم تطلق سائر زوجاته، عملًا بالعرف؛ لأنَّ العرف يطلق الزوجة على الواحدة فقط، وإن كان وضع اللغة يقتضي أن الطلاق يكون على الأربع؛ لأنَّ الزوجة اسم جنس، واسم الجنس إذا أضيف صار عامًّا فمقتضى اللغة تطلقه على سائر زوجاته الأربع، ولكنه يقدم العرف حينئذ على الوضع اللغوي.

ومع ذلك فإننا نقول لمن صدر منه هذا الطلاق: يحرم عليك إتيان أي واحدة من زوجاتك، أو أن تستمع بواحدة منهن حتى تعين؛ لأن كل واحدة تصلح أن تكون مطلقة، فإذا كانت إحداهن في نفسه طلقت حسب نيته، وإلا ذهبوا إلى المفتي فيطالبه بالتعيين.

وإذا أوصى للفقهاء: فهل يدخل فيهم المناظرون والباحثون في أوجه الخلاف ومن يقارنون بين الآراء؟

قال في الكافي: يحتمل ذلك وجهين لتعارض العرف واللغة:

فالفقهاء: جمع فقيه، وهو من صار الفقه له سجية وملكة، وحقيقة الفقيه اللغوية هو العالم بالأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية، وكل علم شرعي فإنه داخل في هذا المعنى، فيدخل فيه المناظر وغيره، فإذا وجد عرف يتعارض مع المدلول اللغوي، فالحكم للعرف، ولكن الآن لا يوجد تعارض بين العرف واللغة مع كلمة فقيه؛ لأن الفقيه يطلق على من يناظر ويجادل ويقارن بين الآراء، وما قد اعترض به أبو زيد الدبوسي صاحب كتاب (تأسيس النظر)، على الإمام الشافعي من: أنه قد اضطرب قوله، فتارة يقدم العرف، وتارة يقدم اللغة، فقد أجاب عن ذلك الإمام الرافعي.

فقال: والحقيقة أنَّ الشافعي ليس كذلك؛ بل إنَّ الشافعي يتبع مقتضى اللغة تارة، وذلك عند ظهورها وشمولها بحيث تكون عرفًا عامًّا، وهو الأصل، وتارة يتبع العرف، إذا استمر واطرد.

فإذا كان الشافعي يبني قاعدة الأيمان على العرف إذا استمر ولم يضطرب بزمان، فإنَّ اضطرب رجع إلى اللغة فلا يكون بذلك متناقضًا، ولا يفهم من ذلك التناقض مطلقًا.

هل تعارض العرف قاصر على اللغة العربية في مسألة تجاذب الوضع اللغوي والعرف؟

قرر العلماء أن يكون ذلك قاصرًا على اللسان العربي دون غيره، فإذا تكلم بعبارة فيها عرف ولغة، فالعرف يجذب الفرع إليه ليطبقه حسب ما يراه، وكذلك اللغة تجذب العرف إليها لتعطيه حكمها، وهذا خاص باللسان العربي.

في تعارض الحقيقة المستعملة، والمجاز المتعارف، نقول: المجاز المتعارف هو: اللفظ المستعمل في المعنى المجازي أكثر من استعماله في المعنى الحقيقي، وكان غالبًا في الاستعمال المتبادر إلى الفهم، مثل: “أكلت من النخلة” فإنه حقيقة في الأكل من خشبها مجازٌ في الأكل من ثمره، ولكن الحقيقة هجرت عرفًا، وأصبحت لا تراد من اللفظ، وفي هذه الحالة يُحملُ اللفظ على المجاز.

ومثل: “شربت من النهر” فإنه حقيقة في الشرب بالفم، وذلك بأن ينبطح الشخص على بطنه، ويشرب منه بفمه، ومجازٌ في غير ذلك كالشرب باليد، أو بالكوز، ولكن الحقيقة تُراد في بعض الأوقات كرعاة الإبل يكرعون من النهر بأن ينبطحوا على بطونهم، ثم يشربون بأفواههم.

وفي تعارض الحقيقة المستعملة، والمجاز المتعارف يقول الإمام أبو حنيفة: الحقيقة المستعملة تترجح على المجاز المتعارف؛ لأنَّ الحقيقة هي الأصل، والأصل لا يترك إلا لضرورة، ولا ضرورة، فالحقيقة ترجحت لكونها حقيقة، وكونها مستعملة، أما المجاز فهو فرع الحقيقة ومرجوح، والمرجوح لا يقدم على الراجح، وقال الجمهور وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن: المجاز المتعارف أولى في الاستعمال من الحقيقة لسبقه إلى الفهم بسبب التعامل، والتفاهم به بين الناس، وتبادرهُ رجح استعماله على الحقيقة التي صارت بمنزلة المهجورة، وقام المجاز مقامه، وهذا هو الحق؛ لأنَّ الظهور والتعارف هو المكلف به الإنسان، وعليه فلو حلف لا يأكل من هذه الحنطة، فإنه يقع على عينها عند الإمام أبي حنيفة؛ لأنَّ حقيقته المستعملة أكل عينها؛ فلا يحنث بأكل خبزه، وقال الجمهور: ينصرف إلى ما يُتخذ من الحنطة كالخبز ونحوه، وهو ما تضمنته الحنطة، وهو المجاز المتعارف في أكلها، ومحل الخلاف -كما قال ابن نجيم- عند عدم النية، أما إذا نوى شيئًا، فهو على ما نوى من حقيقة أو مجاز.

تعارض العرف العام والخاص:

تعريف العرف العام:

العرف العام هو: ما تعارفه عامة الناس، سواء أكان قوليًّا أم فعليًّا، وقد يكون ذلك على فعل شيءٍ أو تركه، وعلى هذا فالعرف العام أو العادة الفعلية العامة معناه: غلبة صدور فعلٍ دون غيره من عموم الناس، أو من غالبهم، وهو يقابل العرف الخاص مثل لفظ الدابة، فإنها في أصل وضعها اللغوي اسم لكل ما يدب على الأرض، ثم خصصها العرف العام بذوات الأربع كالفرس والحمار ممّا يركب عادةً ويحملُ عليه، وشاع هذا الاستعمال حتى صار حقيقة عرفية لا يراد غيرها عند الإطلاق.

وأما تعريف العرف الخاص، فإن العرف الخاص هو: ما تعارف عليه أهل العلوم، وأرباب الحرف والصناعات لبعض الألفاظ، بحيث يفهم منها عند الإطلاق لهذه المعاني الاصطلاحية دون المعاني اللُّغوية لتلك الألفاظ لجريانها في استعمالهم وتخاطبهم، ولا يتلفتون إلا إلى هذه المعاني الاصطلاحية، وأصبح اللفظ حقيقة في المعنى العرفي كإطلاق لفظ الدابة على الحمار في مصر، أو على الفرس في العراق، بحيثُ لا يتبادر عند سماعه غيره، فهذا من قبيل الحقيقة العرفية الخاصة، وقد تكون العادة خاصة ببعض الفرق، كالآذان للإسلام، والناقوس للنصارى، فهذا يقتضي أو يقضى بها عندنا، فإذا تعارض عرفان وكان أحدهما عامًّا سائدًا في المنطقة كلها، والآخر كان خاصًّا ببلدة من البلاد، فأيهما يقدم؟

في هذه الحالة، فإنه إذا كان المخصوص محصورًا أو يمكن الإحاطة به لم يؤثر في الحكم، ويعتبر كالمنسي؛ فلا يعتبر، وإنما يعتبر العرف العام، وأما إذا كان المخصوص غير محصور ولا يمكن الإحاطة به علمًا اعتُبر هذا العرف، فلو جرت عادة قوم بحفظ زرعهم ليلًا، ومواشيهم نهارًا، فهذه العادة تنزل منزلة العرف العام، وتترتب الأحكام عليها في الأصح، فإن انطلقت الدواب، وأكلت من الزرع حكّمنا العرف في الضمان وعدمه، فإذا أكلت في وقت يجب على صاحب الزرع أن يحفظ فيه زرعه؛ فلا ضمان؛ لأنَّه المقصر، والعكس صحيح.

2. قاعدة “الحقيقة تترك بدلالة العادة”:

معنى القاعدة:

معنى هذه القاعدة يدخل تحت مسألة تعارض اللغة مع العرف، فالحقيقة في اللغة مأخوذة من حق الشيء إذا ثبت، وحقيقة الأمر يقينٌ، والمراد بالحقيقة هنا: دلالة اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب بحيث يدل عليه بغير قرينة سواءٌ كان التعيين من جهة وضع اللغة، فيكون حقيقة لغوية، أو كان من غيرها فيكون حقيقة عرفية أو شرعية.

وعليه فالحقيقة ثلاثة أنواع: حقيقة لُغوية وفي مقابلها مجاز لُغوي. حقيقة شرعية وفي مقابلها مجاز شرعي. حقيقة عرفية وفي مقابلها مجازٌ عرفي.

تعريف الحقيقة اللغوية:

أما الحقيقة اللغوية: فهي أصلُ الحقائق الثلاث؛ لأن اللفظ وضع أولًا للمعنى اللغوي، ثم جاء الشرع فنقل ألفاظًا كثيرة ليؤدي بها المعنى الشرعي المراد مع وجود علاقة بينه وبين المعنى اللُّغوي، كما نقل أهل العرف العام، أو الخاص بعض الألفاظ، واستعملوها فيما تعارفوه بينهم، فأصبحت هذه الألفاظ مجازًا في اللغة، وحقيقة شرعيةً أو عرفًا شرعيًّا، وحقيقة عرفية أو عرفًا في الاستعمال عامًّا أو خاصًّا، وفي هذا يقول ابن الحاجب: إنَّ الألفاظ التي استعملها الشارع مجازات لُغوية، ثم اشتُهرت فصارت حقائق شرعية، وقد ثبتت الحقائق الشرعية بالاستقراء؛ لأننا لما استقرأنا لفظ الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج وجدناها استُعملت في لسان الشرع للعبادات، فالصلاة اسم للدعاء، ثم سمي بها العبادة المعلومة مجازًا في اللغة، وحقيقة شرعية أو عرفًا شرعيًّا، سواءٌ كان فيها دعاء، أو لم يكن كصلاة الأخرس، حيث إنها شُرِعَتْ لذكر الله تعالى، قال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طـه: 14]، أي: لتذكري، أو لتذكرني، وكل ذكر دعاء، فإن من قال: “الله أكبر” صح أن يقال دعا الله تعالى.

والحج في اللغة القصد، ثم صار اسمًا لعبادة معلومة مجازًا في اللغة، وعرفًا شرعيًّا، وكذلك العمرة فهي في الأصل الزيارة، ثم صارت اسمًا لزيارة مخصوصة بشرائطها، وأركانها المعلومة شرعًا، والزكاة في الأصل النماء، ثم صارت اسمًا للمعنى الشرعي، وهو أداء بعض المال النامي بوجه مخصوص أتت به الشريعة، والصوم فإنه في اللغة مطلق الإمساك، وفي الشريعة خصص بنوع من الإمساك.

ولما كان الأصل في الكلام الحقيقة كان الواجب استعمال كل لفظ في معناه الحقيقي، ولكنه قد يُهجر المعنى الحقيقي عرفًا وعادة، فيكون الحكم في ذلك متعذرًا أو كالمتعذر، كما لو حلف لا يضع قدمه في دار فلان؛ إذ ينصرف المعنى إلى الدخول بأي وجه كان راكبًا، أو ماشيًا، أو حافيًا، أو منتعلًا؛ لأنه هو المتعارف لا المعنى الحقيقي، وهو مباشرة القدم دخل أو لم يدخل؛ لأن هذا المعنى مهجور عرفًا، والعرف قاضٍ على الوضع، وقد تُركت الحقيقة هنا بدلالة العادة، والعرف.

وخلاصة ذلك كله: أن حقيقة اللفظ تترك، ولا تعتبر بدلالة العرف والعادة على استعمال هذا اللفظ استعمالًا مغايرًا لمعناه الحقيقي، ويبنى على المعنى الذي دل عليه العرف والعادة، وإذا دار الأمر بين الحقيقة والمجاز ترجحت الحقيقة، لكن المراد بالحقيقة المذكورة في هذه القاعدة هي الحقيقة المهجورة، فظهر بهذه القاعدة أن تحكم العادة والعمل باستعمال الناس لا تقوى الحقيقة على معارضتهما؛ بل يُعملُ بهما دونها.

error: النص محمي !!