Top
Image Alt

القومية

  /  القومية

القومية

أولًا: تعريفها:
القومية: فكرة وضعية نشأت أول ما نشأت في البلاد الأوربية، نشأ غيرها من الحركات والأفكار التي تبعث عن التفلت من رابطة الدين، ويلاحظ أن دعاتها قد اختلفوا في المفهوم الصحيح لها، هل هي بمعنى تجمع أمة من الناس وارتباط بعضهم ببعض هدفًا وسلوكًا وغايةً؟ إما لانتمائهم إلى لغة واحدة كما يرى القوميون الألمان، وإما لانضوائهم في عيشة مشتركة كما يرى القوميون الفرنسيون، أم أنها لكليهما، أو أنها لغير ذلك من أمور سياسية واقتصادية كالاشتراك في المعيشة الاقتصادية كما يرى الماركسيون، أو الاشتراك في التاريخ واللغة في البلد الواحد كما يرى كثير من دعاة القومية العربية ساطح الحصري ومَن سلك سبيله بحيث يحسون أنهم جميعًا كتلة واحدة، وأن ما يجري على البعض من آلام وآمال هو ما يجري على الكل، فتقوم قوميتهم على هذا المفهوم.
إنه خلاف مرير بين القوميين على تعريف القومية، ولكنهم جميعًا متفقون على أن إبعاد الدين -خصوصًا الإسلامي- أمر حتمي لانتعاشها.
والقوميون العرب دائمًا يصرحون بأن الدعوة إلى القومية ليس معناها الدعوة إلى الدين؛ لأن كل الناس عباد لله تعالى، وكلهم يريدون الحياة السعيدة في الدنيا وما بعد الحياة الدنيا، وهذا لا شأن للقومية به، بل يعتبرونه الدعوى إلى الدين دعوى ناقصة عن تحقيق طموحات القوميين، بل إنها رجعية في نظرهم، ويجب فصله عن الدولة أيضًا؛ انسياقًا مع مفاهيم الحركات الأوربية التي قامت في البداية على القومية وحرب الدين، بل وصل طمع دعاة القومية أن تكون بديلًا عن النبوات، وأن نبوة القومية يجب أن يبذل لها كل غال ورخيص، وأن يكون الإيمان بها أقوى من كل الروابط، وجعلوها في الكِفة الأخرى مع الإيمان بالله تعالى، وأنها يجب أن تكون هي الديانة لكل عربي، وأخذوا يتباكون على مصير العرب حينما لا يتم تحقيق هذا الدين الجديد الذي سيخلص العرب من كل سيطرة أجنبية، ويرفعون رءوسهم عاليةً أمام كل أجنبي، ليس بعربي بزعمهم !!
ولا ريبَ أنها دعوات جاهلية ليس وراءها إلا الخراب، سواء أكانت الدعوة إلى القومية أو إلى الوطنية، فلا عزة للعرب ولا استرجاع لحقوقهم إلا بالتمسك بالدين الحنيف.
إن القومية والوطنية كلتاهما نعرتان جاهليتان خرجتَا من أوربا الجاهلية، وفي هذا يقول “فرنارد لويس”: فالليبرالية والفاشية والوطنية والقومية والشعوبية والاشتراكية، كلها أوربية الأصل، مهما أقلمها وعدلها أتباعها في الشرق الأوسط، أحلها القوميون والوطنيون محل الدين، ورأوا أن الاجتماع عليها خير وأنفع من الاجتماع على الدين، وذلك للاختلاف الواضح بين الناس في قضية التدين -حسب زعمهم- بخلاف القومية والوطنية التي تضم كل أفراد القوم وجماعاتهم؛ ليكونوا مجتمعًا واحدًا لا خلافَ فيه؛ لاتحادهم التام في الانتساب إلى القومية. أما الوطنية التي تقبل كل تناقضات المذاهب المختلفة وهي في الواقع لا تقبلها كما يدعون، بل ترمي بها كلها وتؤخذ بدلًا عنها شعار القومية والوطنية، ومن هنا قدسوها ورفعوها فوق كل اعتبار، واجتمعوا على التفاخر والتباهي بها، حتى صار كل قوم يدعون أنهم هم أفضل الجنس البشري، وغيرهم في الدرجة الدنيا.
ولهذا تسمع وتعجب حين يفتخر كل قوم أو كل شعب بأنهم أرقى أمة وأفخرها، فما دام قد انحل الوكاء فما الذي يمنع كل جنس أو قوم من الافتخار، بل والتعالي على الآخرين، راكبين كل صعب وذلول في تقرير ذلك، فكثرت تبعًا لذلك القداسات المزيفة لهذه الفئات من البشر، كما كثرت الأماكن والأراضي المقدسة عندهم كما يقتضيه شرح القومية والوطنية.
ثانيًا: كيف ظهرت القومية؟
أساس ظهور القومية في شكل مذهب جماعي وله دعاته المتحمسون له، كان من البلد المضياف لكثير من الآراء والمذاهب المختلفة أوروبا، وكان سبب ظهورها هو نفس الأسباب التي أظهرت بقية المذاهب الفكرية فيها، متوخيةً الرغبة الشديدة في هدم سلطة الكنيسة الطاغية التي سامتهم سوء العذاب -كما تقدم- إضافةً إلى ما كان يعيشه الأوربيون من شريعة الغاب، والظلم والعدوان، وسوء الأخلاق في معاملة بعضهم، وعدم وجود الدين الصحيح الذي ينير لهم الحياة، فكان ظهور القومية هناك مظهرًا مشاركًا لبقية مظاهر الخروج والانفلات عن سلطة الكنيسة وقبضة رجالها، وكانت القومية هي إحدى معاول الهدم التي تكاثرت على الكنيسة بعد أن بدأت الكنيسة تترنح للسقوط النهائي، إثر إفاقة الشعوب الغربية الأوربية على واقعهم الشنيع من الذل والخوف والتنكيل والقتل الجماعي، والجهل المركب، والأحكام الجائرة على أيدي فئة تزعم أنها تمثل الرغبة الإلهية في كل ما تأتي وتذر.
فظهرت القومية كغيرها من الأفكار الأخرى، ووقفت من الدين وأهله نفس المواقف للنظريات الإلحادية الأخرى، ويظهر أنه لم يكن لديهم أي جامع أو رابط يقدمونه لشعوبهم غير هذا الرابط الجديد الذي داروا حوله بكل جد وقدسوه، إلى أن أوصلوه قريب الألوهية، علهم يجدون فيه عزاءً عن الالتجاء إلى الإله الذي كان هو السبب في إذلالهم على أيدي رجال الكنيسة -كما زعموا- الذين كانوا يمثلونه في الأرض كما قرره زعماء الكنيسة الرهبان لهم لتحقيق شهواتهم، وافتراء على الله -تبارك تعالى.
وعلى هذا، فإن ظهور القومية في أوروبا وعامة دول العالم المسيحي، إنما كان لتلك الأسباب الظاهرة وغيرها، وكان لهم ما يبرر ذلك الخروج فيما ظهر من أحوالهم -وإن لم يكن مبررًا حقيقيًّا- وبعد خروجهم ذلك ألّهوا كل ما راق لهم، ومنها القومية التي قدسوها وزينوا أمرها لكل الشعوب؛ لتكون العزاء والبديل عن الدين النصراني ورجاله.
يقول الندوي: “ولا يزال القوميون في داخل البلاد وخارجها يزينون للشعوب الصغيرة القومية، ويطرون آدابها ولسانها، وثقافتها وتهذيبها، ويمجدون لها تاريخها حتى تصبح نشوانة بالعواطف القومية والخيلاء والكبرياء، وتدل بنفسها وتظن أنها مانعتها حصونها، وما أعدت للحرب، وتنقطع عن العالم، وتتحرش أحيانًا بالدول الكبيرة؛ غرورًا بنفسها أو تهجمًا عليه الدول فلا تلبث إلا عشيةً أو ضحاها، وتذهب ضحية لقوميتها وانحصارها في دائرة ضيقة، ولا يغني أولئك المسئولون عنها شيئًا: {كَمَثَلِ الشّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قَالَ إِنّي بَرِيَءٌ مّنكَ إِنّيَ أَخَافُ اللّهَ رَبّ الْعَالَمِينَ} [الحشر: 16].
ومن الجدير بالذكر أن القومية كانت في نشأتها لا يرمي أهلها إلا إلى الخلاص من قبضة رجال الدين، وتنفس الصعداء من الأغلال التي كانت عليهم.
ولكن ما إن تم لهم ذلك الخلاص المنشود حتى انتقلوا نقلة أخرى، فصاروا لا يقنعون بذلك الخلاص، وإنما تطلعوا إلى ظلم الآخرين والبغي عليهم، واستعمار الضعفاء من الناس، واستعبادهم، وحصل من وراء ذلك شر عظيم وفتن عريضة وحروب، ثم انقلب السحر على الساحر، فأصبحوا في دوامة القومية التي لا تعقل ولا ترحم، ونبغت قرون الشر في رأس كل فريق من القوميين، كل ينوح على ليلاه، وكل فتاة بأبيها معجبة، فانتعش بينهم فن المفاخرات؛ لضرورة الحاجة إليه في ظل القومية التي لم يقم بناؤها في الأساس إلا على هذا المسلك البغيض في بداية تكوينها في أوروبا.
وبعد أن سار ركب القومية في أوروبا يحطم بعضه بعضًا، وكثرت الحروب بينهم؛ نتيجة التعصبات القومية الشعوبية الهوجاء، عاد الأسد إلى عرينه، فقام مفكروهم وقادتهم بالدعوة الجادة إلى نبذ القومية، وأنها رجعية وليست تقدمية حضارية، ويجب نبذها، وأنها تمثل أفكار “هتلر” النازي حين قسَّم العالَم على أساس عرقي، أفضلهم الألمان.
ولأن مسلك التقدم والحضارة لا يتماشَى مع مسالك القومية الضعيفة، فلفظتها أوربا لتقع في أيدي المخادعين والماكرين من النصارى العرب وغيرهم؛ ليتموا حاجةً في نفس يعقوب، بعد أن بيتوا النيةَ لحرب الإسلام -كما سنذكر ذلك في موضعه.
يقول الدكتور صلاح الدين المنجد: “تنبه العرب إلى فكرة القومية في أوائل القرن بعد أن مضى على موتها في أوروبا فترة طويلة بتأثير الغرب، ومما يذكره الباحثون عن القوميات الأوربية وسبب ظهورها، أن البدايات الأولى لظهور القوميات هناك، كان إثرَ النزاعات التي احتدمت بين رجال الدين الكنسي والملوك حول الأحقية بالسيطرة والأمر والنهي، هل هم الملوك فقط أم رجال الدين فقط؟ وكاد أن يتم الحل بينهم على أن تكون السلطة الأمنية للملوك، والسلطة الروحية للبابوات، إلا أن الأمور انحدرت إلى هاوية سحيقة كانت هي ثالثة الأثافي، وهو النزاع الشرس الذي نشب بين رجال الدين أنفسهم، وما وقع بين الكنائس من عداوات خرجت تباعًا عن الكنيسة الأم في روما، وتعصبت كل كنيسة لآرائها: كاثوليكي، بروتوستانتي، وإصلاحيات…إلخ.
وانفلت الأمر، وصار الحبل على الغارب، فقام كل فريق بتكوين نفسه ومذهبه، فانتشرت المذاهب والأفكار، ومنها قيام القوميات على ذلك النحو، وأخذ النزاع طابعًا قوميًّا.
ثالثًا: أسس الدعوة القومية والهدف من ورائها:
الدعوة القومية التي ظهرت في أوروبا وتأسست بتأثيرها دول مثل إيطاليا وألمانيا يُظهِرُ الواقع أن الاستعمار هو الذي شجَّع الفكر القومي، وعمل على نشره بين المسلمين؛ حتى تصبح القومية بديلًا عن الدين، مما يؤدي إلى انهيار عقائدهم، ويعمل على تمزيقهم سياسيًّا، حيث تثور العداوات المتوقعة بين الشعوب المختلفة.
يلاحظ نشاط نصارَى بلاد الشام -وخاصةً لبنان- في الدعوة إلى الفكر القومي أيام الدولة العثمانية؛ وذلك لأن هذا الفكر يعمق العداوةَ مع الدولة العثمانية المسلمة التي يكرهونها، وينبِّه في العرب جانبًا من شخصيتهم غير الدينية، مما يبعد بهم عن العثمانيين.
من بعض الجوانب يمكن أن يعد ظهور الفكر القومي العربي رد فعل للفكر القومي “التركي الطوراني”.
ومن الجدير بالذكر أن كانت في نشأتها لا يرمي أهلها إلا الخلاص من قبضة رجال الدين، وتنفس الصعداء من الأغلال التي كانت عليهم، ولكن ما أن تمَّ لهم ذلك الخلاص المنشود، حتى انتقلوا نقلة أخرى فصاروا لا يقنعون بذلك الخلاص، وإنما تطلعوا إلى ظلم الآخرين، والبغي عليهم، واستعمار الضعفاء من الناس، واستعبادهم،وحصل من وراء ذلك شر عظيم، وفتن عريضة وحروب، ثم انقلب السحر على الساحر -كما تقدم- فأصبحوا في دوامة القومية، لا تعدل ولا ترحم، ونبغت قرون الشر في رأس كل فريق من القوميين كما تقدم بيانه.

error: النص محمي !!