Top
Image Alt

القياس

  /  القياس

القياس

من مصادر التشريع: القياس:

تعريفه: هو إلحاق واقعة لا نص على حكمها بواقعة ورد نص بحكمها؛ لتساوي الواقعتين في علة هذا الحكم، فالقياس والاستدلال طريق لإثبات الأحكام في العقليات، والقياس: فعل القائس وهو حمل فرع على أصل في بعض أحكامه لمعنى يجمع بينهما، وقيل: هو الاجتهاد والأول أجمع؛ لأن الاجتهاد هو بذل المجهود في طلب العلم، فيدخل فيه حمل المطلق على المقيد وترتيب الخاص على العام، وجميع الوجوه التي يطلب منها الحكم، وليس شيء من ذلك بقياس. فشرب الخمر مثلًا واقعة ثبت بالنص حكمها، وهو التحريم الذي دل عليه قوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: 90] لعلة هي الإسكار، فكل نبيذ أو شراب توجد فيه هذه العلة يسوى بالخمر في حكمه ويحرم شربه.

والبيع وقت النداء للصلاة من يوم الجمعة واقعة ثبت بالنص حكمها، وهو الكراهة التحريمية التي دل عليها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9] فعلة الكراهية هي شغل المكلف عن الصلاة، والإجارة أو الرهن أو أي معاملة وقت النداء لصلاة الجمعة توجد فيها هذه العلة، وهي شغل المكلف عن الصلاة، فيقاس على البيع بالحكمة ويكره هذا التعامل وقت النداء للصلاة. والأمثلة على ذلك كثيرة.

حجيته ودليله: مذهب جمهور علماء المسلمين أن القياس حجة شرعية، وأنه في المرتبة الرابعة من مصادر التشريع الأساسية، بحيث إذا لم يوجد في الواقعة حكم نص عليه القرآن أو السنة أو إجماع؛ عندئذ يؤخذ بحجية القياس مع ثبوت تساويها في علة الحكم، فإنها تقاس عليها ويحكم فيها بحكمها، ويكون هذا شرعًا ويسع المكلف اتباعه والعمل به، ولا عبرة لمن نفاه ولم يأخذ به من الظاهرية وبعض فرق الشيعة أو أهل التكفير حديثًا.

وقد استدل الجمهور على حجية القياس بالأدلة التالية:

قال تعالى: { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] ووجه الاستدلال بهذه الآية أن الله سبحانه أمر المؤمنين إن تنازعوا واختلفوا في شيء -ليس لله ولا لرسوله ولا لأولي الأمر منهم فيه حكم- أن يردوه إلى الله والرسول. ورده وإرجاعه إلى الله وإلى الرسول يشمل كل ما يصدق عليه أنه رد إليهما، ولا شك أن إلحاق ما لا نص فيه بما فيه نص لتساويهما في علة حكم النص من رد ما لا نص فيه إلى الله والرسول؛ لأن فيه متابعة لله ولرسوله في حكمه. { فَرُدُّوهُ } أي فقيسوه وهو قياس ما لا نص فيه على ما فيه نص مع تساوي الأمرين في العلة.

قوله تعالى أيضًا: { هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ } [الحشر: 2] وموضع الاستدلال قوله سبحانه وتعالى: { فَاعْتَبِرُوا } ووجه الاستدلال أن الله سبحانه بعد أن قص ما كان من بني النضير الذين كفروا، وبين ما حاق بهم من حيث لم يحتسبوا قال: { فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} أي فقيسوا أنفسكم بهم لأنكم أناس مثلهم، إن فعلتم مثل فعلهم حاق بكم مثل ما حاق بهم.

وقوله تعالى: { قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ } [يس: 79] جوابًا لمن قال: { مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ } [يس: 78] ووجه الاستدلال بهذه الآية أن الله سبحانه وتعالى استدل بها على منكري البعث بالقياس؛ فإن الله سبحانه قاس إعادة المخلوقات بعد فنائها على بدء خلقها وإنشائها أول مرة؛ لإقناع الجاحدين بأن من قدر على بدء الخلق وإنشائه أول مرة قادر على أن يعيده، بل هذا أهون عليه. فهذا الاستدلال بالقياس إقرار لحجية القياس وصحة الاستدلال به.

وأما في السنة فما ثبت في صحيح السنة من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في كثير من الوقائع -التي عرضت عليه ولم يوح إليه بحكمها- استدل على حكمها بطريق القياس، وفعل الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر العام تشريع لأمته، ولم يقم دليل على اختصاصه به، فالقياس فيما لا نص فيه من سنن الرسول وللمسلمين به أسوة. فقد ورد من ذلك أن جارية خثعمية قالت: ((يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الحج شيخًا زمنًا لا يستطيع أن يحج، إن حججت عنه أينفعه ذلك؟ فقال لها: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ينفعه ذلك؟ قالت: نعم، فقال لها: فدين الله أحق بالقضاء)).

وورد: ((أن رجلًا من فزارة أنكر ولده لما جاءت به امرأته أسود، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها؟ قال: حمر قال: هل فيها من أورق؟ قال: نعم، قال: فمن أين؟ قال: لعله نزعه عرق، قال: وهذا لعله نزعه عرق)) وهناك أمثلة كثيرة لأقيسة الرسول صلى الله عليه وسلم ذكرها ابن القيم في كتابه (إعلام الموقعين).

وأما أفعال الصحابة وأقوالهم فهي ناطقة بأن القياس حجة شرعية، فقد كانوا يجتهدون في الوقائع التي لا نص فيها، ويقيسون ما لا نص فيه على ما فيه نص ويعتبرون النظير بنظيره. قاسوا الخلافة على إمامة الصلاة، وبايعوا أبا بكر بها وبينوا أساس القياس بقولهم: “رضيه رسول الله لديننا أفلا نرضاه لدنيانا؟!”. وقاسوا خليفة الرسول على الرسول صلى الله عليه وسلم، وحاربوا مانعي الزكاة الذين منعوها استنادًا إلى أنها كان يأخذها الرسول صلى الله عليه وسلم لأن صلاته سكن لهم؛ لقوله عز شأنه: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة: 103].

وقال عمر بن الخطاب في عهده لأبي موسى الأشعري: “ثم الفهم فيما أدلي إليك مما ورد عليك مما ليس فيه قرآن ولا سنة، ثم قايس بين الأمور عند ذلك واعرف الأمثال، ثم اعمد فيما ترى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق”. وقال علي بن أبي طالب: “ويعرف الحق بالمقايسة عند ذوي الألباب”. وهناك أدلة عقلية أخرى ترتبط بهذا القياس؛ حيث إن الله سبحانه وتعالى ما شرع حكمًا إلا لمصلحة، وإن مصالح العباد هي الغاية المقصودة من تشريع الأحكام، فإذا ساوت الواقعة التي لا نص فيها الواقعة المنصوص عليها في علة الحكم -التي هي مظنة المصلحة- قضت العدالة والحكمة أن تساويها في الحكم؛ تحقيقًا للمصلحة التي هي مقصود الشارع من التشريع.

ولما كانت نصوص القرآن والسنة محدودة متناهية ووقائع الناس وأقضيتهم غير محدودة ولا متناهية، فلا يمكن أن تكون النصوص المتناهية وحدها هي المصدر التشريعي لما لا يتناهى، فأصبح القياس مصدرًا تشريعيًّا يساير الوقائع المتجددة، ويكشف حكم الشريعة فيما يقع من حوادث، ويوفق بين التشريع والمصالح.

والقياس دليل تؤيده الفطرة السليمة والمنطق الصحيح. تلك أظهر الأدلة على مشروعية القياس، ولقد رأينا -من الأمثلة التي سبق ذكرها- أن القياس مرجعه إلى الكتاب والسنة دائمًا؛ لأن المقيس عليه دائما إنما هو حكم ثابت بالنص، ولا يخفى ما في هذا المصدر من معين ثري لإمداد الفقه الإسلامي بمسائل التشريع وقضايا الأحكام على مدى الدهر، ولذلك فلا يجوز إنكار القياس مع وضوح الأدلة، ثم يبيح البعض لأنفسهم الاجتهاد بلا قيد ولا شرط، مع أن القياس لا يعدو إلا أن يكون اجتهادًا من نوع خاص.

كانت هذه هي مصادر التشريع الأربعة الرئيسة، والتي هي الأدلة التي نستند عليها ونرجع إليها في أحكام الدين وفي العقيدة، وفي كل مسائل الدين، ولا بد عند الرجوع إليها من ضوابط تسمى ضوابط الاستدلال. الكتاب والسنة هما الأصل المعتمد الذي يصدر عنه في الاستدلال، ويرد إليه حين التنازع، وأن المرجع في فهم نصوص الكتاب والسنة هو النصوص المبينة لها، وفهم السلف الصالح ومن سار على نهجهم من الأئمة، ثم ما صح من لغة العرب، والواجب في نصوص الوحيين إجراؤها على ظاهرها دون التعرض لها بتحريف أو تعطيل ونحوهما، واعتقاد أن ظاهرها يطابق مراد المتكلم بها ولا سيما ما يتعلق منها بأصول الدين والإيمان، إذ لا مجال للرأي فيها.

ومراد المتكلم يعرف بطرق عدة؛ منها: أن يصرح بإرادة المعنى المطلوب بيانه، وأن يستعمل اللفظ الذي له معنى ظاهر بالوضع، مع تخلية الكلام عن أي قرينة تصرفه عن هذا الظاهر، وأن يحف الكلام بالقرائن الدالة على مراده. ومن الضوابط أيضًا فيما يرتبط بمسائل أصول الدين من الإيمان بالله وأسمائه وصفاته ورسالاته واليوم الآخر، ونحو ذلك من الأصول والثوابت التي جاءت بها جميع رسل الله، وما ذكره من الوعد والوعيد وأخبار الرسل ودعواتهم لا يدخلها النسخ أو التبديل، بل هي محكمة ثابتة، ويجب أن تقابل بالتصديق والتسليم، ويعلم أنها حق مطابق للأمر في نفسه، لا يجوز أن يختلف عليه أو يتعارض، وأنه لا تعارض بين صحيح النقل وصريح العقل، فالدين كله بأخباره وأحكامه ليس فيه ما يعلم بطلانه بالعقل، بل العقل يشهد بصحته على الإجمال والتفصيل.

error: النص محمي !!